تفتح عودة التعاون الأوروبي مع سورية نافذة اقتصادية نادرة يمكن أن تتحول، إذا أُحسن استثمارها، إلى مسار لإعادة بناء الاقتصاد السوري على قاعدة الإنتاج والتصدير، لا الاستيراد والاستهلاك. غير أن نجاح هذه الفرصة يبقى مرهوناً بسياسات تدريجية واقعية، تبدأ من القطاعات الأكثر جاهزية، وتربط الدعم الأوروبي بإعادة تأهيل سلاسل القيمة الزراعية والصناعية.
فرصة لا تُقاس بحجم الإعلان بل بمآلاته
ليست كل الفرص الاقتصادية تُعلَن بصوت عالٍ. بعضها يأتي بهدوء، لكنه يحمل أثراً قد يعيد تشكيل مسار اقتصاد بأكمله. الإعلان عن عودة برنامج التعاون الأوروبي مع سورية يندرج ضمن هذا النوع: خطوة تبدو تقنية، لكنها في جوهرها نافذة استراتيجية لإعادة تموضع الاقتصاد السوري على أسس إنتاجية وتصديرية.
ولعل أهمية هذه الخطوة تتضاعف إذا ما استُحضر أن الاتحاد الأوروبي كان قد علّق جزءاً من اتفاق التعاون مع سورية منذ عام 2011، قبل أن تقترح المفوضية الأوروبية في 20 نيسان/أبريل 2026 استئناف الاتفاق كاملاً، في خطوة تنتظر اعتماد المجلس الأوروبي رسمياً. وهذا يجعل العودة اليوم مؤشراً نوعياً يستدعي التعامل معه بجدية عالية، ليس كفرصة عابرة، بل كمسار ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه ضمن رؤية اقتصادية واضحة.
“يمثّل المقترح خطوة جديدة في العلاقات بين الجانبين.”
المفوضية الأوروبية، في بيانها حول استئناف اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسورية.
السوق الأوروبية: معيار جودة لا مجرد وجهة تصدير
أوروبا، بسوقها الواسعة، ليست مجرد وجهة تصدير؛ إنها معيار جودة ومنصة اندماج في سلاسل التوريد العالمية. فالدخول إلى هذا السوق لا يعني بيع منتجات فحسب، بل الارتقاء بمعايير الإنتاج، وبناء قدرات تنافسية، وتحويل فائض الموارد المحلية إلى قيمة مضافة قابلة للتسويق.
من هنا، تصبح العودة إلى التعاون الأوروبي اختباراً حقيقياً: هل ستُترجم إلى سياسة اقتصادية واضحة، أم تبقى ضمن حدود الإعلان؟
اختلال بنيوي يحتاج إلى تصحيح
كشفت السنوات الماضية اختلالاً بنيوياً واضحاً: استيراد واسع دون ضوابط كافية، مقابل إنتاج محلي متراجع، ومنشآت أُغلقت، وموارد زراعية وصناعية غير مستثمرة بالشكل الأمثل. وكانت النتيجة ضغطاً على العملة، وتراجعاً في فرص العمل، واتساع الفجوة بين القدرة الإنتاجية وإمكانات التسويق.
لكن التعامل مع هذه الفرصة يتطلب قدراً عالياً من الواقعية. فالدخول إلى السوق الأوروبية لا يتم بقرار سياسي أو إعلان تعاون فقط، بل يواجه تحديات بنيوية لا يمكن تجاهلها، في مقدمتها القيود المرتبطة بالعقوبات، وضعف البنية التحتية اللوجستية، وصعوبات التمويل والتحويلات المالية، إضافة إلى تراجع جاهزية جزء من القطاع الإنتاجي لمواكبة المعايير الأوروبية.
هذه التحديات لا تعني استحالة المسار، لكنها تعني أن الانتقال نحو اقتصاد تصديري يجب أن يُبنى على مقاربة تدريجية، تبدأ من القطاعات الأكثر جاهزية، وتتحرك ضمن هوامش ممكنة، بدل افتراض جاهزية شاملة غير متوفرة في المرحلة الحالية.
الفائض المهدور: من خسارة محلية إلى فرصة تصديرية
في المقابل، تشير تقديرات دولية إلى أن نسبة معتبرة من الإنتاج الزراعي في اقتصادات مشابهة تُفقد بعد الحصاد بسبب ضعف التخزين والنقل والتسويق، وترتفع النسبة في المنتجات الطازجة. وفي الحالة السورية، يكفي النظر إلى قطاع الحمضيات — بإنتاج يتجاوز 1.2 مليون طن سنوياً — لإدراك حجم الفجوة: كميات كبيرة تُهدر أو تُباع بأسعار لا تغطي التكلفة، فيما يمكن أن تحقق قيمة أعلى بكثير إذا وُجّهت للتصدير بشكل منظم.
وتقديراً محافظاً، يمكن أن تتراوح الخسائر المباشرة في بعض القطاعات القابلة للتصدير بين 3 و10 ملايين دولار سنوياً. قد يبدو الرقم محدوداً، لكنه دالّ: المشكلة ليست في نقص الإنتاج، بل في غياب منظومة تحوّل الفائض إلى قيمة.
ولا يقف الأثر عند المال؛ فكل مليون دولار من النشاط الزراعي/التصديري يمكن أن يخلق ما بين 20 و40 فرصة عمل مباشرة، إلى جانب فرص غير مباشرة عبر سلاسل التوريد. أي أن تحويل هذه الفجوة إلى تصدير منظم يعني ما بين 60 و400 فرصة عمل مباشرة، ومئات الفرص الإضافية، وهو ما ينعكس على الدخل والقوة الشرائية واستقرار السوق.
“المشكلة ليست في نقص الإنتاج، بل في غياب منظومة تحوّل الفائض إلى قيمة.”
السوق الأوروبية صارمة لكنها ليست مغلقة
تؤكد التجربة العملية في الأسواق الأوروبية أن هذا السوق ليس مغلقاً، لكنه صارم في معاييره. فالطلب موجود على المنتجات الزراعية والغذائية، وكذلك على الصناعات التحويلية الخفيفة، بشرط الالتزام بالجودة والتتبع والتغليف.
ما يُهدر اليوم داخل السوق المحلية يمكن أن يصبح دخلاً مضاعفاً عند تصديره باحتراف، دون أن يضغط على الأسعار داخلياً إذا أُدير التوازن بعناية.
وتُظهر تجارب دول مثل تركيا والمغرب ومصر أن النجاح لم يُبنَ على انفتاح مفاجئ، بل على مسار تراكمي بدأ بقطاعات محددة، ثم توسع تدريجياً مع تحسين الجودة والبنية التحتية وبناء الثقة مع الأسواق الأوروبية. وهذا يؤكد أن النجاح في هذا المسار يرتبط بإدارة الانتقال بشكل مرحلي ومدروس.
من الزراعة إلى الصناعة: توسيع قاعدة القيمة المضافة
لا ينبغي حصر هذا التوجه في القطاع الزراعي فقط، بل يجب توسيعه ليشمل قطاعات إنتاجية أخرى تمتلك سورية فيها ميزة نسبية، مثل الصناعات النسيجية وصناعة القطنيات والملابس، والصناعات الحرفية اليدوية، والصناعات الغذائية.
ويبرز بشكل خاص قطاع القطنيات، الذي كان يشكل تاريخياً أحد أعمدة الصناعة السورية، حيث يمكن إعادة تفعيله ضمن نموذج إنتاجي حديث يعتمد على التصنيع المرحلي: من الغزل، إلى النسيج، ثم الألبسة الجاهزة، بما يضاعف القيمة المضافة بدل الاكتفاء بتصدير المواد الأولية.
أما الصناعات الحرفية اليدوية، فهي تحمل طابعاً ثقافياً يمكن أن يشكل عنصر جذب في الأسواق الأوروبية، في حين تمثل الصناعات الغذائية حلقة وصل مباشرة بين الزراعة والتصدير، وتتيح رفع القيمة المضافة بدل تصدير المواد الخام. إن إدماج هذه القطاعات ضمن استراتيجية تصديرية متكاملة يساهم في تنويع مصادر الدخل، وتقليل المخاطر، وتعزيز مرونة الاقتصاد.
“تستهدف برامج تنافسية التصدير رفع قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر تطوير الجودة والمعايير والكفاءة بما يلبي طلب الأسواق.”
“محمد سكاف”
قيمة التعاون الأوروبي: ما بعد فتح السوق
هنا تبرز قيمة التعاون الأوروبي بما يتجاوز “فتح السوق”. فالمؤسسات والبرامج الأوروبية يمكن أن توفر أدوات تنفيذ: دعماً للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتمويلاً لسلاسل القيمة الزراعية، ونقلاً للمعرفة التقنية، وبرامج للامتثال للمعايير الدولية.
إن توجيه هذا الدعم نحو مراكز الفرز والتوضيب، وسلاسل التبريد، والنقل المبرد، وتأهيل خطوط التصنيع الغذائي، يمكن أن يحقق أثراً سريعاً وملموساً، ويختصر سنوات من إعادة البناء.
وقد أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في كانون الثاني/يناير 2026 حزمة دعم تقارب 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027، تشمل المساعدات الإنسانية والتعافي المبكر والدعم الثنائي، وهو ما يجعل المسألة مرتبطة بقدرة سورية على تحويل الدعم إلى مشاريع إنتاجية قابلة للقياس، لا إلى إنفاق متفرق.
“بعد سنوات من الدمار، تبدو احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في سورية هائلة.”
أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، خلال زيارتها إلى دمشق. المصدر
خريطة طريق بثلاث مراحل
وعليه، فإن تحويل هذه الفرصة إلى نتائج ملموسة يتطلب مساراً عملياً واضحاً يمكن تلخيصه في ثلاث مراحل:
أولاً: مرحلة الاستقرار السريع من 6 إلى 12 شهراً
تقوم هذه المرحلة على التركيز على تصدير منتجات محدودة ذات جاهزية نسبية، مثل بعض الخضار والفواكه وبعض الصناعات الغذائية البسيطة، مع فتح قنوات تصدير أولية، واختبار القدرة العملية على الالتزام بالجودة والتغليف والتوريد المنتظم.
ثانياً: مرحلة التأهيل من سنة إلى 3 سنوات
تتطلب هذه المرحلة تطوير سلاسل التبريد، وتحسين جودة الإنتاج، وإدخال الصناعات النسيجية والقطنيات إلى مسار التأهيل، ودعم المنتجين للحصول على الشهادات الأوروبية اللازمة. وفي هذه المرحلة، يجب الانتقال من فكرة “تصدير الفائض” إلى بناء منتجات مصممة أصلاً للتصدير.
ثالثاً: مرحلة التوسع من 3 إلى 5 سنوات
تقوم هذه المرحلة على بناء سلاسل إنتاج متكاملة، والتوسع في الصناعات التحويلية والحرفية، وتطوير علامات تجارية سورية قادرة على المنافسة في السوق الأوروبية. وهنا يصبح التصدير جزءاً من بنية الاقتصاد لا مجرد نشاط موسمي أو فرصة ظرفية.
اقتصاد تصديري لا يتحقق بخطوة واحدة
بذلك، فإن الحديث عن دخول السوق الأوروبية لا يجب أن يُفهم كتحول سريع أو شامل، بل كمسار طويل يتطلب بناء تدريجياً للقدرات، حيث يكون النجاح فيه نتيجة تراكمية لقرارات صحيحة، وليس نتيجة خطوة واحدة.
وفي ضوء ما سبق، تبدو الحاجة قائمة إلى تبنّي مقاربة هادئة وواقعية تستثمر نافذة التعاون الأوروبي عبر توجيهها نحو أولويات إنتاجية محددة، مع تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لضمان سرعة التنفيذ وكفاءة المتابعة.
إن اعتماد خطوات تدريجية ومدروسة في دعم التصدير وتأهيل القطاعات الزراعية والصناعية يمكن أن يحقق نتائج ملموسة دون ضغوط على السوق الداخلي، ويؤسس لمسار اقتصادي أكثر توازناً واستدامة.
ختاماً: القرار وسرعة التنفيذ
في النهاية، تقف سورية أمام خيار واضح: إدارة الموارد ضمن دائرة محدودة، أو الانطلاق نحو اقتصاد إنتاجي تصديري قادر على فرض نفسه في الأسواق العالمية.
وبين هذين الخيارين، يبقى العامل الحاسم هو القرار وسرعة تنفيذه.
اللهم اكتب الخير لسورية وشعبها.







