بادئة:
أكتب في منصة «مآلات» للمرة الأولى لأنّها تبدو، في لحظةٍ سوريةٍ وإقليميةٍ شديدة الحساسية، منبراً تفاعلياً للرأي الحر، ومساحةً مفتوحةً أمام الإعلاميين والباحثين لاستشراف مستقبل سوريا عبر قراءة ما يجري في الشرق الأوسط والعالم. فالأحداث الكبرى لا تقع بعيداً عنا، حتى حين تبدو عابرةً للقارات؛ إذ إنّ ارتجاج التحالفات الدولية، وتصدّع بنى القوة، وانكشاف حدود القرار الأمريكي والأوروبي، كلها عناصر ستنعكس، بدرجاتٍ مختلفة، على موقع سوريا المقبلة، وعلى خياراتها، وعلى قدرتها على فهم العالم قبل أن تجد نفسها موضوعاً في حساباته.
من هنا تأتي هذه القراءة في أزمة حلف شمال الأطلسي، لا بوصفها شأناً غربياً خالصاً، بل باعتبارها مدخلاً لفهم التحولات الكبرى التي قد تعيد تشكيل موازين القوة، وتفتح أمام الدول الخارجة من الحروب، ومنها سوريا، سؤالاً جوهرياً:
كيف تقرأ الدول الصغيرة والمتوسطة انهيار اليقين في مراكز القوة الكبرى؟
“فراس يونس”
الناتو أمام ساعة الحقيقة
عمّقت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تشققات حلف شمال الأطلسي بين أعضائه، وبالتحديد بين ضفتي الأطلسي: أوروبا والولايات المتحدة. وما كان يبدو، لعقودٍ طويلة، مظلةً دفاعيةً صلبةً لا تهتز، أخذ يظهر اليوم كائتلافٍ مثقلٍ بالأسئلة الحرجة حول معنى الالتزام، وحدود التضامن، وموقع القرار الأوروبي داخل منظومةٍ كانت واشنطن مركز ثقلها شبه المطلق.
فتيل أزمةٍ وجوديةٍ في أوروبا تؤججه الحرب في الخليج العربي/الفارسي، وتلقي بتردداتها التكتونية في أرجاء العالم ومراكز القوة، وفي الصميم منها حلف شمال الأطلسي. فالناتو يواجه الآن ما يمكن تسميته «ساعة الحقيقة»، مثقلاً بأسئلة إعادة تعريف ذاته، وهويته، ووجهة أهدافه، وضمان وحدته، وقدرته على السير «معاً» في اصطفافٍ طوعي، لا في طاعةٍ تلقائيةٍ لإرادة الحليف الأقوى.
ليست أزمة الناتو اليوم أزمة عسكرية فقط، بل أزمة معنى: من يقرر الحرب، ومن يدفع كلفتها، ومن يملك حق الاعتراض داخل الحلف؟
“فراس يونس”
القواعد العسكرية: من رموز قوة إلى قنابل سياسية موقوتة
وضعت الحرب على إيران الحلفاء الأوروبيين في الناتو أمام خياراتٍ أحلاها مرّ. فالقواعد العسكرية التي كانت تُقدَّم بوصفها مراكز قوة أمريكية–أطلسية تحوّلت، في لحظة الاختبار، إلى «قنابل سياسية موقوتة» تهدد بتفكيك المظلة الأطلسية من داخلها.
اصطدمت أوامر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومنطقه التحالفي القائم على الإملاء لا التشاور، بما يمكن وصفه بـ«لاءات» أوروبية متصاعدة داخل الحلف. وكأنّ لسان حال دول الشطر الأوروبي من الناتو يقول: لا استجابات تلقائية لاستدعاء القوة من دون مسوغٍ مقنع، ولا تفويض مفتوحاً لحربٍ تُخاض في معتركٍ جيوسياسي شديد التعقيد، يقع في قلب مراكز إنتاج الطاقة، وممرات الملاحة الاستراتيجية، وشبكات الاقتصاد العالمي.
هذا الموقف الأوروبي الجماعي لا يعني بالضرورة رغبةً في فرط عقد الحلف، لكنه يكشف رفضاً سياسياً واضحاً لخيار الحرب، وإلحاحاً على الإدارة الأمريكية بوقف الانزلاق العسكري، وفرملة تطلعات الحليف الإسرائيلي ومغامراته التي قد تجرّ الاقتصاد العالمي إلى عاصفةٍ غير قابلةٍ للضبط.
وقد لخّصت تقارير صحفية غربية جوهر الأزمة بالإشارة إلى أنّ القيود الأوروبية على وصول الولايات المتحدة إلى بعض القواعد العسكرية خلال حرب إيران كشفت صدعاً عميقاً داخل الناتو، وأثارت تساؤلات حول قدرة أوروبا على إقناع ترامب بعدم الانسحاب أو تقليص الالتزام الأمريكي بالحلف.
المادة الخامسة: دفاع جماعي أم تفويض لحروب هجومية؟
يبدو الفريق الأوروبي في الناتو، في جوهر موقفه، أقرب إلى روح ميثاق الحلف، وخاصة المادة الخامسة التي تعتبر الهجوم على دولةٍ عضوٍ هجوماً على جميع الدول الأعضاء. فالنص الرسمي للمادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي عندما يقع «هجوم مسلح» على عضوٍ في أوروبا أو أمريكا الشمالية، لا على تحويل الحلف إلى أداة مشاركةٍ تلقائيةٍ في حروبٍ تبدأها دولة عضو أو حليف خارجي.
في «حرب الخليج الرابعة»، وفق توصيف الكاتب، لا تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل في موقع الدولة المعتدى عليها ضمن تعريف المادة الخامسة، بل في موقع الطرف المبادر إلى الحرب على إيران. وهذا ما يجعل الاستدعاء التلقائي للالتزام الأطلسي محل اعتراضٍ سياسي وقانوني وأخلاقي، لأنه ينقل الناتو من منطق الدفاع الجماعي إلى منطق التغطية الجماعية لحربٍ خلافية.
“المادة الخامسة وُضعت لحماية الحلفاء من العدوان، لا لمنح شيكٍ عسكري مفتوح لحروبٍ لا يوافقون على دوافعها ولا على مآلاتها.”
“فراس يونس”
واشنطن بين الحليف والقائد الآمر
هذا التعطيل الأوروبي لاستخدام بعض القواعد العسكرية الأمريكية لا يتوخّى، من ناحيةٍ مباشرة، إسقاط حلف شمال الأطلسي أو إنهاء وجوده. لكنه يعكس اضطراباً سياسياً عميقاً داخل أروقة القيادة الأطلسية، تنظيمياً وعسكرياً، في محاولةٍ لملمة شظايا انفجارٍ غير مسبوق، وكشفاً لصعوبة ضبط ردود فعل الحليف الأمريكي الأبرز.
وقد عبّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن هذا الانزعاج حين رأى أنّ رفض بعض حلفاء الناتو السماح باستخدام القواعد الأمريكية لإسقاط القوة في الخارج «مشكلة يجب بحثها»، مشيراً إلى أنّ إحدى مزايا وجود الولايات المتحدة في الناتو هي امتلاك قواعد في أوروبا تسمح لها بالتحرك عند الطوارئ.
هذا التصريح لا يكشف أزمةً تقنيةً في استخدام القواعد فقط، بل يفضح اختلافاً أعمق في فهم وظيفة الناتو: هل هو تحالف دفاعي مشترك، أم شبكة تموضع أمريكية عالمية تتيح لواشنطن التحرك من الأراضي الأوروبية حين تشاء؟
لندن ومحاولة التمايز عن القارة
في منتصف الطريق تقف لندن، كما جرت عادتها في كثيرٍ من المنعطفات الأطلسية، محاولةً التمايز عن الموقف الأوروبي العام، والدفع باتجاه الحفاظ على بقايا نفوذ الناتو بوصفه مصلحةً أمريكيةً قبل أن يكون منحةً أوروبية. فالموقف البريطاني لا يصدّق بسهولة إمكانية خروج واشنطن من الحلف، ولا يريد أن يرى في التململ الأمريكي أكثر من تقلباتٍ سياسيةٍ قابلةٍ للاحتواء.
وفي هذا السياق، سارع وزير الدفاع البريطاني جون هيلي إلى التأكيد أنّ الولايات المتحدة «منخرطة تماماً» في حلف الناتو، مع ما يترتب على ذلك من فوائد ومساهمات كبيرة، داعياً أوروبا إلى بذل المزيد في جانبها الدفاعي. وقد نقلت رويترز عنه قوله إنّ أمريكا «مرتبطة تماماً» بالناتو، وإنّ على الأوروبيين فعل المزيد، «ونحن نفعل وسنواصل فعل ذلك».
لكن هذا التمايز البريطاني، بدل أن يبدد الشكوك، زاد في وضوح الشروخ البينية داخل الحلف، إذ بدا وكأنّ أوروبا لم تعد تتحدث بصوتٍ واحد، لا تجاه واشنطن، ولا تجاه الحرب، ولا تجاه مستقبل العلاقة الأطلسية نفسها.
أوروبا بعد المظلة الأمريكية: ثمن الأمن المؤجل
التململ الأوروبي من ضغوط ترامب يجعل المظلة الأطلسية التي حمت أوروبا لعقودٍ مهددةً بالانطواء، أو على الأقل بإعادة التسعير السياسي والاستراتيجي. فالقارة التي اعتادت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وطوال الحرب الباردة، أن تتحرك تحت الحماية الأمريكية، تجد نفسها الآن أمام احتمال دفع ثمن أمنها كاملاً، بعيداً عن الضمانات التي وفرتها واشنطن في مواجهة الاتحاد السوفييتي سابقاً، وروسيا لاحقاً، والإرهاب الدولي بعد ذلك.
لقد دخلت أوروبا، بفعل هذه الحرب، مفترق طرقٍ بالغ القسوة: إما الانصياع التام لبوصلة الولايات المتحدة العسكرية، وإما الاستعداد للحظةٍ قد لا تجد فيها جندياً أمريكياً واحداً على أراضيها، أو على الأقل لا تجده باليقين القديم نفسه.
وهنا تستعيد الذاكرة السياسية الفرنسية عبارةً منسوبةً إلى الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران: «أمريكا… صديقنا المزيف». ليست العبارة، في هذا السياق، إعلان عداوةٍ بقدر ما هي مفتاحٌ لفهم الشك الأوروبي التاريخي في نوايا واشنطن حين يتعارض أمن أوروبا مع أولويات القوة الأمريكية.
“حين تصبح الحماية مشروطةً بالطاعة، لا تعود المظلة ضمانة أمنية، بل تتحول إلى أداة ابتزازٍ استراتيجي.”
“فراس يونس”
هل ينهار الناتو؟
رغم كل هذه التصدعات، لا يبدو انهيار حلف شمال الأطلسي وشيكاً أو مرجحاً بالمعنى المؤسسي المباشر. فالحلف أثبت، عبر أزماته السابقة، قدرةً عاليةً على التكيف، وعلى إعادة إنتاج وظيفته وفق شروطٍ جديدة. لكن ما يبدو أكثر احتمالاً هو أن الناتو لن يعود كما كان؛ لن يكون بعد الآن على «سروج خيله»، كما يقال، ولن يكون مركز القوة العالمية باليقين ذاته الذي ساد في العقود الماضية.
فالأزمة لا تلغي الحلف، لكنها تنقله من موقع الهيبة إلى موقع المساءلة، ومن موقع المركز إلى موقع البنية المأزومة. وهذا التحول قد يكون أخطر من الانهيار الصريح، لأنه يضع الحلف في حالة بقاءٍ وظيفي مع تآكلٍ سياسي في الثقة والالتزام والقيادة.
وقد أقرّ المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في ذروة التوترات الأخيرة، بأنّ أوروبا تريد إبقاء الناتو حياً وفاعلاً، رغم الخلافات مع واشنطن التي كشفتها حرب إيران، مؤكداً أنّ الولايات المتحدة وأوروبا تتقاسمان مصلحةً مشتركةً في استمرار الحلف.
فرصة أوروبا داخل أزمة الأطلسي
في قلب أزمة الناتو تكمن فرصةٌ أوروبيةٌ تاريخية: بناء قدراتٍ عسكريةٍ ودفاعيةٍ مستقلةٍ نسبياً عن الهيمنة الأمريكية، لا من أجل القطيعة مع واشنطن، بل من أجل إعادة توازن العلاقة معها.
فإذا استطاعت أوروبا أن تطوّر قاعدتها الصناعية والعسكرية، وأن تمنح مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» مضموناً عملياً لا شعاراً بيروقراطياً، فقد تتحول هذه الأزمة إلى مدخلٍ لإعادة تعريف الأمن الأوروبي بعيداً عن الإملاءات الأمريكية وحروبها. وقد يكون ذلك أيضاً مدخلاً لمعالجة ملفات القارة الكبرى في أفق التفاوض الدبلوماسي، وفي مقدمتها الحرب الروسية–الأوكرانية، بدل بقائها رهينةً لتقلبات السياسة الأمريكية.
لكن هذه الفرصة مشروطةٌ بقدرة أوروبا على تجاوز الانقسام بين شرقها وغربها، وبين لندن وبروكسل، وبين الدول التي ترى في واشنطن ضمانتها الأخيرة، وتلك التي باتت ترى فيها مصدراً من مصادر الخطر الاستراتيجي.
خاتمة: الترددات الزلزالية لعالمٍ جديد
تلقي الحرب الأمريكية–الإيرانية بثقلها على العالم بأسره، لا بوصفها مواجهةً إقليميةً معزولة، بل باعتبارها اختباراً عميقاً لمراكز القوة التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة. وإذا كان الناتو لا يبدو مقبلاً على انهيارٍ سريع، فإنّه يدخل، بلا شك، مرحلةً من الانكشاف التاريخي.
الأيام القادمة حبلى بتطوراتٍ مصيرية لا تبدو، كما أوردنا أعلاه، إلا تردداتٍ زلزالية ستجتاح عالمنا، وتنقله إلى ضفافٍ جديدة. وفي عالمٍ كهذا، لا يكفي أن تراقب سوريا ما يجري؛ عليها أن تفهمه، وأن تقرأ ما وراءه، وأن تدرك أنّ تصدع التحالفات الكبرى قد يفتح، في الوقت نفسه، أبواب الخطر وفرص إعادة التموضع.







