
![]()
في كل نسخة من كأس العالم، تولد لحظات تتجاوز حدود الرياضة ذاتها. مدرجات مكتظة، بحر من الأعلام، هتافات تتردد في الملاعب، وملايين المشجعين حول العالم يعيشون العاطفة نفسها في اللحظة نفسها؛ كل ذلك يذكّرنا بسبب بقاء كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم. فبمعزل عن اللغة والثقافة والجنسية، امتلك كأس العالم دائماً قدرة استثنائية على جمع البشر حول شغف واحد.
بدأت ممارسة كرة القدم طفلاً في سوريا، وكما هي حال كثير من عشاق هذه اللعبة حول العالم، حملتُ هذا الشغف معي إلى سنوات النضج. وحين وجدت نفسي مقيماً في تركيا كنازح سوري تحت نظام الحماية المؤقتة، كان لي شرف مساعدة صديقي الكابتن جهاد أشرفي في تأسيس فريق لكرة القدم في إسطنبول، ضمّ عدداً من اللاجئين السوريين، وحمل اسم Pax Syriana.
ومع الوقت، اتسع الفريق ليضمّ شباباً من السنغال وغانا وغامبيا وإثيوبيا والصومال والمغرب والجزائر وأوزبكستان وزامبيا. ومن هذه التجربة الشخصية، أستطيع أن أشهد بأن حب كرة القدم يتجاوز فعلاً الحدود والهويات العرقية والحواجز اللغوية.
وبعد هجرتي إلى الولايات المتحدة، واصلت متابعة كرة القدم الدولية، كما تابعت صعود شعبيتها في وطني الجديد. وفي عام 2024، ساعدت في وصل الصحافي الطلابي في جامعة بنسلفانيا، لوك فارغاس، بنادي Pax Syriana لكرة القدم في إسطنبول. وقد تحولت زيارته لاحقاً إلى مادة صحافية إنسانية رصينة عن اللاجئين السوريين، وكرة القدم، ومعنى الجماعة في زمن تتصاعد فيه نزعات كراهية الأجانب.
كرة القدم ليست مجرد لعبة؛ إنها لغة إنسانية عابرة للحدود، تمنح اللاجئ وطناً مؤقتاً، وتحوّل الملعب إلى مساحة لقاء بين الذاكرة والمنفى والأمل.
منذ الحادي عشر من حزيران/يونيو، يوم افتتاح كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية، تابعت معظم المباريات تقريباً. لا تزال جودة كرة القدم استثنائية. فاللياقة العالية، والتطور التكتيكي، والمهارات الفردية التي تظهر في الملعب تستحق الإعجاب. ومع ذلك، وبينما أستمتع بهذه المباريات، لا أستطيع أن أتجاهل شعوراً داخلياً بأن شيئاً غير ملموس، شيئاً من تلك الأجواء الفريدة التي كانت تجعل كل كأس عالم حدثاً لا يُنسى، بدأ يتراجع تدريجياً.
ربما لا تكمن المشكلة في كرة القدم نفسها.
ربما تكمن في كل ما يحيط بها.
كانت النسخ السابقة من كأس العالم تحمل معنى الندرة؛ تلك الندرة التي كانت تجعل كل حملة تصفيات، وكل مباراة في دور المجموعات، وكل مواجهة إقصائية، تبدو حدثاً استثنائياً. كان مجرد الوصول إلى النهائيات بين نخبة العالم إنجازاً بحد ذاته. كل منتخب كان يصل إلى البطولة وهو يدرك أنه تجاوز تحديات كبرى فقط كي يكون حاضراً هناك.
“حين تصبح رحلة التأهل أقل قسوة، فإن جزءاً من المسار العاطفي الذي يسبق كأس العالم يصبح مهدداً بالتراجع.”
“ياسر أشقر”
أما اليوم، ومع توسيع البطولة إلى 48 منتخباً، ووجود نقاشات حول احتمال رفع العدد إلى 64 منتخباً في كأس العالم 2030، فإن سؤالاً جوهرياً يستحق أن يُطرح بجدية. لا شك أن توسيع المشاركة هدف نبيل؛ إذ يتيح لمزيد من الدول أن تحلم، ولمزيد من اللاعبين أن يشاركوا، ولمزيد من الجماهير أن تعيش أكبر احتفال كروي في العالم.
لكن كل توسّع يطرح، في المقابل، سؤالاً لا يمكن تجنبه:
هل يمكن للمسابقة أن تبقى استثنائية إذا أصبحت المشاركة فيها أكثر اعتيادية؟
«حين تتسع المشاركة بلا حدود، قد يتحول الاستثناء إلى أمرٍ اعتيادي، وتفقد البطولة بعضاً من هيبتها.»
“ياسر أشقر”
لم يكن كأس العالم يوماً مجرد بطولة أخرى. فقد استندت هيبته دائماً إلى صعوبة بلوغه. فالندرة تصنع القيمة، ليس في الرياضة وحدها، بل في كل منافسة كبرى. وحين تصبح رحلة التأهل أقل قسوة بكثير، فإن جزءاً من المسار العاطفي الذي يسبق البطولة يصبح مهدداً بالتراجع.
لقد تحولت كرة القدم أيضاً إلى صناعة عالمية ضخمة. حقوق البث، والرعايات، والشراكات التجارية، والتسويق العابر للقارات، كلها ساعدت اللعبة على الوصول إلى جماهير غير مسبوقة، وفتحت أمامها فرصاً اقتصادية هائلة. ولا شك أن هذا النمو عزّز النفوذ العالمي لكرة القدم. لكنه جعلنا نشعر أحياناً بأن المال والسياسة باتا يتقاسمان الأضواء مع اللعبة نفسها.
وبالنسبة إلى كثير من المشجعين، تبلغ كرة القدم ذروتها حين يبقى ما يجري على أرض الملعب هو مركز المشهد.
ربما كان هذا التطور حتمياً.
وربما يعتقد كل جيل أن كرة القدم في زمن شبابه كانت تمتلك سحراً خاصاً لا يتكرر.
ليست عظمة كأس العالم في كثرة المشاركين، بل في صعوبة الوصول إليه؛ فحين يصبح الحلم أكثر سهولة، يتراجع شيء من سحره القديم.
“ياسر أشقر”
لا شك أن للحنين دوراً في هذا الشعور. لكنني أؤمن أيضاً بوجود شيء خالد في معنى الأصالة. فكؤوس العالم التي نشأ كثيرون منا على مشاهدتها لم تكن مميزة فقط بسبب اللاعبين الاستثنائيين، بل أيضاً بسبب بساطة كانت تسمح لكرة القدم نفسها بأن تبقى بطلة المشهد بلا منازع.
إن مشاهدة المشجعين وهم يملؤون مدرجات اليوم، قادمين من كل أنحاء العالم، لا تزال أمراً ملهماً بعمق. أغانيهم، وألوانهم، وعواطفهم، وولاؤهم الذي لا يتزعزع، كلها لا تزال تصنع لحظات لا تُنسى. وهي تذكّرنا بأن القلب الحقيقي لكأس العالم لم يكن يوماً ملكاً للمؤسسات، ولا للرعاة، ولا للمصالح التجارية، بل كان دائماً ملكاً للمشجعين في المدرجات، وللاعبين الذين يحملون آمال أمم كاملة كلما دخلوا أرض الملعب.
لا شك أن كأس العالم لا يزال أعظم احتفال كروي في العالم.
لكنَّ أملي، ببساطة، هو أن يحافظ هذا الحدث، وهو يواصل تطوره، على الصفات التي جعلت أجيالاً كاملة تقع في حبّه منذ البداية: ندرة التأهل، وحدة المنافسة، وأصالة المشهد، والجمال الدائم لكرة القدم حين يكون صوتها أعلى من كل ما يحيط بها.![]()






