مقدمة: الشرق الأوسط حين يتحول إلى مرآة لأزمات النظام الدولي
لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة لصراعات محلية أو تنافسات إقليمية محدودة، بل بات مختبراً مفتوحاً لاختبار متانة النظام الدولي نفسه. ففي هذه المنطقة، تتقاطع مصالح الطاقة والممرات البحرية، وتتصادم حسابات الأمن القومي، وتنكشف هشاشة التحالفات الكبرى التي طالما بدت راسخة وثابتة.
من هنا تأتي أهمية قراءة ما يجري اليوم بعيداً عن الانفعال اللحظي أو الاكتفاء بتتبع الأخبار اليومية. إنَّ أزمة الشرق الأوسط -اليوم- لا تبقى داخل حدودها الجغرافية؛ إنها تمتد كالرمال المتحركة، فتغمس فيها دول المنطقة كلها، وفي مقدمتها سوريا، التي وجدت نفسها مرة أخرى في قلب صراع لا تملك ترف تجاهله.
الدافع الأساسي لهذا المقال هو محاولة الإضاءة على التحولات الدولية المحيطة بنا، لا بوصفها أحداثاً بعيدة، بل باعتبارها عوامل مباشرة في تشكيل مستقبل المنطقة. فحين تتآكل ثقة الحلفاء ببعضهم، وحين تتحول القواعد العسكرية إلى أدوات ضغط، وحين تصبح الممرات المائية رهينة لصراع القوى!
“يصبح السؤال العربي والسوري أكثر إلحاحاً: كيف يمكن حماية ما تبقى من السيادة الوطنية والقرار المستقل في عالم يزداد خضوعاً لمنطق القوة والتكتلات الكبرى؟”
“د. جورج توما”
أولاً: تصدع العقيدة الأطلسية… حين تضرب زلازل الشرق الأوسط عمق التحالفات الغربية
تُثبت الأزمات الكبرى حقيقة استراتيجية بالغة الأهمية: قد تشتعل الحرب في قارة، لكن ارتداداتها السياسية والاقتصادية تضرب قارة أخرى. وما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تجاذبات عسكرية وسياسية بين الولايات المتحدة وإيران لم يهز العواصم الإقليمية وحدها، بل هز أيضاً واحدة من أقدم المسلّمات التي حكمت النظام الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: واشنطن تقود، وأوروبا تتبع.
هذه القاعدة لم تعد تعمل بالسهولة القديمة. فالأوروبيون، الذين قبلوا طويلاً بالاحتماء بالمظلة الأمريكية، باتوا أكثر تردداً في دفع أثمان حروب لا يملكون قرار إشعالها ولا القدرة على التحكم بمآلاتها. والاعتراض الأوروبي الراهن لا يمكن فهمه بوصفه خلافاً بروتوكولياً أو تبايناً في اللهجة الدبلوماسية، بل هو مؤشر على أزمة أعمق تمس جوهر العلاقة الأطلسية نفسها.
تاريخياً، ليست هذه المرة الأولى التي يظهر فيها الشرخ بين الضفتين. ففي أزمة السويس عام 1956، أجبرت الولايات المتحدة بريطانيا وفرنسا على التراجع، معلنة عملياً نهاية العصر الاستعماري الأوروبي التقليدي وبداية الهيمنة الأمريكية على قيادة الغرب. وفي عام 2003، عاد الانقسام إلى الواجهة مع غزو العراق، حين عارضت فرنسا وألمانيا الاندفاع الأمريكي المنفرد، بينما مضت واشنطن في حربها تحت شعار تغيير الشرق الأوسط.
لكن الصدع الحالي يبدو أكثر خطورة لأنه لا يتعلق فقط بشرعية حرب بعينها، بل بطبيعة الالتزام المتبادل داخل التحالف الغربي. فحين تتردد العواصم الأوروبية في فتح أجوائها أو قواعدها أو بنيتها اللوجستية أمام مغامرات أمريكية مفتوحة، فهذا يعني أن مفهوم “الدفاع المشترك” لم يعد مفهوماً آلياً، بل أصبح خاضعاً لحسابات وطنية ضيقة، ولموازين كلفة ومنفعة لم تكن مطروحة بهذه الحدة من قبل.
لم تعد أوروبا تسأل فقط: هل نحن مع أمريكا أم ضدها؟ بل باتت تسأل سؤالاً أكثر حساسية: هل تخدم الحرب الأمريكية مصالحنا فعلاً، أم تجعلنا شركاء في دفع فاتورة استراتيجية لا نملك قرارها؟
“د. جورج توما”
ثانياً: اقتصاديات الخوف… مضيق هرمز حين يصبح شرياناً للقرار السياسي
في ظاهر الأمر، قد تبدو الممانعة الأوروبية تجاه التصعيد العسكري نوعاً من التردد أو العجز. لكن القراءة الباردة للمصالح تكشف أن المسألة ليست خوفاً من القوة العسكرية الإيرانية بقدر ما هي خوف من الانهيار الاقتصادي الذي قد يترتب على اتساع المواجهة، ولا سيما إذا تعرض مضيق هرمز للإغلاق أو التعطيل طويل الأمد.
فهذا المضيق ليس مجرد ممر بحري في خريطة بعيدة، بل أحد أعصاب الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب كبير فيه يعني ارتفاع أسعار الطاقة، وتضخم تكاليف النقل والتأمين، وارتباك الأسواق، وانعكاسات مباشرة على الصناعات الأوروبية التي تعاني أصلاً من أزمات الطاقة والتباطؤ الاقتصادي والتنافس الصناعي مع الصين والولايات المتحدة.
من هنا، يصبح الموقف الأوروبي مفهوماً ضمن معادلة مختلفة: واشنطن قد ترى في التصعيد وسيلة لمحاصرة خصومها وإعادة ضبط توازنات المنطقة، لكن أوروبا ترى في التصعيد تهديداً مباشراً لأمنها المعيشي والاجتماعي. فالمواطن الأوروبي الذي يدفع كلفة الوقود والكهرباء والغذاء لا يعنيه كثيراً ما إذا كانت واشنطن قد ربحت جولة جيوسياسية جديدة، إذا كان الثمن هو ركود أعمق وتضخم أشد واضطراب في سلاسل الإمداد.
وهنا يستحضر الوعي الأوروبي تجربة صدمة النفط عام 1973، حين تحولت الطاقة إلى سلاح سياسي كشف هشاشة الاقتصادات الصناعية أمام تحولات الشرق الأوسط. صحيح أن العالم تغيّر منذ ذلك الوقت، وأن مصادر الطاقة تنوعت، لكن الدرس الجوهري لم يتغير: من يسيطر على الممرات الحيوية يستطيع أن يعيد تشكيل القرار السياسي للدول الصناعية، ولو من بعيد.
لذلك، فإن الخلاف بين واشنطن وأوروبا حول الشرق الأوسط ليس خلافاً على توصيف الخطر فقط، بل خلاف على توزيع الكلفة. فالولايات المتحدة، بحكم موقعها الجغرافي وقدرتها الإنتاجية والمالية، تستطيع امتصاص بعض الصدمات بمرونة أكبر، بينما تجد أوروبا نفسها مكشوفة أمام تداعيات الطاقة والهجرة والأمن والاضطراب الاجتماعي.
ثالثاً: المعضلة الألمانية… السيادة المنقوصة تحت سقف القواعد الأمريكية
تبدو ألمانيا، في قلب هذه الأزمة، المثال الأكثر وضوحاً على مأزق السيادة الأوروبية. فهي القوة الاقتصادية الكبرى في الاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت ذاته ما تزال تعتمد أمنياً وعسكرياً على بنية أطلسية تقودها الولايات المتحدة. ومن هنا تبرز حساسية القواعد الأمريكية على الأراضي الألمانية، وفي مقدمتها قاعدة رامشتاين الجوية، التي تمثل عقدة لوجستية محورية في الانتشار العسكري الأمريكي خارج الحدود.
حين تُطرح فكرة إعادة النظر في هذه القواعد، أو استخدامها كورقة ضغط على برلين، يظهر السؤال المسكوت عنه منذ عقود: هل القواعد الأمريكية في أوروبا موجودة لحماية الأوروبيين، أم لحماية المصالح الأمريكية أولاً؟ وإذا كانت هذه القواعد قد تحولت إلى أدوات ابتزاز سياسي عند كل خلاف استراتيجي، فهل يمكن الحديث فعلاً عن سيادة أوروبية مكتملة؟
هذه المعضلة ليست ألمانية فقط. إنها معضلة أوروبية عامة. فالقارة العجوز تريد استقلالية استراتيجية، لكنها لا تمتلك بعد الأدوات الكاملة لهذه الاستقلالية. تريد جيشاً أوروبياً موحداً، لكنها ما تزال منقسمة بين أولويات شرقية تخشى روسيا، وجنوبية تخشى الهجرة والاضطراب المتوسطي، وغربية مرتبطة عضوياً بالولايات المتحدة. تريد صناعة دفاعية مستقلة، لكنها ما تزال تعتمد على التكنولوجيا والقدرات النووية والاستخباراتية واللوجستية الأمريكية.
في هذا السياق، تبدو ذكرى شارل ديغول حاضرة بقوة. ففي عام 1966، انسحبت فرنسا من القيادة العسكرية الموحدة لحلف الناتو دفاعاً عن استقلالية القرار الفرنسي. كان ديغول يدرك أن الحليف الأكبر قد يتحول، في لحظة معينة، إلى وصيّ استراتيجي، وأن السيادة لا تُقاس بالخطابات بل بالقدرة على قول “لا” حين تتعارض مصالح الحلفاء.
لكن أوروبا اليوم ليست ديغولية بما يكفي، وليست أطلسية مطمئنة بما يكفي. إنها تقف في منطقة رمادية: تخشى الانفصال عن الولايات المتحدة، وتخشى في الوقت ذاته أن تتحول إلى تابع يدفع كلفة قرارات لا يصنعها.
رابعاً: من الشقاق الأطلسي إلى الانكشاف العربي… سوريا في قلب الفراغ الاستراتيجي
لا تتوقف تداعيات هذا التآكل في المظلة الغربية عند حدود أوروبا. فالخلل في تماسك التحالفات الكبرى يفتح هوامش أوسع أمام القوى الإقليمية كي تعيد رسم خرائط النفوذ على حساب الدول الأضعف. وهنا تظهر خطورة اللحظة العربية، ولا سيما في سوريا التي دخلت مرحلة انتقالية بالغة الحساسية بعد سقوط نظام الأسد.
في مثل هذه اللحظات، لا ينتظر الأقوياء حتى تستكمل الدول الهشة بناء مؤسساتها. الفراغ السياسي والأمني يُقرأ من قبل القوى الإقليمية بوصفه فرصة، لا أزمة إنسانية أو وطنية. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تستغل إسرائيل الانكشاف السوري لتثبيت وقائع جديدة في الجنوب، تحت عناوين الأمن الوقائي، ومنع التهديدات، ومراقبة الجيوب المسلحة.
المشكلة أن هذا التحرك لا يمكن اختزاله في ضربات جوية عابرة أو إجراءات تكتيكية مؤقتة. فهو يحمل ملامح مشروع أوسع يهدف إلى تحويل الجنوب السوري إلى منطقة رخوة، منزوعة القدرة الدفاعية، ومفتوحة على نفوذ أمني مباشر أو غير مباشر. وهذا ما يجعل المشهد يستدعي الذاكرة التاريخية لاحتلال الجولان عام 1967، كما يستحضر تجربة “الحزام الأمني” في جنوب لبنان بعد اجتياح عام 1982.
خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في خسارة جغرافيا إضافية، بل في تكريس قاعدة سياسية مدمرة: أن الدولة السورية الجديدة، قبل أن تولد مكتملة، يمكن أن تُرسم حدود قدرتها السيادية من الخارج. فإذا قُبل بهذا الواقع تحت ضغط الضعف أو الانقسام، فقد يتحول المؤقت إلى دائم، والاستثناء الأمني إلى قاعدة جيوسياسية.
من هنا، فإن التحدي السوري بعد سقوط الأسد ليس داخلياً فحسب. صحيح أن بناء المؤسسات، وترميم الثقة الوطنية، وإطلاق مسار العدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة الجيش والأمن، كلها مهام داخلية عاجلة. لكن هذه المهام لن تنجح إذا لم تُصَغ ضمن رؤية سيادية واضحة تمنع تحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين الآخرين.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية هو أن تنشغل القوى السورية بخلافاتها الداخلية، بينما تُعاد هندسة الجغرافيا من حولها. فالدولة التي لا تملأ فراغها بنفسها، سيملؤه الآخرون عنها. والسيادة التي لا تُحمى بمؤسسات شرعية وقوة وطنية منضبطة وتحالفات مدروسة، تتحول إلى شعار أخلاقي بلا أدوات.
خامساً: ماذا يعني ذلك عربياً؟ من انتظار المظلات إلى بناء القدرة الذاتية
تكشف الأزمة الراهنة أن العالم العربي لم يعد يستطيع التعويل على مظلات كبرى ثابتة. فحين تختلف الولايات المتحدة مع أوروبا، وحين تنشغل روسيا والصين بحساباتهما الكبرى، وحين تتحرك القوى الإقليمية وفق مصالحها العارية، يصبح انتظار الحماية الخارجية ضرباً من الوهم السياسي.
المطلوب عربياً ليس الدخول في مغامرات عسكرية ولا رفع شعارات كبرى بلا مضمون، بل بناء مفهوم جديد للأمن الإقليمي يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة.
- أولها، ترميم الداخل الوطني. فلا يمكن لأي دولة أن تحمي حدودها وهي ممزقة من الداخل، ولا يمكن لأي سلطة أن تتحدث عن السيادة وهي عاجزة عن بناء شرعية سياسية ومؤسسات عادلة.
- ثانيها، بناء تحالفات عربية وإقليمية مرنة قائمة على المصالح المتبادلة، لا على الاصطفافات الأيديولوجية القديمة. فالعالم الجديد لا يرحم الدول التي تعيش على ذاكرة الشعارات ولا تمتلك أدوات القوة.
- ثالثها، الاستثمار في الاقتصاد بوصفه ركناً من أركان الأمن القومي. فالدولة التي لا تنتج غذاءها، ولا تؤمّن طاقتها، ولا تحمي ممراتها وسلاسل إمدادها، تبقى عرضة للابتزاز حتى لو امتلكت خطاباً سياسياً صاخباً.
بهذا المعنى، فإن سوريا ليست حالة منفصلة عن التحولات الكبرى، بل نموذج مكثف لها. فإذا نجحت في بناء دولة وطنية شرعية، ذات مؤسسات قوية وتحالفات متوازنة، فقد تتحول من ساحة نفوذ إلى فاعل إقليمي. أما إذا بقيت أسيرة الانقسام والفراغ، فستبقى الجغرافيا السورية مفتوحة أمام خرائط الآخرين.
خاتمة: لا مظلات واقية في عالم الصراعات الكبرى
يعلّمنا التاريخ أن أخطر الحروب ليست دائماً تلك التي تقع بين الأعداء، بل تلك التي تكشف أن الحلفاء أنفسهم لم يعودوا يثقون ببعضهم. وحين تهتز الثقة بين واشنطن وأوروبا، وحين تصبح الممرات البحرية أدوات ابتزاز عالمي، وحين تستغل القوى الإقليمية هشاشة الدول المنهكة، فإن العالم يدخل مرحلة لا مكان فيها للضعفاء ولا للمتفرجين.
إن الدرس الأهم لسوريا والعرب عموماً هو أن المظلات الدولية ليست ضمانة دائمة. إنها ترتفع حين تتوافق المصالح، وتنغلق حين تتغير الحسابات. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكون على انتظار الحماية من الخارج، بل على بناء القوة الذاتية: دولة شرعية، مؤسسات متماسكة، اقتصاد قادر، جيش منضبط، وجبهة داخلية تعرف أن السيادة لا تُستعاد بالشعارات، بل بالقدرة على تحويل الإرادة الوطنية إلى مشروع سياسي قابل للحياة.
في عالم الرمال المتحركة، لا ينجو من العاصفة من يبحث عن ظل قوة عظمى، بل من يعرف كيف يثبت قدميه فوق أرضه.
“د. جورج توما”







