مالات .. سورية رؤى مستقبلية

سورية.. رؤى مستقبلية

Search
Close
Facebook X-twitter Youtube
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
Menu
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
Facebook X-twitter Youtube
Menu
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
الرئيسية ذاكرة

أسرار وصول عائلة الأسد إلى حكم سوريا: من جيش الانتداب إلى الدولة الأمنية

قراءة في أثر الانتداب والجيش والانقلابات وحزب البعث في صناعة أطول حكم عائلي في تاريخ سوريا الحديث

صفاء مقداد صفاء مقداد
2026-06-30
في ... ذاكرة
0 0
A A
0
مشهد رمزي يربط خريطة سوريا بظلال الجيش والانتداب والسلطة الأمنية في سياق صعود عائلة الأسد.

قراءة تاريخية في المسار الذي نقل سوريا من تنوع اجتماعي طبيعي إلى دولة أمنية مغلقة.

0
شارك
211
المشاهدات

 

 

 

بادئة

لم تكن مأساة سوريا في تعدد طوائفها، بل في تحويل هذا التعدد من نسيج اجتماعي طبيعي إلى أداة حكم. وحين تُقرأ قصة وصول عائلة الأسد إلى السلطة، لا تكفي الإدانة الأخلاقية وحدها؛ فالأهم هو فهم الطريق الذي صنع الطاغية، والمؤسسات التي مهدت له، والشبكات التي جعلت من الدولة جهازاً لحماية عائلة، لا عقداً سياسياً بين المواطنين.

سوريا قبل الدولة الأمنية: مجتمع متعدد لا مشروع حرب أهلية

كانت سوريا، قبل أن تدخل طور الدولة الأمنية المغلقة، بلداً شديد التنوع. ففيه أكثرية سنية واسعة، ومسيحيون من كنائس شرقية متعددة، وعلويون، ودروز، وإسماعيليون، وشيعة إمامية، وأقليات دينية وإثنية أخرى. تورد بعض التقديرات أن السنة يشكلون نحو ثلاثة أرباع السكان، وأن المسيحيين يقاربون 10%، فيما يشكل العلويون والإسماعيليون والشيعة معاً قرابة 13%، مع صعوبة الحصول على أرقام دقيقة بسبب الحساسية السياسية للطوائف في سوريا. وتشير قاعدة بيانات الدين الدولية ARDA إلى أن السنة يشكلون 74% تقريباً، والمسيحيين 10%، والدروز 3%، وأن العلويين والإسماعيليين والشيعة يدخلون ضمن كتلة إسلامية أخرى تقدر بنحو 13%. (ARDA)

لكن الأرقام لا تفسر وحدها التاريخ. فالمجتمع السوري لم يكن، في بنيته العميقة، مجتمع حرب طائفية دائمة. المدن السورية الكبرى، مثل دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية، عرفت أشكالاً طويلة من الجوار والتجارة والعيش المشترك، وبقي الانتماء الطائفي غالباً جزءاً من المجال الاجتماعي والديني، لا برنامجاً صريحاً للاستيلاء على الدولة. المشكلة بدأت حين تحولت الطائفة، عبر الانتداب والجيش والحزب والأمن، من هوية اجتماعية إلى قناة نفوذ وسلطة وخوف.

لهذا ينبغي قراءة صعود عائلة الأسد لا بوصفه “انتصار طائفة”، بل بوصفه نجاح شبكة عسكرية ـ حزبية ـ أمنية في استخدام التهميش الريفي، والانضباط العسكري، والولاءات المناطقية والطائفية، ثم تحويلها إلى بنية حكم عائلية. فالطائفة العلوية، مثل غيرها من الطوائف السورية، لم تحكم كجماعة سياسية موحدة، بل استُخدم جزء من أبنائها داخل الجيش والأمن، كما استُخدم موالون من السنة والمسيحيين والدروز والإسماعيليين داخل الحزب والإدارة والاقتصاد لتثبيت سلطة الأسد.

“لم تكن سوريا مهددة لأنها متعددة، بل لأنها حُكمت بمنطق جعل التعدد مصدر خوف، ثم قدمت السلطة نفسها بوصفها الحكم الوحيد بين المخاوف التي صنعتها.”

“صفاء مقداد“

الانتداب الفرنسي وبداية التحول في موقع الجيش

عندما خضعت سوريا للانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، لم تكن فرنسا بحاجة إلى إدارة مدنية فقط، بل كانت تحتاج أيضاً إلى قوة عسكرية محلية تساعدها في ضبط البلاد ومواجهة الثورات وحماية نفوذها. من هنا ظهرت “القوات الخاصة في المشرق”، وهي تشكيلات عسكرية محلية بإشراف فرنسي، أصبحت لاحقاً جزءاً من الخلفية التاريخية التي نشأ منها الجيش السوري بعد الاستقلال. وتشير دراسات عن الجيش السوري إلى أن فرنسا اعتمدت في تجنيدها على الأقليات والفئات الريفية والفقيرة، لأنها كانت ترى فيها استعداداً أكبر للانخراط في مؤسسة تمنح راتباً وترقياً اجتماعياً وحماية.

في المقابل، نظر كثير من أبناء المدن السنية الكبرى إلى العسكرية بنفور. لم يكن ذلك لسبب واحد. فقد حملت ذاكرة الحرب العالمية الأولى أثراً عميقاً، إذ ارتبط التجنيد العثماني عند أجيال كثيرة بالفقر والموت والغياب الطويل. كما أن قطاعات واسعة من النخب المدينية كانت منخرطة في التجارة والصناعة والملكية الزراعية، فلم تكن العسكرية طريقها الطبيعي إلى الصعود. وفوق ذلك، كان الانخراط في جيش تشرف عليه سلطة الانتداب يبدو، في نظر وطنيين كثيرين، خدمة في جهاز الاحتلال لا في مؤسسة وطنية.

هنا وقع التحول الأول: الجيش، الذي عزفت عنه شرائح مدينية واسعة، صار بالنسبة إلى فئات ريفية ومهمشة طريقاً للصعود الاجتماعي. ومع مرور الزمن، سيكتشف السوريون أن من يمتلك الجيش لا يمتلك وظيفة عسكرية فحسب، بل يمتلك القدرة على إعادة تشكيل السياسة كلها.

الكيان العلوي في عهد الانتداب وحدود الانفصال

ضمن سياسة فرنسية أوسع قامت على تفكيك المجال السوري إلى كيانات محلية، أُنشئ كيان خاص في الساحل عرف باسم “دولة العلويين” أو “دولة اللاذقية”. كان الهدف الفرنسي مزدوجاً: إضعاف المركز السوري من جهة، واستثمار مخاوف الأقليات من هيمنة الأكثرية المدينية السنية من جهة ثانية.

لكن هذا الكيان لم يتحول إلى دولة قابلة للحياة. فقد عانى من ضيق الجغرافيا، وضعف الموارد، وغياب العمق الاقتصادي والديموغرافي. كما واجه ضغطاً قوياً من الحركة الوطنية السورية، ولا سيما الكتلة الوطنية، التي رأت في وحدة البلاد شرطاً للاستقلال. وفي هذا السياق ظهرت عرائض ووثائق تطالب فرنسا بعدم دمج المنطقة العلوية في الدولة السورية المقبلة. وقد درست الباحثة ستيفاني عاصيلي ـ كاوا هذه العريضة، مشيرة إلى أنها وثيقة حقيقية ومثيرة للجدل، لكنها تنبه أيضاً إلى أن نسخاً عربية متداولة عنها كانت مشوهة أو غير دقيقة، ما يفرض الحذر في استخدامها السياسي المباشر. (Sciences Po HAL)

أهمية هذه الوثائق لا تكمن في اتهام العلويين جماعياً بالانفصال، فهذا تعميم غير علمي وغير عادل، بل في فهم مناخ الخوف الذي استثمرته فرنسا، ثم أعادت السلطة الأسدية إنتاجه لاحقاً بصيغة أخرى. فالخوف من الأكثرية، والخوف من الدولة المركزية، والخوف من الانتقام، كلها تحولت مع الزمن إلى مواد خام في بناء خطاب النظام عن “الحماية” و“الاستقرار”.

من جيش الانتداب إلى جيش الاستقلال: المؤسسة التي حملت بذور الخلل

عندما حصلت سوريا على استقلالها، لم تبدأ جيشها من الصفر. فقد انتقلت أجزاء من التشكيلات العسكرية التي نشأت في ظل الانتداب إلى الدولة الجديدة. وبهذا ورث الجيش السوري الوليد بعض التوازنات الاجتماعية التي صنعتها فرنسا داخل القوات المحلية. لم يكن الجيش “طائفياً” بالمعنى الكامل منذ لحظة ولادته، لكنه لم يكن أيضاً مرآة دقيقة للمجتمع السوري. فقد كان فيه وزن ملحوظ لفئات ريفية وأقلياتية وجدت في العسكرية طريقاً مبكراً إلى الاعتراف والصعود.

هذا ما سيلتقطه لاحقاً الباحث العراقي ـ الأميركي حنّا بطاطو في دراسته الكبيرة عن سوريا، إذ أفرد فصلاً لما سماه “ريفنة الجيش والحزب وبيروقراطية الدولة” في ستينيات البعث. هذه العبارة ليست تفصيلاً اجتماعياً، بل مفتاح لفهم انقلاب موازين السلطة: الدولة التي كانت واجهتها مدينية وبرلمانية صارت تُعاد صياغتها من داخل الثكنة، ومن خلال ضباط ينتمون إلى عالم ريفي صاعد ومهمش سابقاً. (JSTOR)

بهذا المعنى، لم يكن صعود الأسد حدثاً معزولاً، بل ثمرة تحول اجتماعي طويل. فالجيش منح المهمشين سلطة لم تمنحهم إياها المدينة، وحزب البعث منحهم لغة أيديولوجية، والانقلابات منحتهم فرصة الإمساك بالدولة.

«كان ضباط وجنود الوحدات المسلحة الأكثر حساسية وأهمية استراتيجية من العلويين.»

“نيقولاوس فان دام – المصدر

الانقلابات العسكرية وتآكل السياسة المدنية

منذ عام 1949 دخلت سوريا عصر الانقلابات العسكرية. في ذلك العام وحده شهدت البلاد ثلاثة انقلابات، ثم توالت الصراعات داخل الجيش إلى أن أصبح الطريق إلى الحكم يمر عبر الضباط لا عبر البرلمان. وقد رأى المؤرخ والصحافي البريطاني باتريك سيل، في قراءته الكلاسيكية لسوريا، أن سوريا كانت “مرآة لمصالح متصارعة على نطاق دولي”، بل إن شؤونها الداخلية لا تُفهم تماماً إلا في سياق صراع عربي وإقليمي ودولي أوسع. (MERIP)

كانت هذه العبارة دقيقة إلى حد بعيد. فسوريا لم تكن ساحة داخلية فقط، بل ساحة تتقاطع فيها مصر والعراق وتركيا وإسرائيل والاتحاد السوفييتي والغرب. وفي الداخل، كان الضباط السنة الذين قادوا الانقلابات الأولى يتصارعون فيما بينهم، فيُقصي كل ضابط خصومه عند وصوله إلى السلطة. ومع كل عملية تصفية أو تسريح، كانت بنية الجيش تتغير تدريجياً. المفارقة أن ضباطاً قادمين من الهامش، ومن خلفيات ريفية وأقلياتية، استطاعوا أن يظهروا في البداية كقوة مساعدة لا كخطر مباشر على الحكم؛ وهذا ما أتاح لهم بناء شبكات نفوذ بهدوء.

وقد أدرك عدد من الباحثين أنَّ المسألة لم تكن في عدد الضباط فقط، بل في مواقعهم الحساسة داخل الجيش والأمن.

«كان ضباط وجنود الوحدات المسلحة الأكثر حساسية وأهمية استراتيجية من العلويين.»

“نيقولاوس فان دام” – The Struggle for Power in Syria

وهذا لا يعني تحميل الطائفة مسؤولية جماعية، بل يوضح كيف تشكلت الحلقة العسكرية الصلبة التي سمحت لحافظ الأسد لاحقاً بتحويل الجيش إلى قاعدة حكم شخصية.

هكذا تحولت الهامشية إلى ميزة سياسية. فالضابط الذي لا يخشاه الكبار يستطيع أن يقترب من المفاصل. ومن يمسك بالمفاصل لا يحتاج إلى الضجيج؛ يكفيه أن يتحكم بالنقل والترقية والتسريح ومواقع الوحدات الحساسة.

الوحدة مع مصر واللجنة العسكرية السرية

عندما قامت الوحدة السورية ـ المصرية عام 1958 في إطار الجمهورية العربية المتحدة، حُلّت الأحزاب السورية، ومنها حزب البعث. بدا القرار في ظاهره جزءاً من مشروع الوحدة العربية، لكنه عملياً أضعف الحياة السياسية السورية وفتح المجال أمام التنظيمات السرية داخل الجيش. وبعد الانفصال عام 1961، وعودة سوريا إلى استقلالها السياسي، ظهرت فراغات حزبية وعسكرية استغلتها اللجنة العسكرية البعثية.

تكونت هذه اللجنة من ضباط أبرزهم صلاح جديد، وحافظ الأسد، ومحمد عمران، وعبد الكريم الجندي. لم تكن قوتها في عدد أعضائها فقط، بل في قدرتها على العمل السري، واستثمار شعار الوحدة، وملء الفراغ الذي تركه حل حزب البعث. لقد فهم هؤلاء أن الأحزاب العلنية قد تُحل، وأن الحكومات قد تتبدل، لكن الشبكة العسكرية السرية إذا تماسكت تستطيع أن تنتظر اللحظة المناسبة.

انقلاب آذار 1963: الواجهة للسياسيين والمفاصل للعسكريين

في آذار/مارس 1963 وصل البعث إلى السلطة بانقلاب عسكري شارك فيه بعثيون وناصريون ومستقلون. كان شعار إعادة الوحدة مع مصر حاضراً، لكن ما جرى بعد الانقلاب كشف أن اللجنة العسكرية لم تكن تبحث عن الخطاب بقدر ما كانت تبحث عن السيطرة. حصل بعض الحلفاء على المناصب الظاهرة، بينما توجهت اللجنة العسكرية إلى المواقع الأكثر حساسية: مكتب شؤون الضباط، سلاح الجو، الوحدات المدرعة، والأجهزة الأمنية.

«الجيش، والأمن، والاستخبارات يديرها ضباط علويون قريبون من الرئيس.»

“جوشوا لانديس” – المصدر

هنا يظهر الفرق بين المنصب والمفصل. المنصب يعطي صاحبه صورة السلطة، أما المفصل فيمنح صاحبه القدرة على إنتاج السلطة. لذلك كانت السيطرة على مكتب شؤون الضباط أخطر من وزارة عادية، لأنه يتحكم بالنقل والتسريح والترقية. وكانت السيطرة على سلاح الجو والمطارات والوحدات المدرعة تعني امتلاك القدرة على تعطيل أي انقلاب مضاد.

وتورد تقارير تاريخية أن مرحلة ما بعد انقلاب 1963 شهدت عمليات واسعة لإبعاد ضباط غير بعثيين، وأن دراسات حنّا بطاطو تشير إلى أن مئات الضباط أُبعدوا بين 1963 و1967، واستُبدل كثير منهم بضباط بعثيين من خلفيات ريفية وأقلياتية. (The MENA Chronicle | Fanack)

بهذه الطريقة لم يأتِ الاستيلاء الحقيقي على الدولة بخطاب طائفي معلن، بل بإجراءات إدارية عسكرية: تسريح، نقل، ترقية، إبعاد، تعيين، وإعادة توزيع للوحدات. لقد كان انقلاباً داخل الانقلاب.

تصفية الحلفاء وابتلاع الحزب

لم يدم التحالف بين البعثيين والناصريين. فبعد محاولة جاسم علوان الانقلابية في تموز/يوليو 1963، تعرض التيار الناصري داخل الجيش لضربة قاسية. ثم جاء انقلاب شباط/فبراير 1966 ليطيح القيادة التاريخية للبعث، ولا سيما ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأمين الحافظ، ويفتح الباب أمام جناح صلاح جديد وحافظ الأسد.

منذ تلك اللحظة لم يعد حزب البعث هو الذي يحكم الجيش، بل صارت اللجنة العسكرية هي التي تحكم الحزب. بقيت الشعارات: وحدة، حرية، اشتراكية. لكن الحرية اختفت، والوحدة تحولت إلى أداة تعبئة، والاشتراكية تحولت إلى شبكات امتياز. أما السلطة الفعلية فاستقرت في يد الضباط الذين فهموا أن الحزب يصلح واجهة، لكن الأمن والجيش هما الدولة الحقيقية.

حافظ الأسد وصلاح جديد: صراع داخل النظام لا عليه

بعد 1966 بدا صلاح جديد الرجل الأقوى حزبياً وسياسياً، بينما تولى حافظ الأسد وزارة الدفاع. لكن هذه القسمة كانت خادعة. فصلاح جديد امتلك الحزب، أما الأسد فامتلك الجيش. ومع الوقت، ثبت أن من يمسك بالجيش يستطيع أن يبتلع الحزب والدولة معاً.

جاءت هزيمة حزيران/يونيو 1967 لتكشف هشاشة النظام. كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع عند سقوط الجولان، ولذلك بقيت مسؤوليته السياسية والعسكرية عن الهزيمة موضع نقاش تاريخي كبير. لكن المقال الأكاديمي لا يحتاج إلى تبني روايات غير موثقة عن “تسليم الجولان” كي يفسر صعود الأسد. الثابت أن هزيمة 1967 لم تُنهِ نفوذه، بل فتحت صراعاً أعمق بينه وبين صلاح جديد. خرج الأسد من الهزيمة مثقلاً بالمسؤولية، لكنه كان قد صار أكثر تمكناً داخل الجيش.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1970 نفذ الأسد انقلابه المعروف رسمياً باسم “الحركة التصحيحية”، فأطاح بصلاح جديد والرئيس نور الدين الأتاسي، ثم أصبح رئيساً للجمهورية عام 1971. وتصف EBSCO هذه اللحظة بأنها انقلاب استغل فيه الأسد صراعات البعث الداخلية، ليقيم نظاماً “أعطى الأولوية لسيطرة الدولة والاستقرار على الحريات الشخصية”. (EBSCO)

“من هنا بدأ الزمن الأسدي الطويل: زمن لم تُلغَ فيه الدولة، بل أُعيد تشكيلها لتصبح امتداداً للسلطة الشخصية.”

“صفاء مقداد“

الدولة الأمنية وفلسفة الخوف

لم يكتفِ حافظ الأسد بالسيطرة على الحكم؛ كان همه الأكبر منع تكرار الانقلابات. لذلك أعاد بناء الجيش والأمن والحزب بطريقة تجعل الولاء الشخصي فوق الكفاءة، وتجعل مراقبة المجتمع جزءاً من وظيفة الدولة اليومية. هنا تحولت سوريا إلى دولة أمنية لا لأنها تملك أجهزة كثيرة فقط، بل لأن الأجهزة صارت العقل الحقيقي للدولة.

تقدم الباحثة الأميركية ليزا ويدين تفسيراً بالغ الأهمية لعبادة الشخصية في سوريا. فهي لا تراها مجرد دعاية فارغة، بل “أداة انضباط”، لأن النظام كان يجبر المواطنين على التصرف “كما لو أنهم يجلّون القائد”. وفي هذا المعنى، لم يكن المطلوب أن يصدق السوريون كل شعارات الأسد، بل أن يكرروها، وأن يعيشوا داخل الكذب العلني حتى يصبح الخوف لغة مشتركة. (ResearchGate)

هذه الفكرة تفسر لماذا امتلأت الجدران والصحف والمدارس والمؤسسات بصور الأسد وشعاراته. لم تكن الصورة تعبيراً عن حب، بل اختباراً للطاعة. كان النظام يقول للمواطن: أعلم أنك لا تصدق، لكنك ستردد. وحين يردد الإنسان ما لا يصدقه، يبدأ الاستبداد بالسيطرة على داخله لا على جسده فقط.

حماة 1982: الحدث المؤسس للخوف الحديث

بلغت فلسفة الردع الدموي ذروتها في حماة عام 1982. فقد أمر حافظ الأسد بسحق تمرد مسلح قادته جماعة الإخوان المسلمين، لكن العملية تحولت إلى عقاب جماعي للمدينة. تذكر وكالة أسوشيتد برس أن ما بين 10 آلاف و40 ألف شخص قُتلوا أو اختفوا في الهجوم الذي بدأ في 2 شباط/فبراير 1982 واستمر قرابة شهر. (AP News)

ولم تكن حماة مجرد حادثة دامية في الماضي. الباحث آرون لوند وصفها بأنها “حدث ضخم في التاريخ السوري” و“تكويني للمعارضة”، لأنها صنعت ذاكرة سياسية عميقة لدى السوريين: النظام مستعد لتدمير مدينة كاملة كي لا يخسر السلطة. (AP News)

بهذا المعنى، لم تكن حماة نهاية صراع فقط، بل بداية عقد اجتماعي قسري غير مكتوب: الطاعة مقابل النجاة. ومنذ تلك اللحظة صار الخوف السوري جماعياً، لا فردياً؛ خوف العائلة من كلمة، وخوف المدينة من ذكرى، وخوف الموظف من تقرير، وخوف الطالب من سؤال.

توريث الجمهورية: حين صار الدستور مقاساً عائلياً

عندما مات حافظ الأسد في 10 حزيران/يونيو 2000، تكشف جوهر النظام. فالدولة التي كانت تسمى جمهورية سارعت إلى تعديل دستورها كي يناسب عمر الوريث. كان دستور 1973 يشترط أن يكون رئيس الجمهورية في الأربعين، لكن البرلمان عدل الشرط إلى 34 عاماً، وهو عمر بشار الأسد آنذاك. ثم رُشح بشار، وفاز في استفتاء رسمي بنسبة 97.3%، وأصبح رئيساً في 17 تموز/يوليو 2000. (The MENA Chronicle | Fanack)

كان ذلك مشهداً شديد الدلالة: الدستور لا يحكم السلطة، بل تخدمه السلطة حين تحتاج إلى واجهة قانونية. الحزب لا يختار الرئيس، بل يبايع الوريث. والبرلمان لا يناقش، بل يصفق. هكذا انتقلت سوريا من حكم الفرد المؤسس إلى حكم الابن الوريث، من دون أي انقطاع في بنية الدولة الأمنية.

«كان المواطنون يتصرفون كما لو أنهم يجلّون القائد.»

“ليزا ويدين” – المصدر

في الأشهر الأولى من حكم بشار ظهر ما عرف بـ“ربيع دمشق”. ارتفعت توقعات الإصلاح، وبدأت منتديات سياسية ومدنية محدودة. لكن Human Rights Watch تشير إلى أن هذه التجربة “انتهت فجأة” في آب/أغسطس 2001، وأن السجون امتلأت مجدداً بالسياسيين والصحافيين ونشطاء حقوق الإنسان. (Human Rights Watch)

وهنا ظهر أن بشار لم يأتِ ليحرر الدولة من إرث أبيه، بل ليعيد إنتاجه بأدوات جديدة: اقتصاد مفتوح نسبياً للنخبة، وسياسة مغلقة للمجتمع، وفساد عائلي متزايد، وأمن لا يسمح بقيام حياة عامة مستقلة.

2011: الثورة وانكشاف آلة الطائفية السياسية

عندما انطلقت الاحتجاجات السورية عام 2011، عاد السؤال الكبير: هل يمكن لنظام بُني على الخوف أن يواجه مطالبة سلمية بالكرامة بوسائل سياسية؟ أجاب النظام بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: القمع، الاعتقال، الرصاص، ثم عسكرة الصراع.

في تلك المرحلة قال الباحث جوشوا لانديس، وهو من أبرز المتابعين الأميركيين للشأن السوري، إن “الجيش، والعسكر، وأجهزة الأمن، والاستخبارات يديرها ضباط علويون قريبون من الرئيس”، ولذلك لن يتخلوا عنه كما فعل الجيش المصري مع مبارك. (MR Online)

لا تعني هذه العبارة أن العلويين كطائفة كانوا كتلة واحدة مع النظام، لكنها تضيء على البنية الصلبة للسلطة: الدائرة الأكثر حساسية داخل الجيش والأمن ظلت مرتبطة بالأسد بروابط عائلية وطائفية ومناطقية ومصلحية. لذلك لم يكن سقوط رأس النظام ممكناً بمجرد اتساع الاحتجاجات، لأن المؤسسة الأمنية لم تكن محايدة؛ كانت ترى مصيرها مرتبطاً بمصيره.

وفي دراسة لمتحف الهولوكوست الأميركي، يذكر فريدريك هوف أن الأسد سعى منذ بداية الصراع إلى “تثبيت ولاء العلويين والأقليات الدينية الأخرى” عبر تقديم الثورة في صورة طائفية، وتصوير المعارضين كمتطرفين سنة يهددون الجميع.

«الحكومة السورية كانت، عملياً، أجهزة استخبارات وجيشاً ومؤسسات في خدمة رأس عائلة حاكمة.»

“فريدريك هوف” – المصدر

وقد ذهب معهد الشرق الأوسط في الاتجاه نفسه، مؤكداً أن النظام “استخدم مجتمعات الأقليات محوراً في دعايته”، لكنه لم يحمِها فعلياً، بل وضعها في خطر مباشر عبر الزج بها في الحرب والدعاية معاً. والعبارة الأشد دقة في تقرير المعهد هي أن النظام “لم يكن نصيراً للأقليات”، بل ورطها في معركة بقائه. (Middle East Institute)

بهذا المعنى، كانت الطائفية السياسية أداة لا عقيدة فقط. النظام لم يخترع كل المخاوف من العدم، لكنه ضخمها ونظمها وسلحها، حتى صار كثير من السوريين لا يرون بعضهم كمواطنين مختلفين، بل كتهديدات محتملة.

من “حامي الأقليات” إلى مستنزفها

واحدة من أكثر المفارقات قسوة أن النظام الذي قدم نفسه حامياً للأقليات ألحق أضراراً جسيمة بها، وخصوصاً بالعلويين أنفسهم. فقد دفع آلاف الشبان العلويين إلى جبهات القتال، وحول مناطقهم إلى خزانات بشرية للجيش والأجهزة، وربط مصيرهم بمصير العائلة الحاكمة. وهذا يكشف أن النظام لم يكن مشروع حماية لطائفة، بل مشروع سلطة استخدم الطائفة درعاً سياسياً وبشرياً.

وهذا ما يجعل التمييز ضرورياً بين الطائفة والنظام. فالطائفة مجتمع واسع فيه الفقير والمثقف والمعارض والصامت والمستفيد والضحية. أما النظام فهو شبكة سلطوية ضيقة استخدمت الانتماء حين يخدمها، وتخلت عن الناس حين صاروا عبئاً عليها.

سقوط 2024: انهيار البيت الذي بدا صلباً

في كانون الأول/ديسمبر 2024 انهار نظام بشار الأسد بسرعة صادمة. ذكرت رويترز أن قوات المعارضة سيطرت على دمشق، وأن الأسد فرّ إلى روسيا، منهياً 24 عاماً من حكمه الشخصي وأكثر من نصف قرن من حكم عائلته. وفي تقرير لاحق، أوضحت رويترز أن الأسد غادر دمشق في 8 كانون الأول/ديسمبر، ثم توجه إلى قاعدة حميميم قبل انتقاله إلى موسكو. (Reuters) (Reuters)

وقد وصف تقرير مشترك نشره Atlantic Council لحظة الانهيار بأنها حدث وقع خلال عشرة أيام، إذ “انهار حكم الأسد مثل بيت من ورق”. هذه العبارة تلخص مفارقة الدولة الأمنية: قد تبدو صلبة لعقود، لكنها حين تفقد القدرة على إخافة الناس وحشد الحلفاء ودفع الجنود للقتال، تظهر هشاشتها دفعة واحدة. (Atlantic Council)

لم يسقط الأسد لأن ذاكرة الخوف اختفت تماماً، بل لأنه استهلك أدوات بقائه: الجيش المنهك، الحلفاء المنشغلون، الاقتصاد المحطم، المجتمع الممزق، والطائفة التي استنزفها بدل أن يحميها. وحين جاءت اللحظة الحاسمة، لم تكن هناك دولة تدافع عن عقد وطني، بل بقايا نظام يدافع عن رأسه.

خاتمة: الدرس السوري بعد نصف قرن

تكشف قصة وصول عائلة الأسد إلى حكم سوريا أن الاستبداد لا يولد فجأة. إنه يتكون طبقة بعد طبقة: انتداب يعيد تشكيل الجيش، مجتمع مديني يعزف عن العسكرية، فئات ريفية تجد في الثكنة طريقاً للصعود، حزب أيديولوجي يمنح الضباط لغة سياسية، انقلابات تضعف الدولة المدنية، لجنة سرية تمسك بالمفاصل، ثم رجل يحول المؤسسة إلى شبكة ولاء شخصية.

كما تكشف أن الطائفية ليست تفسيراً كافياً، لكنها أداة حاسمة حين تستخدمها السلطة. لم تكن سوريا مهددة لأنها متعددة، بل لأنها حُكمت بمنطق جعل التعدد مصدر خوف. ولم تكن المشكلة في وجود العلويين أو السنة أو المسيحيين أو الدروز أو الإسماعيليين، بل في دولة أمنية جعلت كل جماعة تخاف من الأخرى، ثم قدمت نفسها بوصفها الحكم الوحيد بين المخاوف التي صنعتها.

إن قراءة هذا التاريخ لا ينبغي أن تقود إلى الثأر، بل إلى بناء دولة تمنع تكراره: جيش وطني لا عائلي، دستور لا يُفصل على مقاس الوريث، أجهزة أمن تخضع للقانون، وعدالة انتقالية تميز بين المجرم والجماعة التي وُلد فيها. فالأمم لا تتعافى حين تستبدل خوفاً بخوف، بل حين تغلق الطريق الذي أوصل الخوف إلى الحكم.


ثبت المصادر والمراجع المختصر

  1. Association of Religion Data Archives (ARDA), “National Profiles: Syria — Religious Demographics,” حول التركيبة الدينية والطائفية في سوريا.
  2. Hanna Batatu, “Syria’s Peasantry, the Descendants of Its Lesser Rural Notables, and Their Politics,” Princeton University Press / JSTOR, حول ريفنة الجيش والحزب وبيروقراطية الدولة في سوريا البعثية.
  3. Patrick Seale, “Asad: The Struggle for the Middle East,” University of California Press, حول حافظ الأسد وسوريا بوصفها ساحة صراع إقليمي ودولي.
  4. Lisa Wedeen, “Ambiguities of Domination: Politics, Rhetoric, and Symbols in Contemporary Syria,” University of Chicago Press, حول عبادة الشخصية وآليات الطاعة الرمزية في حكم حافظ الأسد.
  5. Joshua Landis, “Who Rules Syria and How?,” MR Online, 6 April 2011, حول بنية الجيش والأمن والاستخبارات في عهد بشار الأسد.
  6. Frederic C. Hof, “Sectarian Violence in Syria’s Civil War: Causes, Consequences, and Recommendations for Mitigation,” United States Holocaust Memorial Museum, 25 March 2013, حول توظيف النظام للطائفية خلال الحرب السورية.
  7. Middle East Institute, “Manufacturing Division: The Assad Regime and Minorities in South-west Syria,” 11 March 2020, حول توظيف الأقليات وتسليحها ضمن سياسات النظام.
  8. Human Rights Watch, “A Wasted Decade: Human Rights in Syria during Bashar al-Asad’s First Ten Years in Power,” 16 July 2010, حول إغلاق ربيع دمشق وعودة القبضة الأمنية.
  9. Sarah El Deeb, “Why the Rebel Capture of Syria’s Hama, a City with a Dark History, Matters,” Associated Press, 5 December 2024, حول ذاكرة مجزرة حماة 1982 وأثرها السياسي.
  10. Reuters, “Syrian Rebels Topple Assad Who Flees to Russia in Mideast Shakeup,” 8 December 2024, حول سقوط دمشق وفرار بشار الأسد إلى روسيا.
  11. Reuters, “Assad’s Final Hours in Syria: Deception, Despair and Flight,” 13 December 2024, حول الساعات الأخيرة لخروج الأسد من دمشق.
  12. Atlantic Council, “The Fall of Assad Has Opened a Door. But Can Syria Seize the Moment?,” 2 June 2025, حول انهيار حكم الأسد خلال عشرة أيام وما يترتب على مرحلة ما بعد السقوط.
          
Tags: الانتداب الفرنسيالانقلابات السوريةالجيش السوريالدولة الأمنيةالطائفية السياسيةبشار الأسدحافظ الأسدحزب البعثسقوط الأسدسوريا الحديثة
المقالة السابقة

انفراط حبات عقد اللؤلؤ بين واشنطن وتل أبيب

صفاء مقداد

صفاء مقداد

سورية ألمانية متخصصة في العلاقات الدولية (International Relations). متطوعة بحماس كبير كي ترافق (فريق تحرير مآلات) في مسيرته الإعلامية.

متعلق بـ المقاله

مشهد تاريخي رمزي لمدينة حلب السورية يعكس تحولات المدينة بين العمران القديم والذاكرة السياسية والاجتماعية
حضارة ومدن

حلب بين ألف عام من التحولات: من حكم العرب ‏إلى تقاطع الإمبراطوريات (1026–2026)‏

صهيب الآغا
2026-06-22
شارع مغلق خلال حداد رسمي بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000.
سرديات

في الصيف ضيَّعنا القائد الخالد!

الدكتور موسى الحالول
2026-06-10
صورة رمزية تجمع بين بوابة حجرية أثرية وفضاء كوني ومخططات زمكانية للتعبير عن البوابات النجمية بين الأسطورة والفيزياء النظرية.
متفرقات

البوابات النجمية بين الحقيقة العلمية والأسطورة

مايا سمعان
2026-06-10
صورة بارزة تجمع غلاف رواية المصابيح الزرق مع صورة الأديب حنا مينة في أجواء مكتبة دافئة ومصباح زيتي.
متفرقات

قراءة في رواية «المصابيح الزرق» لحنا مينة: حي القلعة بين الفقر والاستعمار والذاكرة الشعبية

نعيم مصطفى الفيل
2026-06-09
امرأة مصرية ريفية تقف قرب نهر ونخيل عند الغروب، مع طيور الكروان في السماء وأهرامات مصرية صغيرة في الأفق، في مشهد رومانسي حزين مستوحى من رواية دعاء الكروان.
متفرقات

دعاء الكروان: كيف حاكم طه حسين مجتمعاً يقتل ضحاياه؟

نعيم مصطفى الفيل
2026-06-03
صورة مائدة عليها وجبة طعام صحي متوازن
متفرقات

خارطة الطريق لغذاء آمن: رؤية علمية تتجاوز صرعات الحميات

د. عزام كروما
2026-06-03
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
E-mail - support@maalat.com
مالات .. سورية رؤى مستقبلية
DMCA.com Protection Status
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر
Menu
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر
جميع الحقوق محفوظة © بموجب قانون الألفية لعام 2023 - مآلات - سورية .. رؤى مستقبلية

إضافة قائمة تشغيل جديدة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط. من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. قم بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.