قُبيل نهاية العام الدراسي 1999/2000، سألني زميلي في المكتب بجامعة أهلية في الأردن عن المواد التي سأُدرِّسها في الفصل الصيفي، فقلت له إنني لن أُدَرِّس في الصيف! قال لي إنه رأى اسمي “نازل في الجدول!” نزل الخبر عليَّ نزولَ ماءِ ميزابٍ من بناءٍ متهالكٍ على رِقابِ السابِلة السادرةِ في أحلامها ذاتَ يومٍ مطيرٍ. سألني زميلي عن سبب استنكافي عن هذا الخير العميم، فقلتُ له إنني أود قضاء عطلة الصيف في سوريا بين الأهل والأصدقاء، ثم إنني مُقْدِم على الزواج إن شاء اللهَ!
خرجَ زميلي من المكتب، وبعد دقائق جاءني رئيس القسم يُرغي ويُزبِد. كان، رحمه الله، رجلاً ثمانينياً لا يقبل نقاشاً، ولا سيما مع واحدٍ بعمر أولاده. سألني:
- هل صحيح أنك ترفض التدريس في الفصل الصيفي؟
- نعم.
- ولكن العُرْف لدينا أن الكل يُدَرِّس في الصيف!
- ليس لدي اطلاع على أعرافكم – وأنا لم أُكمل عاماً دراسياً لديكم – ولستُ ملزماً بها.
- ولماذا لم تُخبرني أنك تريد أن تتزوج؟
- ولستُ ملزماً بإبلاغك عن هذا أيضاً.
لم أعد أتذكر كيف انتهت المُلاسنة بيني وبين هذا الدكتاتور الأكاديمي. وبعد دقائق، عاد زميلي الذي كان يعمل بمثابة نَمَّام لدى الدكتاتور، فقلت له:
“يا فلان، قل لفلان أن يُحَصِّن شَيْبَته، لا أن يتحَصَّن بها، لأني والله مستعد لأن أُسْمِعه ما سيندم عليه هو والجامعة وأنا!”
لم تكن هذه المعركة الوحيدة التي أنتصر فيها على هذا الدكتاتور، لكنها كانت الأخيرة في سنتي الدراسية الوحيدة البائسة في تلك الجامعة. فقد قال لي ذات يوم، إثر خلافٍ بيني وبينه، في اجتماع للقسم إنه حصل على الدكتوراه قبل أن أُولَد، فقلت له أمام الجميع: “ليس لك عليَّ فخرٌ لأن أمي ولدتني بعد حصولك على الدكتوراه! فهل لديك إنجاز غير هذا الفارق الزمني؟”
وهكذا غادرتُ إلى سوريا وكُلي زهوٌ بانتصاري الأخير على هذا الدكتاتور الصغير، ويحدوني شوقٌ إلى المستقبل القريب، وما يحمله لي من تحقيق الأماني عاجلاً غيرَ آجل.
***
في أصيل يوم السبت، العاشر من حزيران 2000، صحوتُ من خَدَر قيلولتي اللذيذ في بيت أخي محمد بالرقة، ولبست ثياباً أنيقةً، وقلت له إنني سأسبقه إلى بيتي صديقي “حسين” الذي سيصبح رسمياً عديلي خلال ساعتين على الأكثر. ولما اقتربتُ من بيت حسين، سمعتُ صوتَ الشيخ مروان شيخو يتحشرج وهو ينوح على فقيدٍ لم أعرف مَن هو، وخجلتُ أن أقف لأتنصت عند شباك جيران “عديلي” لأتبين سبب بكاء الشيخ على التلفاز.
دخلتُ بيتَ صديقي، ووجدتُ القوم كأن على رأسهم الطير: لقد مات القائدُ الخالد حافظ الأسد! يا إلهي، كيف يموت من تقول عنه الآلة الإعلامية إنه القائد الخالد – هكذا بألف ولام الاستغراق؟
سألتُ بسذاجةٍ إن كان ما زال بإمكاننا الذهاب وخطبة الفتاة التي سأتزوجها. وجاء الجواب نفياً مُدوِّياً: “سيكون مصيرُنا جميعاً بيتَ خالتنا!” وبيت الخالة كناية سورية عن السجن.
في الليلة ذاتها، عُدِّل الدستور ليناسب عمر الوريث القاصر بشار حافظ الأسد الذي رُقِّي إلى رتبة فريق، ورشِّح ليكون رئيساً للجُملوكية العربية السورية. حدث كل ذلك بلمح البرق؛ أما زواجي، فلن ينهار الكوكب إن تأجل!
في اليوم التالي، غادرت إلى بيتي في حلب. كنت قد هَزمتُ دكتاتوراً أكاديمياً صغيراً في الأردن وهو حيٌّ، وهزمني دكتاتور عسكري وسياسي في سوريا وهو ميت.
في حلب، زرتُ صديقي الفنان د. فهد في مرسَمه، وكان هناك أيضاً صديقان آخران، أحدهما فنان والآخر طبيب. وكانت زوجة الطبيب حاضرةً أيضاً. كانت هذه طبيبةً، وقصَّت علينا أول نكتة سمعتُها عن بشار الأسد منذ تفصيل الدستور على مقاسه: “ما اسم المخلوق الذي له رقبة طويلة وليس زرافة، وعيناه زرقاوان وليس قطّاً، وهو فريقٌ وليس لديه لاعبون؟” ارتعبنا من جرأة هذه الطبيبة على رواية نكتة يمكنها أن تودِعنا جميعاً في بيت خالتنا!
كانت مظاهر الحِداد، الحقيقي والمفتعل، باديةً في عموم سوريا حتى على وجوه السيارات التي تلفَّعت بقطع قماشية سوداء، حزناً على رحيل القائد الخالد.
وفي اليوم التالي غادرتُ إلى بيتي الآخر في اللاذقية، وكنت حينها من مَلاك جامعة تشرين التي وافقت على إعارتي إلى الأردن قبل عام. لم أتعد أتذكَّر كيف تدبرتُ أمر العَشاء في بيتي المهجور منذ سنة تقريباً. لكني لم أتبيَّن بؤس الحال العميم إلا ضُحى الغد حين خرجتُ من بيتي أبحث عن خبز ولوازم الإفطار، فوجدت أن جميع المحلات مغلقة، وكأن أمعاء المواطنين الأوفياء قد صامت حِداداً.
اتصلت بصديقي وزميلي في القسم د. عبد الكريم، رحمه الله، وسألته إن كان لديه خبز وسواه، فقال لي: “تعال، ننتظرك أنا وهيثم.” لم أخبرهما أنني كنت أنوي أن أخونهما وأنشق عن “ثالوث العُزَّاب” الذي كنا نشكله في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة تشرين، وأن خيانتي ما تأجلت إلا بسبب موت القائد الخالد.
في بيت عبد الكريم، كنت أتابع على شاشة التلفاز وقائع العزاء في قصر الشعب بدمشق. ومما لا أنسى وصولُ وزيرة الخارجية الأمريكية مادلِن أولبرايت إلى قصر الشعب وسلامها على بشار الأسد – الذي لم يخلف أباه رسمياً بعد في المنصب – وسلامُ ياسر عرفات على وزير الدفاع العماد أول مصطفى طلاس، متناسياً – بكبرياء الكبار – إساءته البذيئة إليه قبل عام في لبنان حين قال عن عرفات أمام حشد من العسكريين السوريين والإعلاميين والزعماء اللبنانيين إنه “ابن ستين ألف …” وإنه “يشبه راقصة الستربتيز” مع فارق أن الراقصة كلما تعرَّت بانَ جمالها، أما عرفات فكلما تعرَّى بان قُبحه!
بقيتُ ساعاتٍ متسمراً أمام شاشة التلفاز، بعد أن انتقل البث من دمشق إلى القرداحة لمواراة القائد الخالد في مسقط رأسه. كان عبد الكريم وهيثم يحثَّاني على الانضمام إليهما في البلكون، لكنني كنت أرفض، لأني – كما قلتُ لهما – أريد أن أتأكد أن القائد الخالد سيُقبَر!
ثم قلتُ لصاحبيَّ إن الأمور لا تبشر بالخير: فقبل أن يتسلم بشار الأسد مقاليد الأمور، وجدتُ نفسي جائعاً في مدينة كبيرة ولم ينقذني من غائلة الجوع فيها إلا كرمُ صديقي.
لم أعد أتذكر إن كنتُ قد سمعت النكتة التالية من زميلة لاذقانية في تلك الرحلة أم بعد أسابيع بعد أن انفضَّ الحِداد، ولم يعد زواجي خيانة للوطن وقائد الوطن. تقول النكتة إن بشار الأسد أراد أن يحاكي أباه في كل شيء، في أمور السياسة والاقتصاد والإدارة كما في أمور الحياة الخاصة. لذلك، ذهب إلى حمَّام السوق الذي كان يرتاده أبوه في دمشق. وبعد أن فرِغ المُكَيِّس من تنظيفه وتعطيره وإلباسه ثيابه، دفع له بشار 300 ليرة سورية (نحو 6 دولارات آنذاك)، فقال له المُكَيِّس:
- عفواً، سيدي، حسابكم 900 ليرة!
- ولكن أبي كان يدفع لك 300 ليرة.
- صحيح، لكن أنت أوسخ من أبيك بثلاثة أضعاف!
لله دَرُّ المُنَكِّتين؛ ما أبصَرهم وأضلَّنا!







