
![]()
الملخص التنفيذي
يقرأ كتاب د. رضوان زيادة التجربة السورية باعتبارها اختباراً قاسياً للأمم المتحدة وللنظام الدولي الذي أنشئ لحماية السلم والأمن. فمن قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن إلى الفيتو الروسي ومسارات جنيف وأستانة واللجنة الدستورية والحصار والتهجير، يوثق الكتاب المسافة بين وفرة القرارات وندرة التنفيذ. وتناقش هذه المراجعة أطروحته نقدياً، مميزةً بين عجز مجلس الأمن وما حققته آليات التوثيق والمساءلة الأممية، ومتسائلةً عما إذا كانت مرحلة التعافي السورية الجديدة قادرة على الاستفادة من دروس ذلك الفشل.ليس كتاب «فشل الأمم المتحدة في سورية» للدكتور رضوان زيادة مجرد سرد لتاريخ تعامل المنظمة الدولية مع حرب امتدت أكثر من أربعة عشر عاماً، ولا هو تجميع لقرارات مجلس الأمن وتقارير اللجان الدولية فحسب. قيمته الأساسية تنبع من محاولة تحويل الملف السوري إلى اختبار لنظام الأمن الجماعي نفسه: ماذا يبقى من القانون الدولي عندما تكون الانتهاكات موثقة، والقرارات موجودة، والآليات القانونية معروفة، لكن الإرادة اللازمة للتنفيذ غائبة؟
صدر الكتاب عن دار الفكر في دمشق عام 2026، في 520 صفحة، ويضم أرشيفاً واسعاً للوثائق الأممية المتعلقة بسورية بين عامي 2011 و2025، من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة إلى تقارير الأمين العام ومجلس حقوق الإنسان ولجنة التحقيق الدولية المستقلة. ولذلك يجمع العمل بين وظيفتين: الوثيقة المرجعية والمرافعة النقدية ضد منظومة دولية يرى المؤلف أنها أخفقت في تحويل المعرفة بالجرائم إلى قدرة على منعها أو وقفها. [1]
هذه الثنائية هي مفتاح قراءة الكتاب: فهو لا يقول إن العالم «لم يكن يعرف» ما يحدث في سورية؛ بل تكاد رسالته المعاكسة تكون أن العالم عرف، ووثّق، وصوّت، وأصدر القرارات، ثم عجز عن جعلها واقعاً.
من أزمة سياسية إلى نزاع دولي: كيف يبني الكتاب إطاره التفسيري؟
يبدأ زيادة من أدبيات تحليل النزاعات، مستعيناً بنموذج مايكل لند في الدبلوماسية الوقائية، الذي يتابع النزاع عبر مراحل التصعيد، ثم النزاع المسلح، ثم مرحلة ما بعد الصراع. والغاية ليست استعراض نظرية أكاديمية بقدر ما هي تفسير الكيفية التي انتقلت بها سورية من احتجاجات وأزمة حكم داخلية إلى حرب مسلحة ثم إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.
هنا يضع الكتاب أول فرضياته المركزية: الفشل لم يبدأ عندما اندلعت الحرب، وإنما بدأ حين لم تستطع المؤسسات السورية والدولية معالجة الجذور السياسية والحقوقية للأزمة في طورها الأول. وحين انتقلت البلاد إلى العنف المسلح، أصبحت الانتهاكات نفسها جزءاً من أدوات إدارة الحرب، ثم تضاعفت صعوبة الحل مع دخول القوى الخارجية.
ويختصر زيادة إحدى أكثر مفارقات الحالة السورية إيلاماً بقوله:
«كيف قادت مظاهرات سلمية تطالب بتغيير شكل نظام الحكم نحو نموذج أكثر انفتاحاً وديمقراطية إلى حرب دولية على الأرض السورية؟»
السؤال هنا ليس بلاغياً فقط. إنه ينقل النقاش من المسؤولية المحلية إلى ديناميات التدويل: كيف غيّرت التدخلات الإقليمية والدولية طبيعة الصراع، وكيف انتقلت القرارات الأساسية بالتدريج من السوريين إلى عواصم خارج الحدود؟
ومن هنا يستعير المؤلف التعبير الشهير لغسان تويني عن الحرب اللبنانية بوصفها «حروب الآخرين»، ليجد له امتداداً سورياً:
«تبدو الحرب في سورية وكأنها قد دخلت مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي يدفع ضحيتها الشعب السوري، فكأن الحرب في سورية هي حروب الآخرين على الأرض السورية.»
هذه الفكرة تشكل جسراً مهماً نحو موضوع الكتاب الحقيقي: إذا صار النزاع دولياً بهذه الدرجة، فمن المفترض أن تصبح الأمم المتحدة أكثر أهمية؛ لكن ما حدث، في قراءة زيادة، كان العكس تقريباً.
السيادة في مواجهة «مسؤولية الحماية»
أحد أهم الأسئلة الفكرية التي يتيحها الكتاب هو العلاقة بين سيادة الدولة وحماية الإنسان.
قام نظام الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية على احترام سيادة الدول وعدم استخدام القوة إلا في حالات محددة، أبرزها الدفاع عن النفس أو ما يجيزه مجلس الأمن. لكن تجارب رواندا وسربرينيتشا وغيرهما دفعت النظام الدولي لاحقاً إلى تطوير مفهوم «مسؤولية الحماية» R2P، الذي أقره مؤتمر القمة العالمي عام 2005، مؤكداً مسؤولية كل دولة عن حماية سكانها من الإبادة وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، ومسؤولية المجتمع الدولي عن التحرك بوسائل دبلوماسية وإنسانية، ومع إخفاق الدولة بصورة واضحة يمكن اللجوء إلى العمل الجماعي في إطار ميثاق الأمم المتحدة. [2]
الحالة السورية كشفت المعضلة الكامنة في هذا المبدأ: من يفعّل مسؤولية الحماية إذا كان مجلس الأمن نفسه منقسماً؟
وهنا يصبح الفشل، في منطق الكتاب، بنيوياً وليس أخلاقياً فقط. فالميثاق يعترف بمسؤولية دولية، لكنه يجعل أدوات الإكراه الأساسية خاضعة لمجلس يمتلك كل عضو دائم فيه القدرة على تعطيل القرار.
وهذه ليست مفارقة قانونية هامشية؛ إنها في الحقيقة قلب المأزق السوري.
مجلس الأمن: من إدارة السلم إلى إدارة العجز
يسرد الكتاب سلسلة طويلة من الاجتماعات والقرارات والمشروعات المعطلة، لكنه لا يريد من القارئ حفظ أرقامها، بل رؤية النمط المتكرر الذي تصنعه.
في كانون الأول/ديسمبر 2011، أدانت الجمعية العامة في القرار 66/176 الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان في سورية بأغلبية 133 صوتاً. [3] وفي العام التالي، جاء القرار 67/183 بلغة أكثر تفصيلاً وحدة، متناولاً استخدام الأسلحة الثقيلة والقتل والاعتقال والتعذيب والعنف الجنسي وعرقلة المساعدة الإنسانية. [4]
أي أن مشكلة الملف السوري لم تكن، منذ وقت مبكر، غياب التشخيص.
- كان التشخيص موجوداً.
- وكانت الوثائق موجودة.
- وكانت الأغلبية الدولية موجودة في الجمعية العامة.
لكن مجلس الأمن، حيث توجد سلطة اتخاذ القرارات الأكثر إلزاماً، اصطدم بحق النقض.
ومنذ 4 تشرين الأول/أكتوبر 2011 بدأت سلسلة الفيتوهات المتعلقة بسورية عندما عطلت روسيا والصين مشروع قرار يدين الانتهاكات الجسيمة ويشير إلى إمكان اتخاذ تدابير إضافية. وتوثق سجلات مجلس الأمن الرسمية تكرار استخدام الفيتو في ملفات سورية لاحقة، من المساءلة والكيماوي وصولاً إلى آلية المساعدات العابرة للحدود. [5]
وهنا ينبغي تقديم ملاحظة نقدية على الكتاب نفسه: يَرِد عدد مرات الفيتو الروسي بصيغ مختلفة في أجزاء المادة، ولذلك فإن الأكثر دقة تحليلياً ليس اختزال الظاهرة في رقم، وإنما القول إن الفيتو تحوّل إلى آلية مستدامة لضبط حدود ما تستطيع الأمم المتحدة فعله في سورية.
وبذلك لم يعد حق النقض مجرد إجراء تصويتي، بل أصبح عاملاً في تشكيل الحرب نفسها؛ لأن الأطراف المحلية والدولية راحت تحتسب مسبقاً ما إذا كان مجلس الأمن قادراً على فرض تكلفة سياسية أو قانونية عليها.
«برغم كل ذلك لم يجد أي من قرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2254، طريقه إلى التنفيذ في سورية… إن ذلك يكشف حجم الفشل الأممي في سورية.»
“— د. رضوان زيادة”
الغوطة 2013: اللحظة التي اختُبرت فيها قوة «الخط الأحمر»
يعتبر زيادة أن هناك لحظتين غيّرتا بنية الحرب السورية: الهجوم الكيميائي الواسع في الغوطة عام 2013، والتدخل العسكري الروسي المباشر عام 2015.
كانت الأولى اختباراً لصدقية الردع الأميركي والدولي.
بعد هجوم الغوطة والتهديد الأميركي باستخدام القوة، انتهت المواجهة إلى اتفاق لنزع الترسانة الكيميائية السورية، ثم صدر قرار مجلس الأمن 2118 في 27 أيلول/سبتمبر 2013 بالإجماع. ولم يكن القرار متعلقاً بالسلاح الكيميائي فقط؛ فقد تضمّن أيضاً الدعوة إلى مؤتمر دولي لتنفيذ بيان جنيف والدفع نحو تسوية سياسية. [6]
لكن القراءة التي يقدمها زيادة هي أن المجتمع الدولي ركز على الجانب الكيميائي من الاتفاق، بينما بقيت العملية السياسية أضعف بكثير.
وهنا يرى المؤلف أن عدم تنفيذ التهديد العسكري الأميركي بعد تجاوز «الخط الأحمر» حمل أثراً يتجاوز الواقعة نفسها؛ إذ أعاد تشكيل إدراك الأطراف لحدود ما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي.
«يمكن القول إن هناك لحظتين فارقتين في تاريخ الصراع السوري: الأولى استخدام السلاح الكيماوي بهجوم واسع النطاق في الغوطة عام 2013، والثانية التدخل الروسي في سورية في سبتمبر 2015.»
“— د. رضوان زيادة”
قد يُختلف مع المؤلف في تقدير مدى قدرة ضربة أميركية عام 2013 على تغيير المسار اللاحق للحرب، فذلك يبقى سؤالاً من أسئلة التاريخ الافتراضي؛ لكن أهمية حجته تكمن في شيء آخر: الردع لا يُقاس بالنوايا، بل بما يستنتجه الخصوم من السلوك الفعلي.
القرار 2254: عندما امتلك العالم خريطة ولم يمتلك الطريق
صدر القرار 2254 في 18 كانون الأول/ديسمبر 2015 بالإجماع، وأصبح الإطار الدولي الأشهر للحل السياسي السوري. فقد أقر عملية سياسية سورية تيسرها الأمم المتحدة، وجدولاً لصياغة دستور جديد، وانتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة ضمن أفق زمني حُدد آنذاك بثمانية عشر شهراً. [7]
لكن ما يعتبره الكتاب مفارقة تاريخية هو أن الإجماع على النص لم ينتج إجماعاً على تنفيذه.
وهذه نقطة مركزية تستحق التوقف: كثيراً ما يُقال إن عجز الأمم المتحدة سببه غياب القرار. في الحالة السورية، القرار وُجد بالفعل، وأُقر بالإجماع، وحدد المبادئ والإطار الزمني؛ لكن توافق القوى الكبرى على العبارة لم يكن يعني توافقها على مضمون الانتقال السياسي أو على الوسائل التي يجب استخدامها لإجبار الأطراف على احترامه.
ويمكن التعبير عن ذلك بمعادلة بسيطة:
كلما كانت تكلفة عدم التنفيذ شبه معدومة، تحوّل القرار الملزم سياسياً إلى مرجعية تفاوضية يمكن تأجيلها بلا نهاية.
ومن هنا تأتي إحدى أكثر عبارات زيادة قسوة:
«بعد مرور تسع سنوات من بدء مفاوضات جنيف وأكثر من اثنتي عشرة جلسة، الحصيلة كانت صفراً… والأهم أن النظام السوري كان سعيداً دوماً بهذه الحصيلة الصفرية.»
“— د. رضوان زيادة”
العبارة لا تنتقد المفاوضات لأنها لم تنتج اتفاقاً فقط، بل لأنها، في تقديره، تحولت إلى عملية قائمة بذاتها؛ أي إن استمرار التفاوض أصبح بديلاً عن تحقيق الغاية التي وُجد التفاوض من أجلها.
من جنيف إلى أستانة وسوتشي: كيف انتقلت القوة من النص إلى الميدان؟
يخصص الكتاب مساحة واسعة لمسار جنيف، من الأخضر الإبراهيمي إلى ستافان دي ميستورا وغير بيدرسن، لكنه يقارن بصورة غير مباشرة بين منطقين:
- الأول هو منطق الشرعية الدولية المتمثل في جنيف والقرار 2254.
- والثاني هو منطق ميزان القوى الذي تكرس بعد التدخل العسكري الروسي في أيلول/سبتمبر 2015، ثم في أستانة وسوتشي.
بعد التدخل الروسي، لم تعد العملية السياسية منفصلة عن التطورات العسكرية. فكل تغير في الخريطة الميدانية كان يعيد تعريف الحدود الواقعية للمفاوضات.
في هذا السياق يقرأ زيادة مؤتمر سوتشي واللجنة الدستورية باعتبارهما محاولة لنقل مركز الثقل من الانتقال السياسي الواسع إلى ملف دستوري يمكن احتواؤه ضمن توازنات جديدة.
كما ينتقد بشدة المشروع الدستوري الذي قدمته موسكو خلال مسار أستانة، متسائلاً:
«كيف تأتي روسيا وتقدم على صياغة “دستور سوري” وتسأل السوريين مناقشته والموافقة عليه؟»
“— د. رضوان زيادة”
السؤال يتجاوز روسيا ذاتها. إنه يعيدنا إلى المشكلة الأصلية: متى تكون العملية «سورية القيادة والملكية» فعلاً، ومتى تصبح العبارة غطاءً لعملية صيغت حدودها خارج سورية؟
ويذهب المؤلف أبعد من ذلك في نقد المسودة الروسية، ويرى فيها استنساخاً لبعض بنى النظام الدستوري الروسي، واهتماماً بالهويات القومية والطائفية وآليات تمثيلها بطريقة قد تقود، بحسب قراءته، إلى نظام محاصصة يشبه نماذج عرفتها دول منقسمة أخرى.
“يكشف الكتاب عن بعد يتجاوز الدبلوماسية: الصراع على الدستور كان في حقيقته صراعاً على تعريف سورية التي ستخرج من الحرب.”
“ياسر أشقر“
اللجنة الدستورية: حين يصبح الإجراء بديلاً عن السياسة
تشكل اللجنة الدستورية في الكتاب حالة نموذجية لما يمكن تسميته «مأسسة الانتظار».
فبعد تعثر الانتقال السياسي، تقلصت التوقعات تدريجياً: من إعادة بناء نظام سياسي كامل، إلى تفاوض حول هيئة حكم وانتخابات، ثم إلى لجنة دستورية، ثم إلى تفاوض طويل حتى بشأن جدول أعمال اللجنة.
وهنا يمكن تطوير أطروحة الكتاب خطوة إضافية: إخفاق الوساطة الدولية لا يعني دائماً توقف الوساطة؛ بل قد يعني استمرارها بعد فقدان قدرتها على تغيير الواقع.
المؤسسة قد تحافظ على العملية الدبلوماسية لأنها أفضل من الفراغ، في حين تستخدم الأطراف المحلية والإقليمية بقاء العملية نفسها دليلاً على أنها لم تغلق باب الحل السياسي.
“ياسر أشقر“
هذه هي المسافة بين إدارة الأزمة Crisis Management وحل النزاع Conflict Resolution.
نجحت الأمم المتحدة، إلى حد ما، في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى نظام حوافز وعقوبات يجعل التسوية أفضل للأطراف من استمرار الوضع القائم.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أقوى إضافات الكتاب إلى النقاش العربي حول الأمم المتحدة: الفشل لا يظهر فقط عندما تتوقف المنظمة عن العمل، بل أيضاً عندما تعمل باستمرار من دون أن تغير النتيجة.
الحصار: حين أصبحت المساعدة الإنسانية جزءاً من الحرب
إذا كان مجلس الأمن يمثل الفشل السياسي، فإن الفصول المتعلقة بالحصار والتهجير تنقل الاتهام إلى مستوى أكثر حساسية: الفشل الإنساني الميداني.
يوثق الكتاب تجربة حمص والوعر وعمليات الإجلاء والتهجير التي جرت في بيئة كان السكان فيها محاصرين ومحرومين من الغذاء والدواء والوقود. ويناقش المعضلة التي واجهتها الوكالات الأممية: هل تؤدي المشاركة في «إجلاء» المدنيين إلى إنقاذهم من خطر فوري، أم تجعل المنظمة طرفاً عملياً في عملية نقل لم يكن السكان يملكون فيها خياراً حراً؟
تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية وثقت استخدام الحصار بصورة واسعة، ووصفت نمطاً يقوم على تطويق المناطق ومنع المدنيين والمساعدات عنها لإرغام المجتمعات على الاستسلام. وفي ورقتها «الحصار كسلاح حرب» وثقت اللجنة استخدام الحصار والتجويع والحرمان من المواد الأساسية وما تلاه في حالات متعددة من اتفاقات إجلاء ونزوح قسري. [8]
وهنا يبلغ نقد زيادة للأمم المتحدة ذروته:
«ممارسات الأمم المتحدة في سورية حملت الكثير من الفشل حتى على مستوى أجهزتها الداخلية التي لم تحسن إدارة التعامل مع الأسد فطوّعت مؤسساتها لصالحه.»
“— د. رضوان زيادة”
هذه العبارة قوية، لكنها تحتاج في القراءة الأكاديمية إلى تفكيك.
فليس كل جهاز أممي يملك السلطة نفسها، وليست وكالات الإغاثة صاحبة قرار الحرب والسلم. كثير منها يعمل تحت قيود الوصول والموافقة والتمويل والأمن. ولذلك ينبغي التمييز بين التواطؤ القانوني المثبت، والقبول الاضطراري بقيود السلطة المسيطرة، والفشل المؤسسي في حماية مبادئ الحياد وعدم التحيز والاستقلال الإنساني.
هذه التفرقة لا تُضعف نقد الكتاب؛ بل تجعله أكثر دقة.
هل كانت الأمم المتحدة ضحية أم جزءاً من المشكلة؟
هذا هو، ربما، السؤال الأكثر أهمية في الكتاب كله.
يسأله زيادة صراحة: هل كانت الأمم المتحدة ضحية الصراعات الدولية؟
ويجيب بأن تضارب المصالح الأميركية والروسية يفسر جزءاً مهماً من الفشل، لكنه لا يفسره كله. فالمنظمة في نظره أظهرت كذلك ضعفاً بيروقراطياً، وقبولاً بقيود فرضها النظام السابق على عمل وكالاتها، وعجزاً عن حماية أشخاص شاركت في ترتيبات تتصل بخروجهم أو إجلائهم.
وهذه النقطة تفتح باباً نظرياً بالغ الأهمية.
فـ«الأمم المتحدة» ليست فاعلاً واحداً. هناك مجلس الأمن، وفيه الدول الخمس الدائمة العضوية؛ وهناك الجمعية العامة؛ وهناك الأمانة العامة والمبعوثون؛ وهناك وكالات إنسانية؛ وهناك مجلس حقوق الإنسان ولجان التحقيق؛ وهناك آليات للمساءلة أنشئت خارج مجلس الأمن نفسه.
ولهذا يمكن أن تفشل الأمم المتحدة وتنجح في الملف ذاته في الوقت نفسه.
فشل مجلس الأمن في تجاوز الفيتو لا يعني أن لجنة التحقيق فشلت في التوثيق.
وفشل جنيف في إنتاج انتقال سياسي لا يلغي عمل الهيئات الحقوقية.
وعجز المجلس عن إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية لم يمنع الجمعية العامة من إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة IIIM في كانون الأول/ديسمبر 2016 للمساعدة في التحقيق وجمع الأدلة وإعداد الملفات المرتبطة بأخطر الجرائم الدولية المرتكبة في سورية. [9]
“هنا تظهر مفارقة مهمة لأنَّ المؤسسة التي عجز جهازها الأقوى عن تحقيق العدالة أنتجت، عبر أجهزة أخرى، البنية الوثائقية التي قد تجعل بعض أشكال العدالة ممكنة لاحقاً.”
“ياسر أشقر“
العدالة البديلة: ما الذي حدث عندما أُغلق مجلس الأمن؟
هذه النقطة تستحق تطويراً يتجاوز ما يرد في السرد السياسي التقليدي.
حين عجز مجلس الأمن عن فتح المسار الجنائي الدولي، انتقلت بعض المبادرات إلى الجمعية العامة، ولجان التحقيق، والمحاكم الوطنية التي تستخدم الولاية القضائية العالمية.
وهذا التطور يعني أن الفيتو يستطيع إغلاق طريق إلى العدالة، لكنه لا يستطيع بالضرورة محو الأدلة أو منع كل الطرق الأخرى.
القرار 71/248، الذي أنشأ IIIM بأغلبية 105 أصوات، مثال واضح على محاولة النظام الدولي إنتاج آليات بديلة عندما تتعطل البوابة التقليدية لمجلس الأمن. [9]
ومن هنا يمكن تعديل فرضية «فشل الأمم المتحدة» إلى صيغة أكثر تركيباً:
فشلت الأمم المتحدة في الردع والتنفيذ السياسي، لكنها حققت رصيداً مهماً في التوثيق وحفظ الأدلة وصناعة الذاكرة القانونية للصراع.
وهذه ليست نتيجة صغيرة.
ففي النزاعات الطويلة، تكون إحدى أخطر نتائج الإفلات من العقاب هي اختفاء الأدلة بمرور الزمن. أما في سورية فقد تراكم أرشيف ضخم من الوثائق والشهادات والقرارات والتحقيقات، وهو بالضبط ما يجعل الجزء الوثائقي من كتاب زيادة ذا قيمة مستقلة عن مواقفه السياسية.
سورية التي خرجت من الحرب أفقر مما دخلتها
لا يقف الكتاب عند الدبلوماسية. فالفشل الدولي، وفق منطقه، ينبغي قياسه بما حدث للإنسان والاقتصاد والمجتمع.
وهنا تستخدم المقدمة أرقاماً تتعلق بالنزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي والدمار وانهيار الناتج.
بعض الأرقام الواردة في المادة تعود إلى سنوات وتقارير مختلفة، ولذلك من الأفضل، تحريرياً، عدم جمعها كأنها لقطة إحصائية واحدة. لكن الاتجاه العام الذي يستند إليه المؤلف تؤكده البيانات الأحدث بوضوح.
فالبنك الدولي أفاد بأن الناتج السوري انكمش بأكثر من النصف منذ 2010، وأن نصيب الفرد من الدخل القومي بلغ نحو 830 دولاراً في 2024، بينما يعيش نحو ربع السكان في الفقر المدقع وفق خط الفقر المستخدم في التقرير، بعد أربعة عشر عاماً من الحرب. [10]
بهذا المعنى، لا يصبح الفشل الأممي مجرد عدد قرارات لم تُنفذ؛ بل يمكن قياسه أيضاً في جيل ضائع من التنمية، ومدن مدمرة، ولاجئين، ونازحين، وتفكك اقتصادي واجتماعي ستحتاج معالجته إلى عقود.
«هذه الأرقام تشكل حقيقة سورية… وكيف أن مستقبلهم أصبح في مهب الريح.»
“— د. رضوان زيادة”
قراءة نقدية: أين تكمن قوة الكتاب وأين يحتاج إلى التمييز؟
قوة الكتاب الأولى هي الأرشيف.
في الملفات شديدة الاستقطاب يصبح الرجوع إلى الوثيقة الأولية قيمة معرفية بحد ذاته. وكتاب يجمع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة وتقارير الأمين العام ومجلس حقوق الإنسان ولجنة التحقيق في مسار واحد يتيح للباحث تتبع ما عرفه المجتمع الدولي، ومتى عرفه، وبأي لغة وصفه.
أما القوة الثانية فهي أن المؤلف لا يعزل السياسة عن القانون والإنسان. فالفيتو، في القراءة التي يقدمها، ليس تفصيلاً دبلوماسياً؛ إنما قرار له أثر على القدرة على حماية مدني أو إدخال دواء أو فتح تحقيق.
والقوة الثالثة هي الزمن الذي يصدر فيه الكتاب. فهو لا يُكتب بينما الحرب في ذروتها، بل بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وبدء مرحلة انتقالية مختلفة، ما يسمح بقراءة أربعة عشر عاماً باعتبارها دورة تاريخية يمكن تحليل نتائجها.
لكن هذا لا يمنع تسجيل ثلاث ملاحظات نقدية.
- أولاها أن وصف سورية بأنها دخلت بصورة كاملة «مرحلة ما بعد الصراع» يحتاج إلى شيء من التحفظ. فالأمم المتحدة نفسها وصفت في 2026 المرحلة السورية بأنها انتقال يحمل فرصاً كبيرة لكنه ما زال يتسم بالهشاشة، بينما يستمر العمل على الأمن والعدالة الانتقالية وبناء المؤسسات والتعافي. [11] ولعل تعبير «مرحلة ما بعد النظام والحرب المركزية» أدق من القول إن كل بنية الصراع أصبحت من الماضي.
- الملاحظة الثانية هي الحاجة إلى الفصل باستمرار بين إخفاق المنظمة وإخفاق الدول الأعضاء التي تتحكم بقدرتها على الفعل. فمجلس الأمن ليس جهازاً منفصلاً عن الدول الكبرى؛ وبالتالي حين تستخدم دولة دائمة العضوية الفيتو، فإن هذا يُظهر عجز البنية الأممية، لكنه يكشف في الوقت نفسه مسؤولية سياسة دولة محددة.
- أما الثالثة فهي أن بعض الاستنتاجات الحادة في الكتاب – ولا سيما تلك التي تقترب من مفاهيم «التواطؤ» أو المسؤولية المباشرة – تحتاج، حين تُستخدم في دراسة قانونية صرفة، إلى معيار إثبات مختلف عن معيار النقد السياسي. وهذه ليست مشكلة في كتاب ذي طبيعة توثيقية نقدية، لكنها مهمة عند نقله إلى مجال القانون الجنائي أو المسؤولية القانونية الدولية.
بعد سقوط الأسد: هل انتهت صلاحية السؤال؟
المفارقة أن التطورات التي أعقبت كانون الأول/ديسمبر 2024 لم تجعل سؤال الكتاب قديماً، بل أعادته بصورة مختلفة.
فالأمم المتحدة التي ينتقدها زيادة بسبب إخفاقها خلال سنوات الحرب باتت اليوم طرفاً أساسياً في التعافي وإعادة بناء المؤسسات وعودة النازحين واللاجئين والعدالة الانتقالية والتنمية.
وفي آذار/مارس 2026، قدّم التحليل القطري المشترك للأمم المتحدة سورية باعتبارها تنتقل تدريجياً من الاستجابة الإنسانية إلى التعافي وإعادة البناء والتنمية طويلة الأمد. وفي تموز/يوليو 2026 تحدثت المنظمة عن فرصة تاريخية لمعالجة واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع بقاء ملايين السوريين نازحين وحاجة أكثر من خمسة عشر مليون شخص إلى مساعدات إنسانية. [11] [12]
وهذا يمنح كتاب زيادة وظيفة إضافية لم تكن مجرد استعادة الماضي.
فالسؤال الآن ليس فقط:
لماذا فشلت الأمم المتحدة في منع الكارثة؟
بل أيضاً:
هل تستطيع المؤسسة نفسها أن تتعلم من ذلك الفشل وهي تشارك في بناء ما بعده؟
فإذا دخلت المنظمة مرحلة إعادة الإعمار والتعافي من دون مراجعة طريقة توزيع المساعدات، وآليات الرقابة والمساءلة، وشروط المشاركة المحلية، والعدالة الانتقالية، فإن الخلل قد ينتقل ببساطة من إدارة الحرب إلى إدارة السلام.
من «الفشل» إلى سؤال إصلاح النظام الدولي
أعمق ما يتركه الكتاب ليس حكماً على مؤسسة بعينها، وإنما سؤالاً عن بنية النظام الدولي المعاصر.
لقد تأسست الأمم المتحدة على معادلة واقعية: لا يمكن إنشاء نظام دولي مستقر من دون منح القوى الكبرى موقعاً متميزاً داخله. وكان الفيتو هو الثمن المؤسسي لإبقائها داخل النظام.
لكن سورية تكشف الوجه الآخر لهذه المعادلة: ماذا يحدث حين يكون أحد أصحاب حق النقض طرفاً استراتيجياً مباشراً في النزاع الذي يفترض بالمجلس أن يديره؟
عندها تصبح المؤسسة مطالبة بتنفيذ قواعد لا تستطيع تطبيقها على أحد أكثر القادرين على تعطيلها.
ومن هنا لا يبدو الإصلاح الحقيقي مسألة زيادة عدد الاجتماعات أو المبعوثين. المشكلة أعمق: كيف يمكن حماية السكان من الجرائم الكبرى إذا بقي العمل الجماعي رهينة مصلحة دولة واحدة من الدول الخمس الدائمة العضوية؟
لا يقدم كتاب زيادة وصفة دستورية كاملة لإصلاح الأمم المتحدة، وربما لا يحتاج إلى ذلك. قيمته أنه يقدم دراسة حالة ضخمة لما يحدث عندما تنفصل الشرعية عن القدرة.
- فالقانون كان موجوداً.
- والتقارير كانت موجودة.
- والضحايا كانوا معروفين.
- والقرارات صدرت.
لكن الحلقة الأخيرة – التنفيذ = بقيت رهينة السياسة.
الخاتمة: أرشيف للفشل أم دليل لمنع تكراره؟
في مقدمته الأخيرة يحدد زيادة بنفسه الوظيفة التي يريدها لعمله: جمع الوثائق المتعلقة بسورية وتقديمها للباحثين والطلاب كي تتم دراسة تجربة الأمم المتحدة والتعلم منها.
ويختصر هدفه بعبارة:
«يشكل هذا الكتاب مرجعاً مهماً للباحثين والطلبة الذين يرغبون بدراسة دور الأمم المتحدة في سورية والتعلم من دروس فشلها كي لا يتكرر ما حدث في سورية في دول أخرى في العالم، تحت مبدأ الشعار الشهير: كي لا ننسى.»
“— د. رضوان زيادة”
وهنا تكمن القيمة النهائية للكتاب.
«فشل الأمم المتحدة في سورية» ليس فقط سجل اتهام ضد مجلس الأمن أو روسيا أو الدبلوماسية الدولية. إنه أرشيف لمشكلة أوسع في النظام الدولي: الفجوة بين توثيق الجريمة ومنعها، وبين الاعتراف بالحق والقدرة على حمايته، وبين القرار الدولي والإرادة اللازمة لتنفيذه.
ومن الإنصاف القول إن الأمم المتحدة لم تفشل في كل شيء في سورية. لجانها وثقت، وهيئاتها الحقوقية راكمت الأدلة، والجمعية العامة أنشأت آليات للمساءلة، ووكالاتها أنقذت أعداداً هائلة من الناس بالمساعدات.
لكنها فشلت في الاختبار الأصعب: تحويل هذا كله إلى قوة سياسية قادرة على وقف مسار الكارثة في الوقت المناسب.
ومن هذه الزاوية، فإن العنوان لا يتعلق بسورية وحدها.
إنه سؤال موجه إلى النظام الدولي كله:
ما قيمة أن يعرف العالم كل شيء عن الجريمة، إذا كان لا يستطيع – أو لا يريد – منع استمرارها؟
![]()
![]()
المراجع والمصادر
[1] رضوان زيادة، فشل الأمم المتحدة في سورية، دار الفكر، دمشق، 2026، 520 صفحة، ISBN: 978-9933-36-541-7. المرجع 1 – دار الفكر
[2] United Nations Office on Genocide Prevention, About the Responsibility to Protect، ولا سيما الفقرتان 138 و139 من وثيقة القمة العالمية لعام 2005. المرجع 2 – الأمم المتحدة
[3] United Nations General Assembly, Resolution 66/176, Situation of Human Rights in the Syrian Arab Republic, 19 December 2011. المرجع 3 – القرار 66/176
[4] United Nations General Assembly, Resolution 67/183, Situation of Human Rights in the Syrian Arab Republic, 20 December 2012. المرجع 4 – القرار 67/183
[5] United Nations Security Council, Vetoes since 1946، وسجل مشروعات القرارات المتعلقة بسورية. المرجع 5 – سجل الفيتو الرسمي
[6] United Nations Security Council, Resolution 2118 (2013), 27 September 2013. المرجع 6 – القرار 2118
[7] United Nations Security Council, Resolution 2254 (2015), 18 December 2015. المرجع 7 – القرار 2254
[8] Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, Sieges as a Weapon of War: Encircle, Starve, Surrender, Evacuate. المرجع 8 – لجنة التحقيق الدولية
[9] United Nations General Assembly, Resolution 71/248 establishing the International, Impartial and Independent Mechanism — IIIM, 21 December 2016. المرجع 9 – القرار 71/248
[10] World Bank, Syria Macro-Fiscal Assessment / Economic and Welfare Assessments, 2024–2025. المرجع 10 – البنك الدولي
[11] United Nations in Syria, Common Country Analysis – Syria, 31 March 2026. المرجع 11 – الأمم المتحدة في سورية
[12] United Nations, Syria has historic opportunity to transform displacement into recovery, 23 July 2026. المرجع 12 – النزوح والتعافي في سورية







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.