
![]()
الملخص التنفيذي
تبحث الدراسة في إشكالية تنظيم التعددية الحزبية خلال مرحلة إعادة تأسيس الدولة السورية، انطلاقاً من أن الخطر لا يكمن في وجود الأحزاب أو غيابها، بل في طبيعة علاقتها بالدولة. وتقترح مقاربة توازن بين حماية الحق في التنظيم السياسي ومنع السلاح والعنف والتمويل غير المشروع واستحواذ الأحزاب على المؤسسات، بما يؤسس لتعددية مدنية منضبطة ودولة محايدة لا تتحول إلى أداة احتكار سياسي.لماذا أصبح السؤال الحزبي سؤالاً رئيساً في تأسيس الدولة؟
في الدول المستقرة، يمكن النظر إلى قانون الأحزاب بوصفه أحد فروع التنظيم السياسي. أما في الدول الخارجة من السلطوية والصراعات الطويلة، فإنه يصبح جزءاً من سؤال أعمق: من يملك الدولة؟ وما الحدود التي تفصل الحزب والحكومة عن المؤسسات العامة الدائمة؟
تكتسب هذه المسألة خصوصيتها السورية من تجربة تاريخية امتد فيها الحزب الحاكم داخل بنية الدولة إلى درجة تآكل الحدود بين التنظيم السياسي والجهاز العام. لذلك فإن الانتقال إلى التعددية لا يعني ببساطة الانتقال من حزب واحد إلى أحزاب متعددة؛ بل تغيير فلسفة العلاقة بين السلطة والمجتمع السياسي والدولة.
ويمنح الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس/آذار 2025 لهذا النقاش أساساً قانونياً واضحاً. فالمادة 14 تنص على أن الدولة تصون «حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية، وفقاً لقانون جديد»، فيما تنص المادة 12 على أن الحقوق والحريات الواردة في اتفاقيات حقوق الإنسان التي صادقت عليها سوريا تُعد جزءاً من الإعلان الدستوري. [1]
وتزداد أهمية هذه المسألة بعد بدء عمل مجلس الشعب السوري الجديد؛ فقد عقد المجلس جلسته الأولى في 12 يوليو/تموز 2026، ويتكون من 210 أعضاء، انتُخب ثلثاهم من خلال هيئات انتخابية إقليمية وعُيّن الثلث الآخر رئاسياً، ويتولى الوظيفة التشريعية في المرحلة الانتقالية إلى حين إقرار الدستور الدائم وإجراء الانتخابات وفق النظام الدستوري المقبل. [6]
وهكذا لم يعد السؤال عن الأحزاب نظرياً أو مؤجلاً؛ بل أصبح جزءاً من الهندسة التشريعية للدولة السورية المقبلة.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس:
هل تحتاج سوريا إلى الأحزاب؟
بل:
كيف تُبنى حياة حزبية تسمح بالتنافس على إدارة الدولة، من دون السماح لأي حزب بامتلاك الدولة نفسها؟
أولاً: الحزب بين المجتمع والدولة
الحزب السياسي، في الدولة الدستورية، ليس جزءاً من الجهاز السيادي، وليس مجرد جمعية مدنية عادية في الوقت نفسه. إنه مؤسسة وسيطة تنشأ داخل المجتمع، لكنها تسعى عبر الانتخابات إلى الوصول إلى السلطة العامة.
وتصف الأدبيات الحديثة الأحزاب بأنها مؤسسات تقع بين المجتمع والدولة، تجمع المصالح والأفكار وتحوّلها إلى برامج ومنافسة انتخابية. كما تؤكد International IDEA أهمية الفصل بين الدولة والحزب، ولا سيما في الدول التي تعيد تأسيس التعددية بعد مرحلة من حكم الحزب الواحد. [4]
هذا التمييز بالغ الأهمية بالنسبة إلى سوريا.
فإذا ذابت الدولة في الحزب انتفى حيادها.
وإذا ابتلعت الدولة الأحزاب انتفت السياسة.
ومن ثم، فإن النظام السليم ليس النظام الذي ينتصر فيه أحد الطرفين على الآخر، بل النظام الذي يضع حدوداً قانونية ومؤسسية تمنع اندماجهما.
ثانياً: فرضية الدراسة – خطران متعاكسان
تنطلق الدراسة من فرضية مزدوجة.
الخطر الأول هو استحواذ الحزب على الدولة: حين تصبح الوظيفة العامة والجيش والقضاء والمؤسسات الرقابية والموارد العامة جزءاً من شبكة الولاء الحزبي.
أما الخطر الثاني فهو استحواذ الدولة على المجال السياسي: حين تتحول السلطة التنفيذية إلى الجهة التي تحدد من يجوز له التنظيم، وأي الأفكار مقبولة، ومن يستطيع دخول المنافسة.
وبين هذين الخطرين تقع المعضلة السورية.
«الدولة التي تخاف من السياسة قد تتحول إلى سلطة بلا مجتمع، والأحزاب التي لا تخاف على الدولة قد تتحول إلى مجتمعات سياسية بلا دولة.»
“د. جورج توما“
وهذا يعني أن المعادلة لا ينبغي أن تكون:
دولة قوية أو تعددية سياسية.
بل:
دولة قوية ومحايدة + تعددية حرة ومقيدة بالقانون.
فالقوة المؤسسية لا تتناقض مع الديمقراطية؛ الذي يتناقض معها هو القوة غير المقيدة أو القوة المحتكرة حزبياً.
ثالثاً: لماذا تستطيع الأحزاب أن تصبح جزءاً من أزمة التأسيس؟
الدفاع عن التعددية لا يعني أن الحزب مؤسسة ديمقراطية بطبيعته.
فالأحزاب قد تكون برامجية ومدنية، وقد تتحول إلى شبكات شخصية أو زبائنية أو مناطقية أو طائفية. وقد تصبح قناة لتمويل خارجي أو امتداداً لتنظيم مسلح أو أداة لتوزيع المناصب والموارد.
وهذه المشكلة معروفة في دراسات التحول الديمقراطي. فقد خلص توماس كارثرز، بعد دراسة تجارب متعددة، إلى أن الأحزاب كثيراً ما تمثل إحدى أكثر نقاط التحولات الديمقراطية ضعفاً، بسبب المصالح الضيقة والفساد وضعف التماسك البرنامجي. [8]
«الأحزاب السياسية هي الحلقة الأضعف في كثير من التحولات الديمقراطية حول العالم.»
“توماس كارثرز – Carnegie Endowment for International Peace “توماس كارثرز – Carnegie Endowment for International Peace [8]“”
لكن هذا التشخيص لا يقود إلى إلغاء الأحزاب.
بل إلى السؤال الأكثر أهمية:
كيف يتحول الحزب من شبكة هوية أو مصالح إلى مؤسسة سياسية تخضع للمحاسبة؟
والجواب يمر عبر الديمقراطية الداخلية، والشفافية المالية، وقبول التداول السلمي، وتجريم السلاح السياسي، واستقلال الدولة عن الحزب.
رابعاً: ماذا تعني عبارة «على أسس وطنية»؟
ينص الإعلان الدستوري على حق تشكيل الأحزاب «على أسس وطنية». [1]
غير أن القراءة التشريعية الحذرة تقتضي عدم تحميل هذه العبارة معنى أوسع من نصها قبل صدور القانون المنظم.
فالأساس الوطني يمكن تفسيره باعتباره الالتزام بوحدة الدولة وسيادتها والمواطنة المتساوية والنظام الدستوري وحقوق جميع السوريين.
لكنه لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى منع أي تنظيم لأن معظم أعضائه ينتمون إلى بيئة دينية أو ثقافية أو إثنية أو جغرافية معينة.
هناك فرق جوهري بين:
حزب يحمل خلفية اجتماعية معينة لكنه يعترف بالمساواة والمواطنة وحقوق الآخرين؛
وبين:
حزب يجعل الانتماء الديني أو العرقي أساساً لتفاوت الحقوق أو يدعو إلى الإقصاء أو العنف.
الأول يقع داخل مجال التعددية السياسية.
أما الثاني فيثير مسألة حماية النظام الدستوري وحقوق المواطنين.
وهنا تكمن ضرورة الانتقال من تجريم الهوية إلى تنظيم السلوك السياسي.
خامساً: من حظر الهوية إلى حظر السلوك المناقض للنظام الدستوري
يمثل هذا أحد أهم التصحيحات المنهجية في الدراسة.
فالحظر المطلق لأحزاب تُصنف بأنها «دينية» أو «عرقية» أو «مناطقية» يثير مشكلة التعريف: من يقرر متى يصبح الحزب دينياً؟ وهل يكفي أن يتبنى مرجعية أخلاقية معينة؟ وماذا عن حزب يمثل مطالب منطقة مهمشة لكنه يقر بوحدة الدولة؟
كلما ازدادت المصطلحات غموضاً، اتسعت السلطة التقديرية للجهة التي تملك الترخيص والحظر.
لذلك ينبغي أن يركز القانون على السلوك والبنية القابلين للإثبات، مثل:
- امتلاك جناح مسلح؛
- استخدام القوة للوصول إلى السلطة؛
- التحريض المباشر على العنف أو الكراهية أو التمييز؛
- رفض المساواة القانونية بين المواطنين؛
- العمل على إسقاط النظام الدستوري بالقوة؛
- الارتباط التنظيمي السري بجهة أجنبية؛
أو تلقي تمويل سياسي غير مشروع مقابل توجيه القرار.
وتنطلق إرشادات OSCE/ODIHR ولجنة البندقية من افتراض حرية تأسيس الأحزاب، وتؤكد ضرورة أن تكون القيود مشروعة ومتناسبة وأن تُحاط بإجراءات وضمانات قانونية. [5]
كما يحمي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية تكوين الجمعيات في المادة 22، ولا يجيز تقييدها إلا بقانون ولأسباب مشروعة وبالقدر الضروري في مجتمع ديمقراطي. [2] وقد انضمت سوريا إلى العهد في 21 أبريل/نيسان 1969. [3]
وعليه تقترح الدراسة قاعدة تشريعية أساسية:
لا يُعاقَب حزب لمجرد هويته الاجتماعية أو الفكرية؛ وإنما على سلوك مثبت يهدد النظام الدستوري أو المساواة أو السلم الأهلي، وفق معايير محددة ورقابة قضائية.
سادساً: حل الحزب يجب أن يكون آخر العلاج
ينبغي ألا يتعامل قانون الأحزاب مع المخالفات بمنطق ثنائي: إما حزب قانوني بالكامل وإما حزب محلول.
فالمخالفة المحاسبية ليست كإنشاء تنظيم عسكري.
وعدم تقديم تقرير مالي في موعده ليس كالدعوة إلى العنف.
لذلك يجب بناء سلّم عقوبات متناسب يبدأ بالإنذار والتصحيح والغرامة وتعليق بعض المزايا أو التمويل، ثم تعليق النشاط المحدد عند الضرورة، ولا يصل إلى الحل إلا في الحالات الجسيمة.
وتعرض International IDEA نماذج دستورية متعددة تجعل حل الأحزاب المناهضة للنظام الديمقراطي اختصاصاً قضائياً وتفصل بين منع التمويل العام وبين الحظر الكامل، وهو تمييز مهم لأن الحرمان من التمويل إجراء أقل قسوة من إنهاء الشخصية القانونية للحزب. [4]
وهنا ينبغي تثبيت قاعدة أخرى:
الحكومة لا ينبغي أن تكون الخصم والحكم في آن واحد.
ولذلك يجب أن يكون حل الحزب ــ عندما يصبح ضرورياً ــ قراراً قضائياً، لا إجراءً إدارياً صرفاً.
سابعاً: المؤسسات التي يجب تحييدها عن الاستقطاب الحزبي
لا تعني حيادية الدولة أن الحكومة بلا سياسة.
الحكومات المنتخبة تأتي ببرامج اقتصادية واجتماعية وسياسية، ومن حقها تنفيذها.
لكن ثمة فرقاً بين قيادة المؤسسات وفق برنامج حكومي وبين تحويل المؤسسات إلى أجهزة حزبية.
ينبغي أن تتمتع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقضاء والهيئات الانتخابية والرقابية والجهاز الإداري المهني بضمانات واضحة ضد التحزب.
والإعلان الدستوري نفسه ينص على أن الجيش مؤسسة وطنية محترفة، ويحظر إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية خارج الدولة ويحصر السلاح بها. [1]
وتصبح لهذه القاعدة نتيجة حزبية مباشرة:
لا يمكن اعتبار المنافسة السياسية متكافئة إذا دخل طرف الانتخابات بأصوات ناخبيه، بينما دخل طرف آخر بأصوات ناخبيه وقوة مسلحة مستقلة.
ومن ثم فإن فصل الحزب عن السلاح ليس بنداً أمنياً فحسب؛ بل شرط من شروط العدالة الانتخابية.
ثامناً: الإدارة العامة – من الولاء إلى الجدارة
أحد أهم مؤشرات نجاح الدولة الجديدة سيكون قدرتها على الفصل بين الوظيفة السياسية والوظيفة المهنية.
من الطبيعي أن تتغير الحكومة والوزراء والمستشارون السياسيون.
لكن الموظف الإداري والقاضي والضابط والخبير الفني لا ينبغي أن يفقد موقعه لمجرد تغير الحزب الذي يحكم.
وتبرز دراسة International IDEA حول تنظيم الأحزاب أهمية حياد فئات من الموظفين والقضاة وأعضاء المؤسسات المستقلة والعسكريين بحكم طبيعة وظائفهم. [4]
ويجب، لذلك، أن تعتمد الإدارة السورية تدريجياً على:
الكفاءة؛
- الامتحانات والتوصيف الوظيفي؛
- شفافية التعيين والترقية؛
- الحماية من الفصل السياسي؛
- وآليات رقابة مستقلة.
فالوظيفة العامة ليست جائزة تمنح للفائز بالانتخابات.
تاسعاً: المال السياسي والسيادة
يمثل التمويل السياسي أحد أكثر أبواب الاستحواذ على القرار هدوءاً.
الحزب الذي يعتمد مالياً على ممول واحد قد يصبح تابعاً له، ويزداد الخطر إذا كان التمويل مرتبطاً بحكومة أو جهاز أو مركز نفوذ خارجي.
لكن ضبط التمويل يجب ألا يصاغ بعبارات فضفاضة تجعل كل اتصال سياسي أو تعاون دولي عملاً غير مشروع.
المطلوب هو تعريف واضح لـ:
التبرعات المشروعة؛
- حدود الإنفاق؛
- مصادر التمويل المحظورة؛
- التمويل مجهول المصدر؛
- الدعم العيني؛
- التبرعات الخارجية؛
- والعلاقة بين المال وبين التوجيه السياسي.
وتخصص إرشادات تنظيم الأحزاب الدولية مساحة واسعة للشفافية المالية والمحاسبة والإفصاح باعتبار التمويل جزءاً من سلامة النظام الحزبي. [5]
والقاعدة التي تحتاجها سوريا ليست إغلاق أحزابها عن العالم، بل:
منع شراء القرار السوري عبر الحزب.
عاشراً: العراق – عندما يتحول التطهير إلى إضعاف للدولة
توفر تجربة العراق بعد عام 2003 درساً مهماً، مع ضرورة عدم إسقاطها آلياً على سوريا.
كان تفكيك نفوذ النظام السابق هدفاً انتقالياً مفهوماً، لكن المركز الدولي للعدالة الانتقالية خلص إلى أن سياسة اجتثاث البعث اعتمدت في جوانب منها «افتراض الذنب» على أساس العضوية، وأدت إلى فقدان الدولة خبرات إدارية وقضائية وتعليمية وعسكرية وأسهمت في عدم الاستقرار. وشدد المركز على أن الفرز المؤسسي السليم يجب أن يستند إلى سلوك الفرد لا مجرد عضويته الحزبية السابقة. [12]
«نأمل أن تمكّن تجربة العراق بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من اتخاذ خيارات أكثر حكمة.»
“كلاوديو كوردوني – المركز الدولي للعدالة الانتقالية [12]”
وهذا الدرس بالغ الأهمية لسوريا.
فلا حصانة لمن تثبت مسؤوليته عن جرائم أو انتهاكات جسيمة.
لكن المسؤولية الجنائية والسياسية يجب ألا تتحول إلى ذنب جماعي بالانتماء.
العدالة الانتقالية تسأل:
ماذا فعل الشخص؟
قبل أن تسأل:
إلى أي تنظيم كان ينتمي؟
الحادي عشر: تقاسم السلطة – خلاف أكاديمي لا وصفة جاهزة
من الضروري ألا تقدم الدراسة «الديمقراطية التوافقية» باعتبارها حلاً متفقاً عليه أكاديمياً.
هناك مدرسة مهمة يمثلها أرند ليبهارت ترى أن المجتمعات شديدة الانقسام تستفيد من مؤسسات تقاسم السلطة والتمثيل النسبي وضمان مشاركة القوى الأساسية، لتجنب هيمنة جماعة واحدة. [9]
«ينبغي لواضعي الدساتير في البلدان المنقسمة التركيز على تصميم قواعد ومؤسسات لتقاسم السلطة.»
“أرند ليبهارت – Journal of Democracy [9]”
لكن الأدلة المقارنة اللاحقة أظهرت أن النتيجة تعتمد على نوع تقاسم السلطة.
فقد وجد أندرياس يون ودانيال بوكسلر أن النماذج المرنة تستطيع زيادة الإدماج السياسي، بينما قد تؤدي الصيغ الصلبة القائمة على حصص إثنية جامدة إلى تقييد المنافسة وإدامة الاستقطاب والهويات السياسية. [10]
ومن هنا لا ينبغي أن يكون الموقف السوري:
مع التوافق أو ضده.
بل:
أي توافق؟ ولماذا؟ ولأي مدة؟ وفي أي مؤسسات؟
الثاني عشر: لبنان – عندما تتحول الحماية إلى حصص
لا يجوز اختزال التجربة اللبنانية في الفشل؛ فقد نشأ نظامها التوافقي في سياق تاريخي هدفه منع استئثار جماعة واحدة بالسلطة.
لكن المشكلة ظهرت عندما تحول التمثيل الطائفي إلى بنية شبه دائمة لتوزيع المناصب والموارد.
ووصف البنك الدولي هذه الظاهرة بأنها استحواذ للنخب خلف ستار الحوكمة الطائفية، وربطها بالزبائنية وضعف الدولة وتعطل القدرة على تقديم الخدمات ووضع السياسات طويلة الأجل. [13]
وهذا يضع أمام سوريا فارقاً أساسياً بين:
ضمان عدم إقصاء أي مكوّن؛
و
تحويل المكوّنات إلى مالكي حصص دائمة في الدولة.
«لا تُبنى المواطنة بأن تمنح كل طائفة قطعة من الدولة؛ بل بأن تجعل الدولة كاملةً ملكاً متساوياً لكل مواطن.»
“د. جورج توما“
فالضمانات قد تكون ضرورية.
أما المحاصصة الدائمة فشيء مختلف تماماً.
الثالث عشر: النظام الانتخابي – لا توجد وصفة سورية جاهزة
ليس من الانضباط المنهجي أن توصي الدراسة مسبقاً بالتمثيل النسبي أو النظام الأكثري أو المختلط قبل تحليل البنية السكانية والجغرافية والحزبية السورية.
فالأنظمة الانتخابية لا تنقل الأصوات إلى مقاعد بطريقة محايدة؛ إنها تغير الحوافز التي تحكم سلوك الأحزاب والمرشحين.
وتشير International IDEA إلى أن النظام الانتخابي يمكن أن يخدم أهدافاً مختلفة ومتعارضة أحياناً: التمثيل، والاستقرار، والمساءلة، وتمثيل المناطق والأقليات، وتشجيع الائتلافات، وتطوير الأحزاب. ولا يمكن تحقيق كل هذه الأهداف بالدرجة نفسها في نظام واحد. [17]
وفي مواجهة المدرسة التوافقية، يقدم دونالد هورويتز مدرسة «الاستقطاب نحو المركز»، التي تحاول جعل المرشح محتاجاً إلى أصوات من جماعات خارج جماعته الأصلية.
«المطلوب هو جعل السياسيين يعتمدون بصورة متبادلة على أصوات أفراد من جماعات غير جماعتهم.»
“دونالد هورويتز [11]”
وهذه الفكرة تفتح سؤالاً مهماً بالنسبة إلى سوريا:
هل يجب أن يكتفي النظام الانتخابي بتمثيل الانقسامات الموجودة؟
أم ينبغي أن يخلق أيضاً حوافز تساعد السياسيين على عبورها؟
إذا استطاع المرشح الفوز حصراً عبر تعبئة جماعته، فستكون له مصلحة في زيادة خوفها من الآخرين.
أما إذا احتاج إلى أصوات من بيئات متعددة، يصبح الاعتدال والتحالف أكثر جدوى انتخابياً.
لذلك توصي الدراسة بعدم تثبيت نظام انتخابي نهائي قبل إجراء نمذجة سورية مستقلة تقارن بين:
- التمثيل النسبي؛
- النظام المختلط؛
- أحجام الدوائر؛
- العتبات الانتخابية؛
- القوائم المفتوحة والمغلقة؛
- وآليات تشجيع الدعم العابر للمناطق والمكونات.
التشخيص السوري يجب أن يسبق اختيار النموذج.
الرابع عشر: هل تؤجل الأحزاب حتى تستقر الدولة؟
تبدو فكرة «بناء الدولة أولاً ثم فتح السياسة» جذابة في المراحل المضطربة.
لكنها تنطوي على مشكلة.
فإذا بقي المجال السياسي مغلقاً طوال سنوات التأسيس، فمن أين ستأتي الأحزاب والنخب والبرامج والتحالفات عندما يحين موعد الانتخابات؟
وفي المقابل، فإن إجراء انتخابات كاملة قبل بناء هيئة انتخابية مستقلة وقضاء قادر وسجل ناخبين موثوق وبيئة أمنية متكافئة يستطيع ترسيخ ميزان القوى القائم بدلاً من إنتاج شرعية جديدة.
لذلك فالحل ليس التأجيل الكامل ولا الاستعجال الكامل.
وقد ذهبت دراسة سورية حديثة للشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن الانتقال السياسي لا يبرر تعليق حق التنظيم، وأن المهم هو الفصل بين تكوين الحزب وبين الشخصية القانونية والمشاركة الانتخابية والتمويل العام، مع ضمان استقلال الجهة المشرفة على التسجيل والرقابة. [7]
والصيغة الأكثر اتزاناً هي:
فتح التنظيم السياسي تدريجياً بالتزامن مع بناء المؤسسات التي ستضمن عدالة المنافسة لاحقاً.
الخامس عشر: أربع مراحل يجب ألا يخلط بينها قانون الأحزاب
من أهم الأفكار التي تستحق إدخالها في القانون السوري الفصل بين أربع درجات:
1. حق التأسيس
أن يتمكن المواطنون من الاجتماع وتكوين جمعية سياسية سلمية.
2. اكتساب الشخصية القانونية
بما يرتبط به من نظام داخلي وحسابات وقيادة ومسؤوليات قانونية.
3. الأهلية للمشاركة الانتخابية
وهنا يمكن وضع شروط مرتبطة بالتسجيل الانتخابي أو التأييد الشعبي أو القوائم والمرشحين.
4. الأهلية للحصول على التمويل العام والمزايا الانتخابية
ويمكن أن تتطلب مستوى معيناً من الأصوات أو الانتشار أو الالتزام بالشفافية.
وتحذر الدراسة السورية المنشورة في يوليو/تموز 2026 من أن دمج هذه المستويات في قرار ترخيص واحد يمنح السلطة التنفيذية قدرة كبيرة على استبعاد المنافسين. [7]
وهذا يعني أن الحزب الصغير قد يمتلك حق الوجود والتعبير والتنظيم حتى إذا لم يحصل بعد على حق التمويل العام أو لم يستوفِ شروط خوض انتخابات وطنية.
السادس عشر: الانتشار الوطني – هدف سياسي لا شرط تعجيزي
من المشروع أن ترغب الدولة في أحزاب عابرة للمناطق والطوائف.
لكن تحويل هذا الهدف إلى شرط إداري ثقيل منذ لحظة التأسيس قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.
فالحزب الناشئ يحتاج زمناً لكي ينتشر.
كما أن بعض القضايا السياسية قد تكون بطبيعتها أكثر حضوراً في منطقة محددة.
لذلك يمكن جعل الانتشار الجغرافي حافزاً بدلاً من جعله شرطاً لإلغاء الحق في التنظيم.
فيمكن، مثلاً، ربط جزء من التمويل العام أو بعض الامتيازات الانتخابية بدرجة الانتشار الوطني.
أما حق المواطنين في تكوين حزب سلمي فينبغي ألا يتوقف على قدرتهم منذ البداية على إنشاء شبكة حزبية واسعة ومكلفة.
السابع عشر: العقد الاجتماعي والمبادئ التأسيسية
تستخدم عبارة «العقد الاجتماعي» كثيراً في المراحل الانتقالية، لكنها قد تبقى مفهوماً فضفاضاً ما لم تتحول إلى قواعد واضحة.
هنا تقدم جنوب إفريقيا تجربة جديرة بالدراسة.
فقد وضع الدستور الانتقالي مجموعة من المبادئ الدستورية الملزمة التي كان على الدستور النهائي احترامها، ولم يكن النص النهائي نافذاً قبل أن تتحقق المحكمة الدستورية من توافقه معها. وقد رفضت المحكمة أجزاء من الصيغة الأولى، ثم صادقت على النص المعدل بعد معالجة الاعتراضات. [14]
وتبين دراسة International IDEA لعام 2025 أن تجربة جنوب إفريقيا اعتمدت 34 مبدأ دستورياً شملت الديمقراطية التعددية والحقوق والمساواة والفصل بين السلطات واستقلال القضاء والخدمة العامة غير الحزبية وغيرها. [15]
لا يعني ذلك أن على سوريا نسخ التجربة.
لكنها تقدم فكرة مؤسسية مفيدة:
التوافق السياسي يصبح أكثر ثباتاً عندما يتحول إلى قاعدة قانونية واضحة وآلية مستقلة للتحقق، بدلاً من بقائه اتفاقاً أخلاقياً بين النخب.
وقد خلص جمال بن عمر، بعد مقارنة تجارب دستورية أعقبت نزاعات متعددة، إلى أهمية العملية الدستورية المتأنية والتشاورية والشاملة لبناء الشرعية. [16]
«العملية الدستورية المتأنية والتشاورية والشاملة ضرورية لشرعية الدستور ولمستقبل الحكم الديمقراطي.»
“جمال بن عمر – Journal of Democracy “جمال بن عمر – Journal of Democracy [16]“”
الثامن عشر: ما المبادئ التأسيسية التي يمكن مناقشتها سورياً؟
لا ينبغي للدراسة أن تفرض قائمة نهائية نيابةً عن العملية الدستورية السورية، لكن يمكن تحديد مبادئ تستحق النقاش الوطني، منها:
وحدة الدولة وسيادتها؛
المواطنة المتساوية؛
التداول السلمي للسلطة؛
- احتكار الدولة للسلاح؛
- استقلال القضاء؛
- حياد الجيش والأجهزة الأمنية؛
- نزاهة الانتخابات؛
- المساواة أمام القانون؛
- حرية التنظيم السياسي؛
- حظر التمييز والعنف؛
- حرمة المال العام؛
- ومنْع استخدام موارد الدولة لمصلحة أي حزب.
لكن هذه المبادئ ينبغي ألا تبقى «فوق دستورية» بمعنى غامض.
الأفضل أن تكون جزءاً من البناء الدستوري نفسه، مع تحديد الجهة التي تحميها وكيفية تعديلها.
التاسع عشر: الأغلبية تحكم… ولكنها لا تملك قواعد اللعبة
من الضروري تصحيح إحدى العبارات الشائعة في النقاش السياسي:
المشكلة ليست في أن «51 في المئة تحكم».
فالديمقراطية تحتاج إلى الأغلبية حتى تستطيع الحكومات اتخاذ القرارات.
المشكلة هي أن تتحول الأغلبية المؤقتة إلى مالك دائم للنظام.
لذلك ينبغي التمييز بين:
السياسة اليومية، التي تخضع للأغلبية البرلمانية؛
و
قواعد النظام السياسي الأساسية، التي قد تتطلب أغلبية معززة أو إجراءات خاصة.
فالموازنة أو السياسة الزراعية أو الخطة الاقتصادية لا تحتاج إلى إجماع وطني.
أما تعديل جوهر الدستور أو استقلال القضاء أو تغيير قواعد الانتخابات قبيل اقتراع حساس، فقد يتطلب ضمانات أقوى.
وبذلك لا ننتقل من ديمقراطية الأغلبية إلى نظام فيتوهات، بل نمنع الفائز المؤقت من تغيير الملعب كي يبقى فائزاً.
العشرون: يجب أن يكون لكل استثناء انتقالي نهاية
تُظهر التجارب المقارنة أن الترتيبات التي تبدأ مؤقتة يمكن أن تتحول إلى نظام دائم.
ولهذا يجب التمييز بين نوعين من الضمانات.
هناك مبادئ دائمة لا يجوز وصفها بالمؤقتة، مثل:
- المواطنة المتساوية؛
- حقوق الإنسان؛
- استقلال القضاء؛
- والمساواة أمام القانون.
وفي المقابل قد توجد ترتيبات انتقالية مرتبطة ببناء الثقة، مثل:
حصص مؤقتة؛
أغلبية استثنائية لبعض القرارات؛
فيتو محدود؛
أو آليات انتقالية لتقاسم بعض المواقع.
إذا اعتمدت ترتيبات من النوع الثاني، فيجب أن تكون لها آلية مراجعة أو تاريخ انتهاء أو شروط واضحة لإنهائها.
فالمرحلة الانتقالية ينبغي أن تعالج انعدام الثقة، لا أن تحوله إلى دستور دائم.
الحادي والعشرون: قانون الأحزاب السوري – ماذا يجب أن يتضمن؟
لا ينبغي أن يكون القانون مجرد قائمة بشروط الترخيص.
الأفضل أن يبني نظاماً كاملاً للحقوق والواجبات، يشمل:
- حرية التأسيس؛
- الشخصية القانونية؛
- الديمقراطية الداخلية؛
- حقوق الأعضاء؛
- الإفصاح المالي؛
- التبرعات والتمويل العام؛
- التمويل الخارجي؛
- الحملات الانتخابية؛
- استخدام الإعلام العام؛
- منع التشكيلات المسلحة؛
- منع استغلال الوظيفة العامة؛
- العقوبات المتدرجة؛
- ضمان الطعن؛
- وإجراءات الحل القضائي.
وتتوافق هذه المحاور مع المسائل الأساسية التي تعالجها الأدبيات الدستورية الحديثة لتنظيم الأحزاب. [4]
لكن أهم مادة قد تكون تلك التي تمنع خلط موارد الدولة بموارد الحزب.
فالحزب الذي يفوز بالحكومة لا ينبغي أن يرث:
- موظفي الدولة ككوادر انتخابية؛
- وسائل الإعلام العامة كمنابر حزبية؛
- العقود الحكومية كأداة مكافأة؛
- أو الأجهزة الأمنية كوسيلة ضغط سياسي.
لا حزب يملك الدولة، ولا دولة تملك حزباً.
الثاني والعشرون: من ينظم الأحزاب؟
هذه المسألة شديدة الحساسية.
إذا كانت الحكومة الحالية أو المستقبلية طرفاً محتملاً في المنافسة السياسية، فإن جمع سلطة تسجيل الأحزاب ومراقبتها ومعاقبتها في يد وزارة تابعة للحكومة يخلق تضارب مصالح بنيوياً.
وتشير الدراسة السورية الحديثة حول تنظيم التعددية إلى أهمية إسناد وظائف التسجيل والرقابة إلى جهة مستقلة ومحايدة، مع قرارات معللة وضمانات وظيفية وإمكانية الطعن القضائي السريع. [7]
كما تقدم إرشادات OSCE/ODIHR إطاراً واسعاً لاستقلال وحياد تنظيم الحياة الحزبية وضمان الرقابة القضائية. [5]
ويمكن مناقشة توزيع الصلاحيات بدلاً من وضعها كلها لدى جهة واحدة:
- التسجيل لدى هيئة مستقلة؛
- المحاسبة لدى جهاز تدقيق مختص؛
- الجرائم أمام القضاء؛
والحل النهائي أمام محكمة عليا أو دستورية.
وهكذا يتحول تنظيم الأحزاب من سلطة على المعارضة إلى إدارة محايدة للمنافسة السياسية.
الثالث والعشرون: العدالة الانتقالية ليست منفصلة عن النظام الحزبي
يصعب بناء حياة سياسية مستقرة فوق مجتمع يشعر فيه الضحايا بأن الجرائم الماضية لم تُحاسب.
لكن الاستقرار يصبح صعباً أيضاً إذا شعر قطاع واسع بأن مجرد انتمائه أو وظيفته السابقة سيحرمه إلى الأبد من الحقوق السياسية.
لذلك يجب أن تعمل العدالة الانتقالية على مستويين:
المساءلة الفردية الصارمة عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة؛
و
رفض العقاب الجماعي على الهوية أو العضوية وحدهما.
وهنا يعود درس العراق مرة أخرى: الفرز المؤسسي القائم على السلوك أكثر عدالة وأكثر فاعلية من افتراض الذنب الجماعي. [12]
فالعدالة الانتقالية لا ينبغي أن تكون عودة إلى الماضي بقدر ما ينبغي أن تكون الطريقة القانونية لمنع الماضي من إدارة المستقبل.
الرابع والعشرون: المسار السوري الأنسب – بناء الدولة والسياسة معاً
بعد مراجعة التجارب المقارنة، لا تبدو قاعدة:
«ابنوا الدولة أولاً، ثم افتحوا السياسة»
كافية.
ولا تبدو قاعدة:
«افتحوا المنافسة فوراً وستبني الديمقراطية مؤسساتها بنفسها»
أكثر أماناً.
الأقرب إلى الواقع السوري هو التزامن المتدرج.
ففي الوقت الذي تتقدم فيه عملية بناء المؤسسات السيادية والقضاء والإدارة والهيئات الرقابية، يُفتح المجال القانوني أمام الأحزاب السلمية لتتشكل وتبني هياكلها وبرامجها وقواعدها الاجتماعية.
ثم تتوسع المنافسة الانتخابية عندما تصبح شروط النزاهة أكثر رسوخاً.
وبهذه الطريقة لا تحتكر السلطة الانتقالية المجال السياسي لسنوات، ولا تدخل البلاد انتخابات تنافسية كاملة في ظل اختلال كبير في المؤسسات والموارد والقوة.
الخامس والعشرون: متى تصبح سوريا جاهزة للمنافسة الانتخابية الكاملة؟
لا ينبغي أن يختزل الجواب في موعد زمني.
الوقت مهم، لكن الجاهزية المؤسسية أهم.
يمكن قياسها عبر أسئلة ملموسة:
- هل توجد هيئة انتخابية مستقلة؟
- هل يستطيع القضاء البت سريعاً في النزاعات الانتخابية؟
- هل التسجيل الانتخابي موثوق؟
- هل توجد قواعد واضحة لمشاركة النازحين والمهجرين؟
- هل تستطيع الأحزاب ممارسة نشاطها دون عنف أو ترهيب؟
- هل موارد الدولة منفصلة فعلياً عن موارد القوى السياسية؟
- هل توجد شفافية في تمويل الحملات؟
- هل يستطيع الإعلام عرض المنافسين بصورة عادلة؟
- وهل يحتكر القانون والدولة أدوات القوة المسلحة؟
وتشير المقاربة السورية الحديثة لتنظيم الأحزاب إلى أن السؤال الأهم في توقيت الانتخابات ليس مجرد كونها مبكرة أو متأخرة، بل ما إذا كانت القوى السياسية قد حصلت على فرصة حقيقية ومتساوية للتنظيم والتنافس بعيداً عن الإكراه. [7]
وهذا يحول كلمة «الاستقرار» من مصطلح سياسي قابل للتأويل إلى معايير قابلة للمراقبة والقياس.
السادس والعشرون: من قانون أحزاب إلى هندسة سياسية متكاملة
لا يمكن إصلاح المجال الحزبي بقانون أحزاب وحده.
فقد يكون قانون الأحزاب ممتازاً بينما يشجع النظام الانتخابي الطائفية.
وقد يكون النظام الانتخابي متوازناً بينما يسمح قانون الإعلام للحزب الحاكم باحتكار المنابر.
وقد تُجرى انتخابات نظيفة بينما تبقى الإدارة العامة خاضعة للولاءات.
لذلك ينبغي التعامل مع:
- قانون الأحزاب؛
- وقانون الانتخابات؛
- والإدارة الانتخابية؛
- وقوانين الإعلام؛
- والتمويل السياسي؛
- واستقلال القضاء؛
- واللامركزية؛
- والوظيفة العامة؛
باعتبارها أجزاء من منظومة دستورية وسياسية واحدة.
وهذا يتفق مع دراسات تصميم الأنظمة الانتخابية التي تحذر من النظر إلى النظام الانتخابي بمعزل عن بقية المؤسسات، لأن تغيير جزء واحد من النظام يؤثر في بقية بنيته السياسية. [17]
خاتمة: رسالة إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية
تعيش سوريا مرحلة لا تقتصر فيها مهمة التشريع على تنظيم واقع سياسي قائم، وإنما تمتد إلى وضع قواعد قد تحدد طبيعة النظام السياسي لعقود مقبلة.
لهذا فإن قانون الأحزاب ليس قانوناً تنظيمياً عادياً.
إنه جزء من الإجابة عن سؤال أكبر:
هل ستكون الدولة السورية المقبلة دولة مواطنين تتنافس الأحزاب على إدارتها، أم دولة حصص تتنافس القوى السياسية على امتلاكها؟
إذا صيغ القانون من منطلق الخوف من السياسة، فقد ينتج تعددية شكلية تحت وصاية الدولة.
وإذا صيغ انطلاقاً من حرية مجردة لا تراعي السلاح والمال والزبائنية والانقسامات وضعف المؤسسات، فقد تصبح التعددية نفسها مدخلاً إلى اقتسام الدولة.
التجربة العراقية تحذر من الخلط بين المسؤولية الفردية والانتماء التنظيمي.
والتجربة اللبنانية تحذر من تحول الحماية المتبادلة إلى ملكيات سياسية دائمة داخل الدولة.
والخلاف بين ليبهارت وهورويتز يذكرنا بأنه لا يوجد تصميم انتخابي واحد صالح لكل مجتمع منقسم.
وتجربة جنوب إفريقيا تبين أن التوافقات التأسيسية تصبح أكثر استدامة حين تتحول إلى مبادئ قانونية واضحة وآليات مستقلة للتحقق.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال السوري:
هل نريد الأحزاب أم لا؟
بل:
أي أحزاب؟ وأي دولة؟ وأي قواعد تجعل الحزب مؤسسة للمواطنة لا بديلاً عنها، وتجعل الدولة حكماً بين الأحزاب لا حزباً فوقها؟
إن الدولة الحديثة لا تُحمى بإلغاء السياسة.
والسياسة الديمقراطية لا تُحمى بإضعاف الدولة.
المطلوب هو بناء الاثنين معاً: دولة أقوى لأنها محايدة، وتعددية أكثر أمناً لأنها خاضعة للقانون.
«أخطر عَطَب في مرحلة التأسيس أن تتحول الدولة إلى غنيمة؛ وأخطر عَوَر أن نحاول منع الغنيمة بمنع السياسة نفسها.»
“د. جورج توما“
وهنا تكمن المسألة الجوهرية التي تستحق أن تنتقل من صفحات النقاش الفكري إلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية والصالونات السياسية السورية:
ليس المطلوب أن نحمي الدولة من السياسة، بل أن نبني سياسةً تستطيع الدولة احتمالها، ودولةً تستطيع السياسة مساءلتها.
![]()

المراجع والمصادر
[1] الجمهورية العربية السورية، الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، 13 مارس/آذار 2025، ولا سيما المواد 9 و12 و14 و17 و24–30.
[1] Refworld – Constitutional Declaration of the Syrian Arab Republic
[2] الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 22: حرية تكوين الجمعيات والقيود الجائزة عليها.
[2] OHCHR – International Covenant on Civil and Political Rights
[3] United Nations Treaty Collection، وضع الجمهورية العربية السورية بالنسبة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ الانضمام في 21 أبريل/نيسان 1969.
[3] UN Treaty Collection – ICCPR Status
[4] W. Elliot Bulmer & Sujit Choudhry, Political Parties: Constitutional Roles, Recognition, Rights and Regulations, International IDEA, Constitution-Building Primer No. 25, 2025.
[4] International IDEA – Political Parties: Constitutional Roles, Recognition, Rights and Regulations
[5] OSCE/ODIHR & Venice Commission, Guidelines on Political Party Regulation, Second Edition، النسخة المعتمدة من لجنة البندقية والمنشورة بواسطة OSCE/ODIHR.
[5] OSCE/ODIHR – Guidelines on Political Party Regulation
[6] Reuters، New Syrian parliament meets for first time in Damascus، 12 يوليو/تموز 2026.
[6] Reuters – الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري الجديد
[7] Fadel Abdulghany، Organizing Pluralism: Political Parties During the Transitional Period، الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 27 يوليو/تموز 2026.
[7] Syrian Network for Human Rights – Organizing Pluralism
[8] Thomas Carothers, Confronting the Weakest Link: Aiding Political Parties in New Democracies, Carnegie Endowment for International Peace, 2006.
[8] Carnegie Endowment – Confronting the Weakest Link
[9] Arend Lijphart, Constitutional Design for Divided Societies, Journal of Democracy, Vol. 15, No. 2, 2004, pp. 96–109.
[9] Journal of Democracy – Constitutional Design for Divided Societies
[10] Andreas Juon & Daniel Bochsler, The Two Faces of Power-Sharing, Journal of Peace Research, Vol. 59, No. 4, 2022, pp. 526–542.
[10] Journal of Peace Research – The Two Faces of Power-Sharing
[11] Donald L. Horowitz، المقاربة الانتخابية للمجتمعات المنقسمة، كما يعرضها تقرير International Conflict Resolution After the Cold War، National Academies Press.
[11] National Academies – Electoral incentives in divided societies
[12] International Center for Transitional Justice, Lessons of De-Baathification in Iraq، بشأن الفرز المؤسسي والمسؤولية الفردية.
[12] ICTJ – Lessons of De-Baathification in Iraq
[13] World Bank, Elite Capture and the Hollowing of the State: An Overarching Constraint to Lebanon’s Development، Lebanon Economic Monitor, 2015.
[13] World Bank – Elite Capture and the Hollowing of the State
[14] Constitutional Court of South Africa, The Certification Process، حول التحقق القضائي من التزام الدستور النهائي بالمبادئ الدستورية الانتقالية.
[14] Constitutional Court of South Africa – The Certification Process
[15] Kimana Zulueta-Fülscher & Thibaut Noël, The Impact of Guiding Principles on Constitution Making, International IDEA, Policy Paper No. 33, June 2025.
[15] International IDEA – The Impact of Guiding Principles on Constitution Making
[16] Jamal Benomar, Constitution-Making After Conflict: Lessons for Iraq, Journal of Democracy, Vol. 15, No. 2, 2004, pp. 81–95.
[16] Journal of Democracy – Constitution-Making After Conflict
[17] Andrew Ellis, Electoral System Design in the Context of Constitution-Building, International IDEA, 2018.
[17] International IDEA – Electoral System Design in the Context of Constitution-Building







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.