

قد يختلف الناس حول الملك عبدالله الثاني، وقد تُوجَّه إليه انتقادات سياسية حادة، لكن الإنصاف يقتضي ألّا تتحول الخصومة السياسية إلى عمى يمنع رؤية المواقف الجادة حين تظهر.
ففي خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع ملك الأردن المجتمع الدولي أمام حقيقة باتت شديدة الوضوح: إسرائيل لا تكتفي باحتلال الأرض، بل تختبر يومياً حدود ما يمكنها فرضه، وتراقب ردود الفعل، ثم تتقدم خطوة جديدة كلما اكتشفت أن العالم قادر على الصمت أكثر.
وقد قال الملك بعبارة مباشرة: «لقد أصبحت شهية هذه الحكومة الإسرائيلية التوسّعية تهديداً إقليمياً».[1] وهذا توصيف يتجاوز حدود الإدانة الدبلوماسية المعتادة؛ لأنه يضع السياسات الإسرائيلية في إطار الخطر الذي يهدد دول المنطقة وسيادتها ومواردها، لا في إطار خلاف حدودي أو حادث أمني عابر.
حين تنتقل دولة مجاورة من التحذير الدبلوماسي إلى وصف التوسّع الإسرائيلي بأنه تهديد إقليمي، فإن المسألة لم تعد نزاعاً محصوراً داخل الأراضي الفلسطينية، بل إنذاراً يمس أمن المنطقة بأكملها.
المسألة، إذاً، لم تعد حادثة عسكرية عابرة، ولا خلافاً حدودياً محدوداً، ولا مجرد «إجراءات أمنية» كما تحاول آلة الدعاية الإسرائيلية تسويقها. نحن أمام مشروع توسّعي متدرج يُبنى على سياسة فرض الأمر الواقع: اقتحام يتبعه تثبيت، وتثبيت يتحول إلى موقع، والموقع يصبح حدوداً جديدة، ثم تتحول تلك الحدود إلى «واقع» يُراد للعالم أن يعترف بصعوبة تغييره.
وهكذا تُرسم خرائط المنطقة، لا على طاولة المفاوضات، بل تحت وطأة الدبابات، وفوق أنقاض القرى، وبالقرب من مصادر المياه، وعلى حساب سيادة الدول وحقوق الشعوب.
سوريا في قلب التحذير الأردني
تكمن جرأة الخطاب في أنه لم يتوقف عند فلسطين، بل انتقل صراحةً إلى سوريا. فقد حذّر الملك من النهج الإسرائيلي في الجنوب السوري، وربط بين تهديد الحدود الشمالية للمملكة، والمساس بالأمن المائي الأردني، وبين الأمن الوطني للأردن. كما أكد أن بلاده لن تتجاهل الخطر، وستحمي أمنها ومياهها ومصالح شعبها.[1]
وهذا الربط شديد الدلالة؛ لأنه يعني أن الاعتداء على الأراضي السورية لم يعد يُقرأ بوصفه شأناً سورياً منفصلاً، بل تحوّل إلى عنصر يهدد التوازن الأمني والمائي والجيوسياسي للدول المجاورة.
وكانت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا قد عبّرت، في أيلول/سبتمبر 2026، عن قلقها من توسّع النشاط العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، مشيرةً إلى أن بعض عمليات الاحتجاز ونقل أشخاص عبر الحدود قد ترقى إلى جرائم حرب.[2]
وبذلك يأتي خطاب الملك منسجماً مع تحذيرات دولية موثقة، لا تعبيراً عن مخاوف سياسية نظرية.
خطورة الخطاب لا تكمن في شدّة عباراته وحدها، بل في أنه نقل ما يحدث في جنوب سوريا من هامش الأخبار إلى قلب معادلة الأمن الإقليمي.
إن الخطر لم يعد محصوراً في فلسطين، رغم أن فلسطين هي الجرح الأعمق والأكثر ظلماً. إنه يتمدد إلى سوريا ولبنان والأردن، ويهدد الأمن المائي، ويقوّض فكرة الدولة، ويفرغ مفهوم السيادة من مضمونه، ويحوّل القانون الدولي إلى نص مهجور لا يُستدعى إلا عندما يُراد معاقبة الضعفاء.
«التوسّع الإسرائيلي لا يختبر حدود الجغرافيا فقط؛ إنه يختبر مقدار ما بقي في النظام الدولي من إرادة وضمير».
“د. محمد وليد إسكاف“
الصمت الذي يتحول إلى شراكة
الأكثر خطورة أن المجتمع الدولي لا يجهل ما يحدث. فهو يرى الاقتحامات والتوسع والمواقع الجديدة والسيطرة التدريجية على الأرض والموارد، لكنه يختار في كل مرة لغة باهتة: بيانات تعبّر عن القلق، ودعوات عامة إلى «ضبط النفس»، كأن المعتدي والضحية يقفان على المسافة نفسها من المسؤولية.
هذه ليست حيادية، بل تواطؤ سياسي ناعم.
فكل مرة يصمت فيها العالم أمام انتهاك جديد، تتحول الجريمة السابقة إلى سابقة قابلة للتكرار. وكل مرة يفشل فيها المجتمع الدولي في محاسبة إسرائيل، تتلقى حكومتها رسالة واضحة بأن في إمكانها المضي أبعد. وكل مرة تُمنح فيها حصانة سياسية، تُدفن معها فكرة أن القانون الدولي وُجد لحماية الدول والشعوب، لا لحماية الأقوياء من نتائج أفعالهم.
إن إسرائيل لا تختبر قدرتها على تغيير الجغرافيا وحدها؛ بل تختبر أيضاً حدود الضمير العالمي. وهي تعرف أن قوتها لا تكمن في ترسانتها العسكرية فقط، بل في قدرتها على تحويل الانتهاكات المتكررة إلى أخبار عابرة، والاحتلال إلى «إدارة أمنية»، والتوسع إلى «حقائق ميدانية»، والعدوان إلى «دفاع عن النفس».
أما العالم، فيواصل إصدار البيانات، بينما تُعاد كتابة المنطقة بالنار.
إذا لم يتحول الخطاب الأردني إلى موقف عربي ودولي عملي، فسيبقى التحذير وثيقةً أخلاقية مهمة، لكنه لن يصبح قوةً قادرة على ردع التوسع.
لماذا ينبغي الإصغاء إلى التحذير؟
يستحق تحذير الأردن أن يُسمع، لا لأنه صادر عن ملك عربي فحسب، بل لأنه صادر عن دولة تدرك أن التوسع الإسرائيلي لا يتوقف عند حدود دولة أخرى.
فالأردن يعلم أن العبث بأمن سوريا ومياهها وسيادتها ليس شأناً سورياً فقط، مثلما أن تهديد فلسطين ليس شأناً فلسطينياً فقط. إنها منظومة مترابطة؛ إذا سقطت فيها حلقة، امتد الخلل إلى بقية الحلقات.
وقد يختلف المرء مع سياسات الأردن أو مع مواقف ملكه في ملفات عديدة، وهذا حق مشروع. لكن الاختلاف لا يلغي قيمة التحذير، بل ربما يجعل سماعه أكثر ضرورة؛ لأن تجاهل الكلمات الجادة لمجرد أنها لا تصدر عن الجهة التي نؤيدها يمثل شكلاً آخر من أشكال العجز السياسي.
«الصمت لا يحافظ على الاستقرار؛ إنه يمنح المعتدي الوقت الكافي لتحويل أطماعه إلى خرائط وحدود ووقائع يصعب التراجع عنها».
“د. محمد وليد إسكاف”
لقد آن للمجتمع الدولي أن يفهم أن إسرائيل لا تتقدم لأنها تملك القوة فقط، بل لأنها لا تواجه ثمناً سياسياً وقانونياً حقيقياً. وما لم يتحول القلق إلى محاسبة، والبيانات إلى إجراءات، والقانون إلى قوة نافذة، فستواصل إسرائيل اختبار حدود الممكن، وستواصل المنطقة دفع الثمن.
في النهاية، لا يهدد التوسع الإسرائيلي دولة واحدة فقط؛ إنه يهدد فكرة الاستقرار نفسها. ومن يصمت اليوم أمام اقتحام حدود الآخرين، قد يستيقظ غداً ليكتشف أن الصمت لم يحفظ السلام، بل منح المعتدي خريطة جديدة.
![]()

المراجع
سؤال المقالهل يستطيع خطاب الملك عبدالله الثاني أن يحوّل التحذير من التوسع الإسرائيلي إلى موقف عربي ودولي قادر على حماية سيادة سوريا وأمن دول المنطقة؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.