

«اْلعب بالمقصقَص تايجيك الطيّار»
يحضرني، وأنا أتأمل حركة الرئيس أحمد الشرع بين العواصم، أشبه بالمثل الشائع في الموروث الشعبي: «اْلعب بالمقصقَص تايجيك الطيّار». والمقصقص طير قُصّت أجنحته، فتحدّدت قدرته على التحليق؛ أما الطيّار فطير سليم الجناحين، يستطيع بلوغ ما يعجز عنه الأول. وتقول الحكمة الكامنة في المثل: تعامل مع ما تتيحه اللحظة، واستثمر إمكاناته، ريثما تأتي فرصة أوسع. فالانتظار وحده لا يبني بيتاً، ولا يفتح باب رزق.
في السياسة، ينصرف هذا المعنى إلى درجات الفرص وحدودها. وقد تكون الفرصة المتاحة لقاءً يخفف العزلة، أو اتفاقاً يفتح سوقاً، أو تمويلاً يصلح محطة كهرباء؛ ثم تهيئ هذه الخطوات مجالاً لشراكة أكبر. ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من براغماتية الشرع: سوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى تحريك الممكن اليوم، وهي تعمل على تحسين شروط الغد.
التدريب التركي، والمال الخليجي، والانفتاح الأمريكي، والتجارة الأوروبية، وحتى بعض الإمدادات الروسية، أدوات مختلفة في ورشة واحدة اسمها إعادة بناء سوريا. وتظهر حكمة عقد هذه الشراكات حين يسدّ كل منها نقصاً محدداً، ويفتح للسوريين خياراً إضافياً، ويزيد قدرة البلاد على الوقوف على قدميها. أما جمع الوعود والصور فلا يكفي؛ فالناس يحتاجون إلى كهرباء تعمل، ومدرسة تفتح، وراتب يشتري خبزاً.
وهنا يصبح للمثل وجه سياسي أدق: استثمار المتاح ينبغي أن يترك الباب مفتوحاً لما هو أفضل. فإذا تحولت الفرصة المؤقتة إلى التزام يقيّد القرار، ضاع الغرض من الانتظار. والمهمة التي تواجه الشرع هي أن يعقد شراكات تعيد لسوريا قدرتها على التحليق، مع إدراك الثمن الذي يطلبه كل شريك مقابل مساعدتها على النهوض.
«قيمة الشراكة تُقاس بما تضيفه إلى قدرة السوريين على الوقوف، وبما تقلله من حاجتهم إلى الاستناد الدائم إلى الخارج.»
“العقيد عامر عبد الله“
مقدمة: أوروبا تعيد حساباتها
حين قرأت دراسة «أثر سقوط نظام الأسد على سوريا والمنطقة الأوسع»، التي أعدّها يان دانييل وآنا فيليبيوفا وكليمان ستوير بطلب من لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، شعرت أن السؤال الأوروبي تغيّر. ففي البداية انشغلت العواصم بخلفية الحاكم الجديد؛ واليوم تبحث عما يمكن أن تفعله معه، وما قد تخسره إذا تركت الآخرين يحددون وحدهم مستقبل سوريا.
تدخل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا مرحلة جديدة، يختبر فيها الطرفان ما تستطيع الشراكة إنجازه، وما تفرضه حسابات النفوذ من حدود.
صدرت الدراسة في سبتمبر 2026، وتستند إلى مقابلات وبحث ميداني ومراجعة للمشهد السوري والإقليمي. وآراؤها تخصّ مؤلفيها، كما توضح، ولا تمثل موقفاً رسمياً للبرلمان. لكنها تكشف أسئلة مهمة في النقاش الأوروبي: كيف يتحول التمويل إلى تأثير؟ وما الفرق بين دولة تستقر وسلطة تُثبّت حكمها؟ الدراسة الأصلية.
أبرز ما خرجت به من قراءتها مفارقة يصعب تجاهلها: اتسعت للشرع أبواب الخارج بسرعة، بينما ظلّ بناء الثقة في الداخل أبطأ وأكثر كلفة.
في المسافة بين هذين الإيقاعين تتحرك أوروبا، ويبرز سؤال هذا المقال: هل تستطيع أن تمنحه شراكة توازن نفوذ ترامب، أم ستكتفي بدفع جزء من فاتورة يحدد شروطها آخرون؟
أوروبا تدخل من الباب الاقتصادي
يظهر التحول في خطوات واضحة: رفع العقوبات الاقتصادية الأوروبية في مايو 2025، مع الإبقاء على تدابير أمنية وعقوبات موجهة؛ ثم زيارة رئيسي المفوضية والمجلس الأوروبي إلى دمشق في يناير 2026، وإعلان حزمة تقارب 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027. وفي مايو عاد التطبيق الكامل لاتفاق التعاون، وانعقد أول حوار سياسي رفيع المستوى، وأُزيلت جهات بينها وزارتا الدفاع والداخلية من قوائم العقوبات.
بهذه الخطوات أصبح لدى أوروبا مدخل إلى الاقتصاد والإدارة والتعافي. وهي تحمل مصالحها معها: تقليل مخاطر الإرهاب، وتخفيف دوافع النزوح، واستعادة شريك يمكن التعامل معه على الضفة الأخرى من المتوسط. ودمشق تريد بدورها الأسواق والتمويل والخبرة والقبول السياسي.
لكن الباب المفتوح لا يخبرنا إلى أين يقود الممر. فقد يساعد الانفتاح على بناء دولة أقدر، وقد يمنح الحكومة مكاسب من دون تغيير طريقة الحكم. ولهذا يصبح السؤال الأوروبي العملي: ماذا يحصل المجتمع السوري مقابل كل خطوة تمنحها بروكسل للسلطة؟
«السيطرة على حقل نفطي تمنح الدولة مورداً؛ التوافق على توزيع عوائده يمنحها فرصة لشرعية أوسع.»
“العقيد عامر عبد الله“
في دمشق، أين يتوقف الرئيس وتبدأ المؤسسة؟
تضع الدراسة الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025 في قلب المشكلة. فالمرحلة الانتقالية تمتد خمس سنوات، والرئاسة تمتلك صلاحيات واسعة في تشكيل الحكومة والبرلمان والقضاء. كما تناقش محدودية المشاركة في إعداد الإعلان، واشتراط إسلام رئيس الجمهورية، وموقع الفقه الإسلامي في التشريع، وما يترتب على ذلك في المساواة والفصل بين السلطات.
يمكن أن تشاهد حكومة ومجلساً وقضاة، ثم تكتشف أن القرار يمرّ في اتجاه واحد. لهذا أسأل: من يستطيع أن يقول للرئيس إن قراراً اتخذه يخالف القانون، ويضمن أن يبقى في موقعه بعد ذلك؟ الإجابة أكثر دلالة من عدد المقاعد والحقائب.
وتعرض الدراسة تقارير عن شبكات غير رسمية مرتبطة بهيئة تحرير الشام والعائلة الرئاسية تؤثر في السياسة والاستثمار والمال والقضاء. وتسجل تغييرات لبعض المواقع خلال مايو 2026، مع التساؤل إن كانت تصلح الآلية أم تعيد توزيعها داخل الدائرة نفسها. وهذه تقارير وتحليلات ينبغي قراءتها بحدود أدلتها، من دون معاملتها جميعاً كأحكام قضائية.
القضية التي تكشفها أوسع من أسماء أصحاب المناصب: هل تصبح الخبرة والقواعد أساس الإدارة، أم يبقى الولاء طريق الوصول إلى القرار والموارد؟ وتضيف التعبئة العشائرية طبقة أخرى إلى السؤال. فالعشيرة رابطة اجتماعية، لكن توظيفها لتخصيص الحماية والوظائف يعيد ترتيب المواطنين بحسب قربهم من الحكم.
هنا تواجه براغماتية الشرع امتحانها الداخلي. فالاستفادة من شبكة موثوقة في بداية الانتقال قد تساعد على تحريك جهاز معطل؛ واستمرار الاعتماد عليها وحدها قد يغلق الطريق أمام الكفاءات ويجعل الدولة أسيرة دائرة ضيقة.
الجيش: امتحان الحماية قبل امتحان السيطرة
تتناول الدراسة إدماج نحو 130 فصيلاً في وزارة الدفاع، وإعادة بناء الشرطة، والتدريب التركي والسعودي. لكنها تسجل أيضاً استمرار ولاءات وشبكات قيادة سابقة، وضعف المحاسبة، وتفاوت الأداء، وعدم استقرار العلاقة مع جماعات محلية.
ارتداء الزي نفسه خطوة؛ تلقي الأوامر ضمن قواعد واحدة خطوة أصعب. والأصعب منهما أن يطمئن المواطن إلى أن هذه القواعد تحميه حتى حين يختلف مع السلطة أو مع عناصر القوة المنتشرين في منطقته.
وقد كشفت أحداث الساحل والسويداء، والاعتداء على كنيسة مار إلياس، وتقارير الخطف والعنف المحلي، حجم هذه الفجوة. وتعرض الدراسة اختلافاً بين التحقيقات الوطنية والتوثيق المستقل، خصوصاً بشأن مشاركة قوات مرتبطة بالحكومة ومسؤولية القيادات. أما تفسير الانتهاكات بمجرد الانتقام أو الفوضى فيترك السؤال الأهم معلقاً: ما الذي سيمنع تكرارها؟
تتداخل هنا عوامل عدة: خطاب إقصائي لدى بعض الفاعلين، وإرث يربط جماعات كاملة بالنظام السابق، وضعف الضبط الذي يسمح لنزاع محلي بالاتساع. والمحاسبة الجادة تحتاج إلى تفكيك هذه العوامل، ورفض العقاب الجماعي، والوصول إلى مسؤولية القيادة حيث تثبت الأدلة. كذلك يجب أن تشمل العدالة الانتقالية جرائم الماضي والانتهاكات الجديدة، حتى لا تتحول إلى امتياز يملكه المنتصر.
حين يحتاج المواطن إلى حامٍ خارج القانون، تصبح وحدة البلاد أكثر عرضة للمساومة.
“العقيد عامر عبد الله“
ويضيف المقاتلون الأجانب و«داعش» والسجون والمخيمات في الشمال الشرقي أخطاراً أخرى. فتراجع عدد الهجمات لا يغلق منافذ التجنيد، كما أن نقل مسؤولية منشأة احتجاز يحتاج إلى ترتيبات تحرسها فعلياً. لذلك ينبغي أن يرتبط أي تعاون أمني أوروبي بالتدريب والمحاسبة والرقابة، معاً.
الملف الكردي: ما الذي يجمعه الاتفاق وما الذي يتركه للسلاح؟
تعرض الدراسة اتفاق مارس 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية، ثم التصعيد العسكري في يناير 2026، وتحولات السيطرة على موارد ومناطق في الشمال الشرقي، وتغير الدور الأمريكي. وقد بدلت هذه التطورات ميزان التفاوض، لكنها لم تحسم حقوق المشاركة أو توزيع الموارد أو شكل الإدارة المحلية.
السيطرة على حقل نفطي تمنح الدولة مورداً؛ التوافق على توزيع عوائده يمنحها فرصة لشرعية أوسع. وإدماج تشكيل عسكري يعالج جانباً من الأمن؛ أما إزالة الخوف المتبادل فتحتاج إلى تسوية سياسية.
ولهذا تبدو اللامركزية المنضبطة بضمانات مشتركة أحد الموضوعات التي تستحق التفاوض. فهي تختلف عن التشظي الناتج من انهيار السلطة، وقد تساعد على بقاء المواطنين داخل مشروع واحد. وفي المقابل، يمكن لمركزية لا تستجيب للمظالم أن توسع مطالب الانفصال التي تريد منعها.
الإعمار: بين العقد الكبير والمائدة الصغيرة
تبلغ كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة نحو 216 مليار دولار وفق تقدير البنك الدولي الذي تستشهد به الدراسة. وهذه كلفة البناء المادي، بينما تحتاج استعادة الحياة أيضاً إلى مؤسسات وخدمات وفرص عمل.
تظهر بوادر تعافٍ، وتوقع خبراء صندوق النقد في أغسطس 2026 نمواً من خانتين خلال العام، مع تأكيد استمرار الفقر وتفاوت التعافي وارتفاع التضخم وضعف المصارف. وقبل ذلك بثلاثة أشهر أعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعدته الطارئة إلى النصف وتوقف دعم الخبز، بينما يعاني ملايين السوريين انعدام أمن غذائي حاد.
قد يرتفع الناتج من مستوى شديد الانخفاض، وتبقى المائدة صغيرة. لذلك فإن السؤال عن حجم الاستثمار يحتاج إلى سؤال آخر عن أثره: كم وظيفة ينتج؟ وأي مناطق يصل إليها؟ وهل يعيد تشغيل منشآت سورية ويطور مهارات محلية، أم يقتصر على قطاعات مربحة تحيط بها أحياء محرومة؟
تحذر الدراسة من انتقال اقتصاد المحاسيب إلى أصحاب جدد، ومن خروج الأرباح بدلاً من إعادة استثمارها. وهنا تستطيع أوروبا تقديم شيء ملموس: مناقصات شفافة، ورقابة مالية، وخبرة مصرفية، وتمويل يصل إلى المدارس والمستشفيات والمشروعات القادرة على توليد الدخل. فمن الممكن أن يرمم الإعمار علاقة الناس ببلادهم، ومن الممكن أيضاً أن يعيد رسم حدود الامتياز فيها.
المدنيون واللاجئون: من يعيش في الخطة؟
تسجل الدراسة اتساع النشاط المدني وعودة منظمات، إلى جانب قيود على التمويل والعمل الإنساني وإعادة تفعيل قانون الجمعيات رقم 93 لعام 1958. وهذا يعني أن المساحة التي بدأت تنفتح تواجه أدوات قد تعيد التحكم فيها.
دعم هذه المساحة يحتاج إلى الوصول إلى النقابات والمبادرات المحلية والإعلام المستقل، وإلى المعارضين من الأكثرية العربية السنية، مثلما يصل إلى ممثلي الجماعات الأخرى. فالتمثيل الاسمي قد يحسن صورة الحكومة، لكنه لا يمنح الناس قدرة على الاعتراض أو التأثير.
أما اللاجئ، فإنه يقيس إمكان العودة بأسئلة بسيطة: أين أسكن؟ وكيف أعمل؟ وهل أستطيع إرسال أطفالي إلى المدرسة؟ وتضاعف مخاوف الاضطهاد أو العنف صعوبة هذه الأسئلة لدى بعض الأسر، فيما بنت أسر أخرى حياة مستقرة في الخارج.
تقترح الدراسة استكشاف ترتيبات قانونية لزيارات مؤقتة من دون خسارة تلقائية للحماية؛ وهو اقتراح يحتاج إلى تنظيم، وليس حقاً قائماً يمكن افتراضه. وتفتح أيضاً مجالاً للاستفادة من مهارات السوريين في أوروبا وروابطهم واستثماراتهم. فإذا اختزل الأوروبيون النجاح في عدد العائدين، قد يتجاهلون شروط بقائهم. أما تحسين تلك الشروط فيتيح عودة طوعية أمتن، وعلاقة أوسع مع من يختار الاستمرار في الخارج.
شركاء دمشق لا يحملون الخريطة نفسها
تركيا تمتلك قرب الحدود وشبكات التجارة والفصائل والتدريب، وتفضل دولة مركزية تضبط الملف الكردي. وهي تنظر إلى حلب والصناعة والإعمار بوصفها مجالات اقتصادية وأمنية مترابطة. هذا حضور يومي يجعل تجاوزها صعباً، ويعقد في الوقت نفسه محاسبة فصائل مرتبطة بها.
إسرائيل تريد منع عودة إيران والحد من تهديدات محتملة ومن اتساع النفوذ التركي. وترى الدراسة أنها قد تفضل سوريا أضعف وأكثر تجزؤاً، مع وجود اتصالات برعاية أمريكية لخفض التصعيد. وهذا تقدير تحليلي للباحثين ينبغي تمييزه عن الوقائع التي يعرضونها بشأن الضربات والتوغلات والاحتلال. والمفاوضات، مهما تقدمت، لا تحسم وحدها حقوق السيادة أو مستقبل الأراضي المحتلة.
السعودية وقطر والإمارات تريد تجنب انهيار سوريا، وتجد فيها فرصاً للمطارات والموانئ والطاقة والاتصالات، وتتقاطع مصالحها في الحد من النفوذ الإيراني. وتتنافس على العقود والمواقع، لكن الدراسة لا تصف حرب وكلاء خليجية قائمة في سوريا. الخطر أن تتغير الأولويات أو يتصاعد التنافس، فتتراجع الأموال التي بنت دمشق خططها على توقع وصولها.
روسيا خسرت الراعي الذي حكم دمشق، لكنها تحاول الحفاظ على القواعد وعلاقات الإمداد والتقنية والطاقة. أما إيران فخسرت جانباً كبيراً من موقعها واتصالها بحزب الله، مع احتمال استمرار شبكات محدودة قادرة على التعطيل. لذلك تختلف الضرورات التي تحكم التعامل مع موسكو عن الصدام مع طهران، رغم ارتباطهما بالنظام السابق.
وفي الأردن والعراق ولبنان تزدحم ملفات الحدود والمخدرات و«داعش» والطاقة والمياه والسجناء واللاجئين وحزب الله. وهذه تفاصيل تختبر السياسة كل يوم. فزيارة ناجحة إلى عاصمة بعيدة لا تعوض حدوداً مضطربة مع جار قريب.
ما يجمع هذه العلاقات أن الشرع يستطيع الاستفادة من تقاطع مصالحها، لكنه يواجه حدوداً حين تتعارض. فتركيا تريد قوة مركزية تخدم تصورها للأمن، وقد ترى إسرائيل في اتساع هذه القوة خطراً. والخليج يحتاج إلى حماية استثماراته، فيما تطلب أوروبا ضمانات أوسع للحكم والمشاركة. إدارة هذه الفوارق هي جوهر الدبلوماسية السورية المقبلة.
ترامب: الباب الذي فتحه لا يزال يمنحه وزناً
تقرأ الدراسة التقارب الأمريكي بوصفه رهاناً على حكومة تضبط سوريا، وتواجه «داعش»، وتحد من إيران، وتتيح لواشنطن تخفيف انخراطها العسكري. ويرتبط ذلك بتراجع الاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية وبالوساطة مع إسرائيل.
وقد دخل إنهاء برنامج العقوبات الاقتصادية التنفيذي الواسع حيز النفاذ في يوليو 2025، بينما أُلغي قانون قيصر تشريعياً في ديسمبر من العام نفسه، ثم رُفع تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب في أغسطس 2026. وهذا التفريق، الذي تؤكده الخزانة الأمريكية، يصحح خلطاً زمنياً في الدراسة. فالعقوبات العامة التي أُلغيت لا يصح معاملتها كأداة قائمة بالصيغة السابقة.
يظل لواشنطن وزن في الأمن والوساطة والعلاقات الإقليمية وتصور المستثمرين للمخاطر. كما تتضمن سياستها المعلنة حماية الجماعات السورية ومواجهة الانتهاكات؛ ويبقى الاختبار في التطبيق وترتيب الأولويات.
من هنا أفهم عبارة «مخالب ترامب» بوصفها استعارة لاختلال القوة. فالشرع يحتاج إلى منافع تمنحها العلاقة الأمريكية، وقد يدفع ثمناً سياسياً حين تتسع الفجوة بين ما يحتاجه وما يستطيع تقديمه. وتعدد الشراكات قد يحسن شروطه، لكنه لا يضمن ذلك إذا بقي الداخل ضعيفاً.
ممرات الطاقة: الموقع يطلب دولة
تربط الدراسة حرب إيران واضطراب هرمز بارتفاع كلفة الطاقة والتجارة، وباحتمال تراجع تمويل الإعمار. وفي المقابل تزداد أهمية سوريا ممراً يربط الخليج والعراق بالمتوسط، عبر الطاقة والنقل والاتصال.
إنها فرصة مغرية، خصوصاً لبلد يبحث عن الإيرادات، لكنها تظل مشروطة بالتمويل والأمن والعمالة المؤهلة والقانون. والخط المرسوم على خريطة يحتاج إلى دولة قادرة على حمايته، وإلى اتفاق يحدد نصيب المجتمع من عوائده.
قد يجذب الموقع تنافساً يهدد الفرصة نفسها. لذلك فإن تجنب الانخراط في صراعات الجوار، وتهدئة التوترات التركية الإسرائيلية، وحماية الحدود، عناصر في خطة التعافي الاقتصادي أيضاً. تحتاج سوريا إلى وقت للبناء؛ وكل جبهة جديدة تستهلك شيئاً من هذا الوقت.
هل تستطيع أوروبا أن تصبح شريكاً يصعب الاستغناء عنه؟
تمتلك أوروبا التمويل والسوق والخبرة الفنية وروابط المجتمع المدني والشتات، وحضوراً في المنظمات الدولية، وأدوات عقوبات موجهة. لكنها تصل إلى ساحة سبقها إليها أصحاب نفوذ أمني واقتصادي، وتعاني اختلاف أولويات دولها وبطء بعض إجراءاتها.
لذلك يبدو طريقها الأقوى في تقديم التزام واضح ومنفذ. فتمويل يصل في موعد معلوم، ومستشفى يعود إلى الخدمة، وخبرة تحسن إدارة الموازنة والمصارف، قد تجعلها شريكاً ذا قيمة يومية. وتساعد أدوات مثل منتدى تنسيق الشراكة ومركز المساعدة الفنية إذا بقيت نتائجها داخل الإدارة السورية بعد تبدل المسؤولين.
لكن تحويل هذه القيمة إلى تأثير يقتضي شروطاً قابلة للقياس: شفافية العقود، واستقلال الرقابة، ومساءلة الانتهاكات، ومشاركة فعلية. وإذا أساءت جهة استخدام المال، يمكن تعديل التنفيذ أو تجميد تمويلها؛ أما غذاء المدنيين وإغاثتهم فيحتاجان إلى مسارات تحميهما من العقاب السياسي.
وتقترح الدراسة سبعة مجالات مترابطة: دعم مدني شامل ومرن، وتمكين المؤسسات، وإعمار المرافق، وضمانات للعودة الطوعية، ومشاركة حقيقية، ومكافحة الفساد وحماية الحقوق، وتنسيق إقليمي. وتمنح البرلمان دوراً في الموازنات والتشريع والتدقيق والجلسات الرقابية والعلاقات البرلمانية، ضمن منظومة تنفيذ تشترك فيها مؤسسات الاتحاد ودوله.
هذه هي المسافة التي على أوروبا قطعها: أن تصبح شريكة في نتائج يستطيع السوريون لمسها، وقادرة على مساءلة طريقة إنتاجها. أما الدفع من دون متابعة فيترك شروط اللعبة لمن يملك السلاح أو يحتكر القرار.
ثلاثة طرق، ومستقبل مختلف للشرع في كل طريق
تطرح الدراسة، خلال اثني عشر إلى أربعة وعشرين شهراً، ثلاثة مسارات مشروطة، من دون أن تمنحها احتمالات رقمية.
في ترسيخ الدولة تتحسن المؤسسات والخدمات، وتتسع الحماية والمشاركة، ويصبح القرار أكثر انتظاماً. وهذا لا يعني ديمقراطية مكتملة، لكنه يفتح للشرع طريقاً إلى شرعية تستند إلى أداء الحكم، ويمنح أوروبا شريكاً يستطيع الاستجابة والوفاء بالتزاماته.
وفي الاستقرار السلطوي تبقى السيطرة المركزية، وتنشط استثمارات انتقائية، وتعمل شبكات الرعاية، فيما تضيق المشاركة وتتراكم المظالم. قد يستمر الحكم، لكن أزمة تمويل أو تبدلاً في موقف راعٍ خارجي يكشف هشاشته. وفي هذا المسار تحتاج أوروبا إلى رقابة أشد، حتى لا يمول انفتاحها أسباب اضطراب لاحق.
أما التشظي فيجمع تعثر الخدمات والاستثمار وتكاثر السلطات والسلاح، ويفتح المجال للوكلاء والتنظيمات المتطرفة والنزوح. عندها تتراجع قدرة الشرع على تنفيذ ما يعد به، ويتحول الجهد الأوروبي إلى حماية المدنيين وإدارة تداعيات الانهيار.
قد تتجاور مظاهر من هذه المسارات داخل البلد نفسه. لهذا فإن كثرة الاتفاقات لا تكفي لتحديد الاتجاه؛ الأهم ما يتغير في حياة الناس وفي قدرة الإدارة على العمل وفي علاقة السلاح بالقانون.
“العقيد عامر عبد الله“
الخاتمة: هل يستطيع الأوروبيون جذب الشرع من بين مخالب ترامب؟
يمكن للأوروبيين توسيع خيارات الشرع وتقليل اعتماده على واشنطن. أما إبعاده عنها بالكامل، فليس نتيجة تدعمها معطيات الدراسة. وهي لا تعرض أصلاً خطة أوروبية معلنة لانتزاعه من ترامب، بل تبحث في كيفية التأثير في سوريا التي تتشكل تحت حكمه.
من الحكمة، وفق المثل الذي افتتحنا به، أن يستخدم الشرع ما تتيحه الشراكات الحالية لبناء فرصة أفضل. لكن المثل لا يعفيه من السؤال عن الوجهة. فإذا موّل الخليجيون، ودرّب الأتراك، وسهّل الأمريكيون، وفتح الأوروبيون أسواقهم وخبراتهم، فماذا سيكون قد بناه بعد سنوات: بلداً يستطيع التفاوض بثقة أكبر، أم حكماً يحتاج إلى موافقة عدة رعاة كي يستمر؟
أرجح أنه سيحاول الموازنة بين هذه العلاقات ما دامت تمنحه منافع مختلفة. وهذه قراءة للمشهد، وليست تنبؤاً حتمياً. فالاختيار الحاسم قد يقع في الداخل قبل أن يقع بين العواصم: قبول رقابة مستقلة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليتهم، وتسوية ملفات المشاركة والأمن، وتوزيع منافع التعافي. كل تقدم هنا يحسن قدرته على التفاوض مع الخارج، وكل إخفاق يرفع كلفة الاعتماد عليه.
إذا نجحت أوروبا في ربط التجارة والتمويل ببناء مؤسسات تعمل، فقد تمنحه هامشاً أوسع أمام ترامب. ستكون لدى دمشق عندئذ موارد وعلاقات وخبرات تستطيع استخدامها، ويكون قبولها الدولي مدعوماً بثقة محلية أكبر. ويتغير مستقبل الشرع من قائد تستند قوته إلى انتصار وشبكة حلفاء، إلى رئيس يستطيع الاستناد إلى نتائج ملموسة.
لكن هذا النجاح يطلب منه قبول حدود لسلطته. فالقضاء الذي يحمي الحقوق قد يراجع قراراً رئاسياً، والرقابة التي تحمي المال قد توقف عقداً يفضله مقرب، والمشاركة التي تخفف الاحتقان قد تمنح خصماً مساحة. هذه كلفة سياسية حقيقية، وقد تكون أيضاً استثماراً في بقاء أكثر استقراراً. فالدولة القادرة تقلل حاجة الرئيس إلى التدخل الدائم وإلى البحث عن سند خارجي عند كل أزمة.
أما إذا رضيت أوروبا بوعود الإصلاح وصور التمثيل، فإن الشرع يستطيع تحصيل فوائد الشراكة معها من دون تغيير عميق، مع استمرار علاقته الأمنية بواشنطن. وعندئذ قد تتوزع العقود والأدوار بين الشركاء، بينما يبقى القرار الداخلي محكوماً بالولاء. سوف يتحسن موقع السلطة مؤقتاً، لكن مستقبلها يظل مكشوفاً أمام انقطاع مورد أو تبدل أولويات داعم أو انفجار مظلمة تراكمت طويلاً.
وقد تدفع صدمة اقتصادية أو موجة عنف أو تصعيد إقليمي بهذا الترتيب نحو التشظي. في تلك اللحظة تتراجع قيمة الشرع لدى الجميع، لأن الشريك الخارجي يحتاج إلى سلطة تستطيع تنفيذ التزاماتها. والاعتراف الدبلوماسي لا يعيد وحده الكهرباء أو الأمن أو السيطرة على الحدود.
لذلك أرى أن الجواب سيظهر في التنفيذ: مشروعات تصل إلى مناطق محرومة، ومحاسبة تتجاوز صغار المنفذين حين تقود الأدلة إلى أعلى، وتسويات يشعر أصحابها أنهم شركاء، ومؤسسات تتعلم وتعمل، وسياسة خارجية تتيح للبلاد زمناً للتعافي. بهذه النتائج يمكن لأوروبا أن تصبح شريكاً يصعب الاستغناء عنه، ويمكن للشرع أن يكتسب استقلالاً أوسع في التعامل مع ترامب وسواه.
قيمة الشراكة تُقاس بما تضيفه إلى قدرة السوريين على الوقوف، وبما تقلله من حاجتهم إلى الاستناد الدائم إلى الخارج.
“العقيد عامر عبد الله“
وحينئذ تستكمل حكمة «اْلعب بالمقصقَص تايجيك الطيّار» معناها: تستخدم المتاح لتوسيع الممكن، وتستثمر الشراكات كي تستعيد البلاد جناحيها. أما مستقبل الشرع نفسه، فسيتوقف على مقدار ما يجعل هذا التحليق متاحاً للسوريين، لا على مقدار ما يفتح له وحده أبواب العواصم.


المراجع والمصادر
- يان دانييل، وآنا فيليبيوفا، وكليمان ستوير. «أثر سقوط نظام الأسد على سوريا والمنطقة الأوسع». دراسة أُعدّت بطلب من لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، سبتمبر 2026، رقم الوثيقة PE 783.628.
قراءة الدراسة كاملة. - مجلس الاتحاد الأوروبي. «اعتماد القرارات القانونية لرفع العقوبات الاقتصادية على سوريا»، 28 مايو 2025.
رابط المصدر. - مجلس الاتحاد الأوروبي. «استعادة التطبيق الكامل لاتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا»، 11 مايو 2026.
رابط المصدر. - مجلس الاتحاد الأوروبي. «أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا»، 11 مايو 2026.
رابط المصدر. - مجلس الاتحاد الأوروبي. «تجديد التدابير ضد المرتبطين بنظام الأسد السابق، وإزالة بعض الجهات من قوائم العقوبات»، 18 مايو 2026.
رابط المصدر. - المفوضية الأوروبية. «الاتحاد الأوروبي يفتتح فصلاً جديداً في علاقاته مع سوريا»، 9 يناير 2026. يتضمن إطار الشراكة وحزمة الدعم لعامي 2026 و2027.
رابط المصدر. - البنك الدولي. «تقدير كلفة إعادة الإعمار في سوريا بعد النزاع بنحو 216 مليار دولار»، 21 أكتوبر 2025.
رابط المصدر. - برنامج الأغذية العالمي. «تقليص المساعدة الغذائية في سوريا بسبب نقص التمويل»، 13 مايو 2026.
رابط المصدر. - صندوق النقد الدولي. «اختتام زيارة بعثة خبراء صندوق النقد إلى سوريا»، 4 أغسطس 2026. يتضمن تقييماً أولياً للتعافي والنمو والتضخم والإصلاح المالي والمصرفي.
رابط المصدر. - البيت الأبيض. «الأمر التنفيذي بشأن إلغاء عقوبات سوريا»، الأمر رقم 14312، الصادر في 30 يونيو 2025.
رابط المصدر. - وزارة الخزانة الأمريكية، مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. «التوضيح رقم 1220 بشأن إنهاء برنامج العقوبات على سوريا»، تحديث 24 أغسطس 2026. يتضمن تاريخ إلغاء قانون قيصر والتغييرات اللاحقة في التصنيفات الأمريكية.
رابط المصدر. - المفوضية الأوروبية. «تنسيق الدعم الدولي لتعافي الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار»، 11 مايو 2026. يتناول منتدى تنسيق الشراكة والمساعدة الفنية وبناء قدرات المؤسسات السورية.
رابط المصدر.
سؤال المقال
هل تستطيع الشراكة الأوروبية توسيع استقلال القرار السوري أمام واشنطن، أم ستضيف شريكاً جديداً إلى شبكة اعتماد السلطة على الخارج؟








نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.