
الملخص التنفيذييناقش المقال الفجوة بين جدوى التعاون الأمني الخارجي وشعور السوريين بالأمان، ويرى أن مواجهة التطرف تتطلب إرادة سياسية، ومؤسسات منضبطة، ومحاسبة لا تستثني أحداً. فالدعم الدولي يتيح فرصة لبناء الاستقرار، لكنه لا يعفي الحكومة الانتقالية من مسؤوليتها تجاه مواطنيها.
تواجه حكومة الضرورة في سوريا اختباراً أساسياً: تحويل التعاون الأمني الدولي إلى حماية فعلية للمواطنين، يتمثل في مكافحة التطرف والإرهاب، بوصفهما من العقبات الرئيسية أمام الاستقرار وإعادة الإعمار. وعقب سقوط نظام الأسد، كان مطلوباً من الحكومة الانتقالية أن تركّز جهودها على مكافحة تنظيم داعش، وتفكيك الشبكات الإرهابية الأخرى، والاندماج في المنظومة الأمنية الإقليمية والدولية. ومع ما أتيح لها من دعم، تبقى الخطوات المتخذة، في تقديري، محدودة قياساً بحجم المهمة، ولا تكفي وحدها للدلالة على وجود برنامج متكامل لمكافحة التطرف والإرهاب.
ولا يكفي ما تقدّمه الحكومة الانتقالية من ضمانات وتعهدات بشأن مكافحة التنظيمات الإرهابية؛ فالمعيار هو ترجمة هذه التعهدات إلى إجراءات واضحة، يمكن التحقق من نتائجها. كما أن الإعلان عن عمليات أمنية لا يحسم الأسئلة المتعلقة بمعايير استهداف المجموعات المسلحة: هل تُطبَّق معايير قانونية واحدة على الجميع، أم تتداخل مكافحة الإرهاب مع تصفية خلافات قديمة بين الفصائل؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يثار الحديث عن حرية حركة شخصيات ذات خلفيات متطرفة، أو قربها من جهات نافذة. فهذه المسائل تستدعي توضيحاً رسمياً وتحقيقاً موثقاً؛ لأن نجاح السياسة الأمنية يتطلب اقتناع الناس بأن القانون يسري على الجميع، من دون حماية أو استثناء.
الجدوى الأمنية لمن؟
يُطرح التعاون الاستخباراتي مع الحكومة الانتقالية بوصفه ضرورة لمنع تنظيم داعش من استغلال أي فراغ أمني. ومن شأن هذا التعاون أن يوفّر للسلطات السورية معلومات وأدوات تحتاج إليها في ملاحقة التنظيمات المتطرفة والإرهابية.
لكن التقييم الإيجابي للتعاون الأمني الخارجي لا يعني بالضرورة تحسّن شعور السوريين بالأمان. فالمواطن يقيس الأمن بقدرته على الحركة والعمل والعيش من دون خوف، وبوجود جهة تحميه إذا تعرّض للتهديد، وقضاء ينصفه إذا وقع عليه اعتداء. ومن هنا، تبقى حماية الأقليات الدينية والقومية، ومنع الانتقام ممن يُشتبه في تعاونهم مع النظام السابق، والتصدي للجريمة، اختبارات أساسية لأداء السلطة.
فما الجدوى الأمنية التي يلمسها السوريون من هذا التعاون؟ ولماذا يستمر الخوف في قطاعات من المجتمع؟ أليس حريّاً بالجهات الدولية الداعمة أن تقيّم أثر تعاونها في سلامة السكان، وأن تلفت نظر الحكومة الانتقالية إلى أوجه القصور؟
في تقديري، تحتل ملفات الهجرة واللجوء وتهريب المخدرات موقعاً متقدماً في حسابات عدد من الدول المعنية بسوريا. والخشية أن تصبح قدرة الحكومة على الحد من هذه التدفقات معياراً للتعامل معها، بينما يتراجع الاهتمام بأمن السوريين داخل بلادهم. غير أن اختزال جميع المواقف الدولية في هذه المصالح وحدها يحتاج إلى أدلة؛ والأدق مساءلة السياسات عن نتائجها وأولوياتها الفعلية.
«المواطن يقيس الأمن بقدرته على الحركة والعمل والعيش من دون خوف».
“عبد الرحمن ربوع”
هل تستطيع سوريا مكافحة الإرهاب؟
نعم، تمتلك سوريا مقومات تساعدها على مكافحة الإرهاب، إذا اقترنت البيئة الدولية والإقليمية الداعمة بتماسك الجبهة الداخلية. فالانفتاح الخارجي وتخفيف القيود الاقتصادية يتيحان مجالاً أوسع للتعاون والتعافي. وقد رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية على سوريا في أيار/مايو 2025، مع الإبقاء على تدابير مرتبطة بالأمن وعقوبات محددة؛ ولذلك لا يصح التعامل مع رفع العقوبات بوصفه إلغاءً شاملاً لجميع القيود والتصنيفات. [1]
كما أن الدعم السياسي والمالي من الدول العربية يمكن أن يمنح سوريا إمكانات أمنية ولوجستية إضافية، خصوصاً أن دول الجوار ترى في استقرارها حماية لأمنها الوطني. ومن شأن التنسيق الاستخباراتي واللوجستي مع الولايات المتحدة وقوى التحالف أن يعزّز القدرة على ملاحقة خلايا داعش.
كذلك، فإن إعادة هيكلة الجيش ودمج الفصائل المحلية، بما فيها قوات سوريا الديمقراطية، ضمن مؤسسة وطنية منضبطة، يمكن أن يضيّقا المساحات التي تتحرك فيها المجموعات المتطرفة. لكن ينبغي التمييز بين اتفاقات الدمج واكتمال تنفيذها؛ إذ وثّقت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء اتفاقات وخطوات تنفيذية خلال مطلع عام 2026، بما يوضح أن بناء المؤسسة الموحدة مسار عملي، لا نتيجة تتحقق بمجرد الإعلان. [2]
ويضاف إلى ذلك أن استعادة الإنتاج وتوفير فرص عمل للشباب وتنمية المناطق المهمّشة تساعد في تجفيف منابع التجنيد. كما أن رغبة السوريين في إنهاء الفوضى والالتفات إلى الاستقرار وبناء الدولة يمكن أن تضيق البيئة التي تستغلها الجماعات المتطرفة.
لكن النجاح منوط بتحقق هذه الشروط على الأرض. فالإمكانات المتاحة تذهب أدراج الرياح ما لم تقترن بالعزم والإرادة والجدية. ومكافحة الإرهاب ليست مهمة ثانوية تؤجَّل إلى حين الفراغ من غيرها؛ بل تتصل بإزالة الألغام ومخلفات الحرب، وإنجاز العدالة الانتقالية، وتهيئة بيئة آمنة لإعادة الإعمار.
حكومة الضرورة وتحديات مكافحة الإرهاب
على الرغم من فرص الانفتاح الخارجي والتقدم الممكن في توحيد المؤسسات، تبقى تحديات بنيوية وثغرات أمنية معقدة تعيق مكافحة الإرهاب.
فطبيعة الخلايا السرية والمتفرقة تجعل ملاحقتها محتاجة إلى جهد استخباراتي متواصل، فيما يظل ضبط السلاح وحصره بيد مؤسسات الدولة تحدياً أساسياً. ويضاف إلى ذلك إرث مخيم الهول ومراكز الاحتجاز وملفات المشتبه في ارتباطهم بداعش وعائلاتهم، وما تطرحه من مسؤوليات أمنية وقضائية وإنسانية. ولا يجوز الخلط بين المشتبه فيهم وأفراد أسرهم، أو الاستعاضة عن المحاكمات الفردية بوصم جماعي.
كما يعاني الاقتصاد من إنهاك متراكم منذ عقود. وفي تقديري، تزيد السياسات الاقتصادية والمالية المتخبطة وأخطاء إدارة المرحلة الانتقالية من صعوبة التعافي. وحين يستفحل الفقر وتتسع البطالة وتغيب البدائل، تجد الجماعات المتطرفة مجالاً أوسع للاستقطاب والتجنيد، بما يهدد ما يُنجز من استقرار وإعمار.
وتزيد الجغرافيا صعوبة المهمة؛ فالحدود البرية الممتدة مع دول الجوار تفرض أعباء كبيرة على جهود منع تسلل المسلحين وتهريب السلاح. كما أن تعدد القوى الإقليمية والدولية واختلاف مصالحها قد يؤديان إلى تضارب الأجندات الأمنية، ويعوقان توحيد الجهود ضد الجماعات الإرهابية.
«فالإمكانات المتاحة تذهب أدراج الرياح ما لم تقترن بالعزم والإرادة والجدية».
“عبد الرحمن ربوع”
حكومة الضرورة بين الخبرة ومشكلة الثقة
يمكن النظر إلى الخلفية السابقة لقيادة المرحلة الانتقالية من زاويتين. فمن جهة، قد تمنحها معرفتها بآليات عمل الجماعات الجهادية وطرق تفكيرها وأساليب تجنيدها وخطوط إمدادها قدرة أكبر على مواجهتها وتفكيك شبكاتها. وقد تساعدها هذه المعرفة على صياغة خطاب ديني ومحلي مضاد للفكر المتطرف.
لكن هذه الإمكانية لا تعني تحققها تلقائياً، ولا تكفي التصريحات أو التحولات السياسية وحدها لإثبات مراجعة فكرية عميقة. فالمعيار هو السلوك المستمر، وقبول التعدد، والالتزام بالقانون، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بصرف النظر عن انتماءاتهم السابقة أو الحالية.
ومن جهة أخرى، قد تنظر جماعات متشددة إلى التعاون مع القوى الدولية بوصفه خروجاً على نهجها، فتستدهدف مؤسسات الحكومة ومسؤوليها بعمليات انتقامية. وهذا يضيف إلى أعباء المرحلة الانتقالية، لكنه لا يبرر التوسع في الإجراءات الاستثنائية أو إضعاف الضمانات القانونية.
كذلك، فإن غض الطرف عن الانتهاكات السابقة بذريعة مكافحة الإرهاب أو احتواء الصراع أو الحد من تدفق اللاجئين يهدد العدالة الانتقالية.
يجب أن تشمل المساءلة انتهاكات النظام السابق وسائر الأطراف، بما فيها جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، وفق أدلة وإجراءات قضائية عادلة، لا وفق الحسابات السياسية.
حكومة الضرورة ومسؤولية حماية المواطنين
لا يكفي أن يتعامل الخارج مع الحكومة الانتقالية بوصفها «حكومة ضرورة» لكي يثق بها السوريون. فالثقة تُبنى بقدرتها على حماية الناس، وإنفاذ القانون، وتصحيح الأخطاء، وفتح مؤسسات الدولة أمام الكفاءات، بعيداً عن الولاءات الضيقة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تغييرات جوهرية في بنية الحكومة وأسلوب عملها، تجعلها أكثر فاعلية في أداء مهامها الرئيسية، وعلى رأسها توفير الأمن ومواجهة التطرف ومكافحة الإرهاب. فالضرورة التي قد تفسّر قبول حكومة في ظرف استثنائي لا تعفيها من مسؤولية الحكم، ولا تصلح ذريعة لتأجيل حقوق السوريين.
![]()

المراجع
- مجلس الاتحاد الأوروبي: اعتماد التشريعات الخاصة برفع العقوبات الاقتصادية على سوريا، 28 أيار/مايو 2025. العودة إلى النص
- وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء: تطورات الخدمة العسكرية ووضع الأكراد والأمن في مناطق سيطرة القوات الكردية الحالية والسابقة، 26 آذار/مارس 2026، ولا سيما الصفحتان 7–8. العودة إلى النص
سؤال المقالأيّ المسارين أكثر إلحاحاً لتعزيز ثقة السوريين بالحكومة الانتقالية؟
- ضبط السلاح وتوحيد المؤسسات الأمنية.
- محاسبة المنتهكين وضمان الحماية المتساوية.







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.