

الملخص التنفيذي
عندما أنظر إلى خريطة الشرق الأوسط اليوم، أرى أن مضيق هرمز صار أكثر من ممر للنفط؛ إنه موضع اختبار لقدرة الأطراف على رفع كلفة الحرب واحتمال نتائجها.
لهذا أعود إلى السؤال: هل قررت طهران هدم المعبد على رؤوس الجميع؟ أرى أن السؤال مفيد بوصفه استعارة، لكنه يصبح مضلّلاً إذا حوّلنا الاستعارة إلى حكم نهائي على نيات القيادة الإيرانية. ما نستطيع رصده هو سلوك يرفع كلفة الحرب خارج إيران، بالتوازي مع إشارات إلى استعداد مشروط للتفاوض. وبين الأمرين تُكتب المرحلة الراهنة.
من انكسار الجسر البري إلى انكشاف المركز
لم تصل إيران إلى هذه اللحظة دفعة واحدة. أضعفت الضربات التي تلقاها حزب الله في لبنان شبكة النفوذ التي بنتها طهران على مدى عقود، ثم دخل وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وبعد أقل من أسبوعين، سقط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر. هذان الحدثان لم ينهيا النفوذ الإيراني في الإقليم، لكنهما غيّرا شروط حركته، ولا سيما عبر سوريا. [1] [2]
ثم جاءت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026 ومقتل المرشد علي خامنئي لتدفع المواجهة إلى داخل مركز القرار الإيراني. هنا تغيّر السؤال الاستراتيجي: كيف ترد دولة تتلقى الضربات في عمقها، بينما تراجعت قدرتها على الاعتماد على شبكة الحلفاء والطرق البرية بالصورة التي عرفتها سابقاً؟ [3]
في تقديري، لا تعني خسارة المواقع البرية أن طهران فقدت كل أدواتها. لكنها جعلت أدوات البحر والطاقة أكثر إغراءً: أثرها سريع، وكلفتها تتوزع على دول أكثر من أطراف القتال المباشرين.
«كلما ضاق المجال البري أمام طهران، ازداد إغراء نقل كلفة المواجهة إلى الممرات التي يحتاجها العالم كله».
مضيق هرمز: حين تصبح الملاحة ورقة تفاوض
قبل الحرب، مرّ عبر مضيق هرمز في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل من النفط ومشتقاته يومياً، بما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية. وتقدّر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية تستطيع نقل جزء من هذه الكميات بعيداً عن المضيق، لكنها لا تعوّضه كاملاً. تلك هي قوة هرمز في الحساب الإيراني: لا يحتاج الضغط فيه إلى وقف كل سفينة حتى يصل أثره إلى شركات الشحن والتأمين والأسواق. [4]
تؤكد الوقائع أن الخطر يتجاوز المجاز السياسي. أحصت المنظمة البحرية الدولية، حتى 24 أيلول/سبتمبر 2026، 85 حادثة مؤكدة في نطاق هرمز والشرق الأوسط و24 وفاة بين البحارة. وفي 16 أيلول/سبتمبر، أظهرت بيانات تتبع أولية عبور ثلاث سفن تجارية فقط، مقابل 12 في اليوم السابق؛ غير أن هذه البيانات لا تشمل بالضرورة السفن التي أطفأت أجهزة بث مواقعها. لذلك فالعبارة الأدق هي أن الملاحة تراجعت بشدة واضطربت، لا أنها توقفت توقفاً مطلقاً. [5] [6]
وفي منتصف أيلول/سبتمبر ظهر مدى هشاشة الاحتكاك المباشر: نقل «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين تدمير زورقين قرب المضيق، وقال متحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية إن الزورقين حاولا الاستيلاء على مسيّرة بحرية أمريكية. وقدّمت وسائل إعلام إيرانية وصفاً مختلفاً للزورقين بوصفهما قاربي صيد؛ لذلك لا أتعامل مع هوية من كان على متنهما باعتبارها حقيقة محسومة. ثم أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف الناقلة ترند التي ترفع علم توغو في 18 أيلول/سبتمبر؛ وهو إعلان إيراني عن الواقعة وتفسيرها، لا تحقيق مستقل في كل تفاصيلها. [7] [8]
باب المندب وخط الأنابيب: حين تضيق الطرق البديلة
تبدو الجغرافيا هنا كأنها تمنح مخرجاً ثم تسحبه. فإذا تعسّر عبور هرمز، يستطيع جزء من النفط السعودي أن يتجه غرباً عبر خط الأنابيب إلى البحر الأحمر. لكن تعرض هذا الخط لهجمات الحوثيين، بالتزامن مع المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، أعاد الضغط إلى الطريق البديل نفسه. وفي أيلول/سبتمبر زادت السعودية صادراتها عبر هرمز رغم اضطراب الملاحة فيه. تلك مفارقة لا يصح إغفالها: قد تُدفع الشحنات إلى المضيق الذي تحاول تجنبه عندما يتعطل البديل. [9]
وفي 19 أيلول/سبتمبر، أعلن الحوثيون هجمات على مواقع في الرياض ومنشأة لأرامكو في ينبع، فيما قالت قوات التحالف إنها اعترضت صاروخاً باتجاه العاصمة وأحبطت هجمات أخرى. أظهرت صور نقلتها «رويترز» دخاناً ولهباً قرب مطار الرياض، لكن حجم الأضرار في المواقع التي ذكرها طرفا النزاع لا ينبغي تقديمه بوصفه مؤكداً حيث لم يُثبت. [10]
لا أستطيع اختزال قرارات الحوثيين في أمر مباشر يصدر من طهران في كل واقعة. لكن تزامن الضغط على طرق النفط يمنح إيران فائدة تفاوضية ظاهرة، حتى حين تكون للفصيل اليمني حساباته ومطالبه الخاصة. ولهذا أيضاً تتجاوز الخسارة المحتملة دول الخليج: يتجه جانب كبير من نفط هرمز إلى الأسواق الآسيوية، وتنتقل الزيادة في كلفة النقل والتأمين إلى سلاسل إمداد أبعد من ميدان الحرب. [4]
«المضيق لا يحتاج إلى أن يُغلق تماماً كي يتحول إلى أزمة؛ يكفي أن يصبح المرور فيه قراراً محفوفاً بالخطر والكلفة».
غزة والممر الاقتصادي: صلة تستدعي الحذر
في 9 أيلول/سبتمبر 2023، وقّعت السعودية والإمارات والهند والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أوروبية مذكرة مبادئ لممر اقتصادي يصل الهند بالشرق الأوسط وأوروبا. تصفه المذكرة شبكة مستقبلية للنقل والربط، وتوضح أنه التزام سياسي أولي، لا مشروعاً منجزاً أو اتفاقاً قانونياً ملزماً. [11]
أفهم لماذا تبدو عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب منعطفاً في حسابات هذا المشروع وفي مسارات التطبيع. لكن لا أرى دليلاً كافياً للجزم بأن الممر كان سبب العملية، أو بأن تعطيله كان هدفها المثبت، أو أنه كان خطة مكتملة لـ«إقصاء» إيران. القراءة الأمتن هي أن الحرب كشفت مدى اعتماد مشروعات الربط الكبرى على الاستقرار السياسي والأمني؛ ثم جاءت مواجهات 2026 لتضيف إلى ذلك سؤال القدرة على حماية البحر نفسه.
حدود «هدم المعبد» وفرصة التسوية
تعود إلى ذهني صورة شمشون وهو يهدم المعبد، لكنني أتوقف عند حدودها. إنها تصف خوفنا من أن يجرّ التصعيد الجميع إلى خسارة واسعة؛ ولا تثبت أن صانع القرار في طهران اتخذ قراراً انتحارياً لا رجعة عنه. فرفع كلفة الحرب قد يكون محاولة لتحسين شروط التفاوض بقدر ما قد يكون مقدمة لانفلاته.
تساعد الوقائع الأخيرة على تجنب اليقين المتسرع. ففي 22 أيلول/سبتمبر نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير استعداد بلاده لإعادة فتح هرمز خلال أسبوع إذا خففت الولايات المتحدة ضغطها العسكري ورفعت حصارها عن الموانئ الإيرانية. إنه موقف تفاوضي مشروط، لا اتفاق أو ضمان لنتيجة؛ لكنه يكفي لدحض القول إن باب السياسة أُغلق نهائياً. [12]
وفي المقابل، ليست حماية السفن أو توجيه ضربات إضافية خيارين بلا ثمن. كلفة الحراسة والاستنزاف العسكري تتراكم، وأي توسيع للضربات قد يزيد الهجمات على البنية المدنية وطرق التجارة. كما أن مقتل البحارة وتعرض العاملين في الموانئ والطاقة للخطر يذكّراننا بأن «ورقة المضائق» ليست رقماً في سوق النفط فحسب. وقد شددت المنظمة البحرية الدولية على ضرورة استعادة حرية الملاحة وحماية من يعملون في البحر. [13]
لهذا لا أستطيع الإجابة عن سؤال العنوان بـ«نعم» قاطعة. ما أراه هو أن طهران تلوّح بقدرتها على جعل المعبد الإقليمي أقل أمناً للجميع، في محاولة لمنع فرض تسوية عليها بالقوة وحدها. غير أن هذه الورقة تحمل خطرها الخاص: فكل هجوم جديد يزيد احتمال أن تتجاوز الأحداث حسابات من بدأها أو ردّ عليها. لن يُقاس نجاح أي تسوية بعدد السفن التي تعبر ليوم واحد، بل بقدرتها على إعادة الملاحة الآمنة وخفض التهديد المتبادل ومنع انتقال كلفة الصراع إلى حياة المدنيين في المنطقة وخارجها.
«هدم المعبد ليس نتيجة محتومة؛ إنه الخطر الذي يكبر كلما اعتقد كل طرف أن خصمه سيتراجع أولاً»


المراجع
- الأمم المتحدة، بيان بشأن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
- الأمم المتحدة، بيان الأمين العام بشأن سوريا، 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
- أسوشيتد برس، تطورات الضربات الأمريكية والإسرائيلية ومقتل علي خامنئي، 28 شباط/فبراير 2026.
- إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تقرير الممرات الاستراتيجية لنقل النفط، بيانات النصف الأول من 2025.
- المنظمة البحرية الدولية، سجل الحوادث المؤكدة في الشرق الأوسط حتى 24 أيلول/سبتمبر 2026.
- رويترز، تراجع عبور السفن الظاهرة في هرمز إلى ثلاث يوم 16 أيلول/سبتمبر 2026.
- أكسيوس، رواية المسؤولين الأمريكيين بشأن الزورقين والمسيّرة البحرية، 15 أيلول/سبتمبر 2026.
- تسنيم، بيان الحرس الثوري الإيراني بشأن الناقلة «ترند»، 18 أيلول/سبتمبر 2026.
- رويترز، حركة السفن والنفط عبر هرمز بعد الهجمات على خط النفط السعودي، 21 أيلول/سبتمبر 2026.
- رويترز، هجمات الحوثيين المعلنة على الرياض وينبع ورد التحالف، 19 أيلول/سبتمبر 2026.
- مذكرة مبادئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، 9 أيلول/سبتمبر 2023.
- رويترز، الشروط الإيرانية المعلنة لإعادة فتح هرمز، 22 أيلول/سبتمبر 2026.
- المنظمة البحرية الدولية، بيان بشأن حرية الملاحة وحماية البحارة في هرمز، 28 آب/أغسطس 2026.
سؤال المقال:هل يؤدي رفع كلفة الملاحة والطاقة إلى تسوية تحفظ أمن المنطقة، أم يفتح باب تصعيد يفقد أطرافه القدرة على ضبطه؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.