
لم تعد قضية شحنة المتفجرات التي ضُبطت في منطقة ضهر البيدر اللبنانية مجرد حادثة أمنية عابرة، ولا مجرد ملف يمكن إغلاقه ببيان سياسي أو تبرير إعلامي. إنها قضية تمس جوهر الدولة اللبنانية وسيادتها وقدرة مؤسساتها على فرض القانون على جميع القوى، مهما بلغت قوتها العسكرية أو نفوذها السياسي.في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أقرّ النائب عن حزب الله حسن فضل الله بأن شحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر تعود إلى الحزب، مدعياً أنها كانت مخصصة لاستخدامها ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وبحسب تقارير إعلامية، بلغت كمية المتفجرات المضبوطة نحو 780 كيلوغراماً، شملت مواد شديدة الخطورة، بينها مادة TNT والمتفجرات البلاستيكية C4.هذا الاعتراف يضع السلطات اللبنانية أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل: كشف جميع ملابسات الشحنة، وتحديد المسؤولين عن نقلها، ومعرفة وجهتها النهائية، والتحقيق في الغرض من استخدامها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.فالدولة التي تسعى إلى استعادة سيادتها لا تستطيع التعامل مع قضية بهذا الحجم وكأنها خلاف سياسي بين حزب وآخر. نحن أمام شحنة كبيرة من المواد المتفجرة، أقرّ حزب مسلح بملكيتها، في وقت يفترض فيه أن تكون قرارات الأمن والدفاع حكراً على المؤسسات الشرعية.أولاً: الاعتراف بملكية الشحنة يفرض تحركاً من الدولة
قال حزب الله إن المتفجرات كانت مخصصة لمواجهة إسرائيل. لكن هذا التبرير، بصرف النظر عن الجهة التي أطلقته، لا ينهي القضية ولا يعفي أحداً من المساءلة.
من الذي أصدر قرار نقل الشحنة؟ ومن أشرف على العملية؟ ومن كان سيستلمها؟ وما المسار الذي سلكته؟ وهل جرى نقلها تحت إشراف الدولة، أم ضمن منظومة عسكرية مستقلة عن مؤسساتها؟
هذه أسئلة جوهرية لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات.
إذا كانت الشحنة مخصصة لعملية عسكرية، فإن ذلك لا يمنح أي تنظيم حق نقل المتفجرات وتخزينها واستخدامها خارج سلطة الدولة. فاحتكار استخدام القوة المسلحة ليس تفصيلاً إدارياً، بل أحد أهم الشروط التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
وإذا كانت السلطات اللبنانية قد ضبطت الشحنة واعتقلت أشخاصاً على خلفية نقلها، فمن المنطقي أن يمتد التحقيق إلى جميع المستويات المرتبطة بالعملية، وألا يتوقف عند الأشخاص الذين نفذوا النقل ميدانياً.
من هنا، فإن المطلوب هو استدعاء نواب حزب الله المعنيين بالقضية والتحقيق معهم، واتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة بحق كل من تثبت مسؤوليته. كما يجب التحقيق في أي دور محتمل للقيادة العليا، بما فيها الأمين العام نعيم قاسم، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تثبت مسؤوليته.
فلا يجوز أن يتحول الموقع النيابي أو النفوذ السياسي إلى حصانة تحمي أي شخص من المساءلة.
«على الحكومة اللبنانية أن تكفّ عن التنصّل من مسؤولياتها، وأن تدفع حزب الله إلى نزع سلاحه.»
“بلال صعب — تشاتام هاوس؛ ترجمة عربية لمقتطف من التحليل الأصلي[1]”
ثانياً: حزب الله ليس مجرد حزب سياسي مختلف عليه
من الخطأ النظر إلى حزب الله باعتباره حزباً سياسياً لبنانياً عادياً يقتصر دوره على المشاركة في الانتخابات والبرلمان والحكومة. فالحزب يمتلك بنية عسكرية مستقلة، وله تاريخ طويل من التدخل في صراعات المنطقة، كما أدرجته الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى على قوائم الإرهاب، مع اختلاف نطاق التصنيفات بين الدول؛ إذ تصنف بعض الدول التنظيم بأكمله، فيما تقتصر بعض التصنيفات الأخرى على جناحه العسكري.
وهنا ينبغي التأكيد أن القضية ليست حول حق اللبنانيين في اختيار ممثليهم السياسيين، ولا حول انتماء أي مواطن إلى طائفة أو جماعة. القضية تتعلق بتنظيم يمتلك السلاح خارج مؤسسات الدولة، ويشارك في قرارات الحرب والسلم، ويمتد نشاطه إلى ساحات خارج الحدود اللبنانية.
لا يجوز أن تكون المشاركة في البرلمان غطاءً سياسياً لبنية عسكرية مستقلة، ولا أن تتحول الشرعية الانتخابية إلى حصانة تمنع التحقيق والمحاسبة.
إن النائب الذي يمارس العمل السياسي يتمتع بحقوقه الدستورية، لكنه لا ينبغي أن يكون فوق القانون إذا ارتبطت به وقائع تستدعي التحقيق. وكذلك فإن الأمين العام لأي تنظيم، مهما بلغ نفوذه، ليس بمنأى عن الإجراءات القضائية التي يجيزها القانون.
الدولة اللبنانية، إن أرادت استعادة ثقة مواطنيها، مطالبة بإثبات أن مؤسساتها أقوى من أي تنظيم مسلح، وأن العدالة لا تتوقف عند أبواب المقرات الحزبية.
“رامز نجيب السيد“
ثالثاً: من سوريا إلى اليمن… التدخلات الإقليمية وتكلفة الحروب
لا يمكن فهم أزمة السلاح في لبنان بمعزل عن الدور الإقليمي الذي أداه حزب الله على مدى سنوات.
في سوريا، تدخل الحزب عسكرياً إلى جانب نظام بشار الأسد، وشارك في العمليات القتالية خلال الحرب السورية. وقد أقر حسن نصر الله علناً بوجود مقاتلي الحزب في سوريا ودعم النظام آنذاك.
بالنسبة إلى السوريين الذين عانوا القمع والاعتقال والتهجير، لم يكن هذا التدخل نقاشاً نظرياً حول التحالفات الإقليمية، بل جزءاً من واقع حرب مدمرة دفعت ثمنها ملايين العائلات.
لقد أسهم التدخل العسكري الخارجي في تعقيد الصراع السوري، وعمّق الانقسامات، وزاد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية. ولا يمكن مطالبة السوريين بنسيان هذه الوقائع لمجرد أن التنظيم الذي تدخل في بلادهم يرفع شعار المقاومة في مكان آخر.
أما في اليمن، فقد تناولت تقارير رسمية أميركية التعاون العسكري بين حزب الله وإيران والحوثيين، بما في ذلك اتهامات بتقديم التدريب والدعم. وتزامن ذلك مع تصاعد القدرات العسكرية للحوثيين وشن هجمات على أهداف سعودية.
ولا يعني ذلك أن كل عملية نفذها الحوثيون يمكن نسبتها تلقائياً إلى حزب الله، لكن الدعم والتدريب والتعاون العسكري الإقليمي مسائل جدية تستحق التوثيق والمساءلة.
وهنا يبرز سؤال أساسي: ما علاقة تنظيم لبناني مسلح بأمن اليمن والسعودية، ولماذا تتحول قدراته العسكرية إلى جزء من صراعات تتجاوز الحدود اللبنانية؟
إذا كان الهدف المعلن هو حماية لبنان، فكيف يمكن تبرير الانخراط في حروب إقليمية تزيد من عزلة البلاد، وتعرض مواطنيها ومصالحها الاقتصادية للخطر، وتضع علاقاتها مع الدول العربية أمام أزمات متكررة؟
إن السيادة لا يمكن أن تكون انتقائية. فلا معنى للمطالبة باحترام سيادة لبنان، مع تجاهل حق الدول الأخرى في حماية أمنها من التدخلات العسكرية التي تنطلق من خارج حدودها.
«إن أسلحة حزب الله تخضع اليوم فعلياً لسيطرة إيران.»
“مايكل يونغ — مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط؛ ترجمة عربية لمقتطف من التحليل الأصلي [2]”
رابعاً: الكويت والخليج… الأمن الوطني ليس مجالاً للمغامرات الحزبية
شهدت دول الخليج، ومنها الكويت، قضايا أمنية وتحقيقات تتعلق بخلايا وشبكات اتُّهمت بالارتباط بحزب الله أو بالتعاون معه. وقد أثارت هذه القضايا مخاوف جدية بشأن امتداد النشاط التنظيمي إلى خارج لبنان.
ومن الضروري التمييز بين الوقائع القضائية المثبتة والاتهامات التي تختلف تفاصيلها من قضية إلى أخرى. لكن المبدأ واضح: لا يحق لأي تنظيم خارجي إنشاء شبكات أمنية أو تقديم دعم عسكري أو التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى بعيداً عن قوانينها ومؤسساتها.
إن العلاقات بين لبنان ودول الخليج لا ينبغي أن تكون رهينة حسابات تنظيم مسلح. فاللبنانيون العاملون في الخليج، والاقتصاد اللبناني، والعلاقات الاجتماعية والتاريخية بين الشعوب، جميعها تتضرر عندما تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد لصراعات إقليمية لا يملك المواطن اللبناني قرارها.
ولذلك، فإن استعادة الدولة اللبنانية لقرارها الأمني والسياسي ليست مطلباً لبنانياً داخلياً فحسب، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة العربية بلبنان، وحماية مصالح شعبه، ومنع استخدام أراضيه منصةً لصراعات الآخرين.
خامساً: أمريكا اللاتينية وشبكات المخدرات وغسل الأموال
من الملفات التي تستحق اهتماماً خاصاً الاتهامات والتحقيقات المتعلقة بشبكات التمويل غير المشروع المرتبطة بحزب الله في أمريكا اللاتينية، ولا سيما في مجال تهريب المخدرات وغسل الأموال.
تناولت تقارير للكونغرس الأميركي ووزارة الخزانة الأميركية وشهادات مسؤولين في مكافحة المخدرات شبكات مالية وتجارية عابرة للحدود، واتصالات بين وسطاء مرتبطين بالحزب وشبكات اتجار بالكوكايين وغسل عائداته.
ومن الأمثلة التي تناولتها السلطات الأميركية قضية أيمن جمعة، الذي اتُّهم بإدارة شبكة واسعة لتهريب الكوكايين وغسل الأموال، وبوجود صلات مالية مع أشخاص مرتبطين بحزب الله.
تناولت تقارير أميركية دور مؤسسات مالية وشركات ووسطاء في نقل عائدات أنشطة غير مشروعة بين أمريكا اللاتينية وغرب أفريقيا والشرق الأوسط.
هذه الوقائع لا تبرر إطلاق حكم شامل بأن كل نشاط تجاري أو كل لبناني في أمريكا اللاتينية مرتبط بالجريمة، ولا تعني أن كل اتهام يمثل إدانة قضائية نهائية. لكنها تؤكد أن التحقيق في مصادر التمويل والشبكات المالية العابرة للحدود ضرورة أساسية لفهم كيفية تمويل التنظيمات المسلحة.
فالتنظيم المسلح لا يحتاج إلى السلاح وحده، بل يحتاج أيضاً إلى المال ووسائل نقله وشبكات تجارية ومالية تستطيع إخفاء مصدر الأموال ووجهتها.
ومن هنا، فإن مكافحة الإرهاب لا تكتمل بمصادرة المتفجرات أو ملاحقة المسلحين فقط، بل تتطلب أيضاً كشف مصادر التمويل غير المشروع، وتبادل المعلومات بين الدول، ومحاسبة كل من تثبت مشاركته في غسل الأموال أو تمويل الأنشطة الإجرامية.
هذا الملف يستوجب تحقيقات مهنية مستقلة، لا حملات إعلامية تعتمد على الاتهامات العامة. فالأدلة المالية والوثائق القضائية هي الطريق الصحيح لكشف الشبكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
“رامز نجيب السيد“
سادساً: اغتيال رفيق الحريري وجرح العدالة اللبنانية
لا يمكن الحديث عن حزب الله وسلاحه خارج الدولة من دون التوقف عند اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005.
كان اغتيال الحريري نقطة تحول كبرى في تاريخ لبنان الحديث، وأحدث صدمة واسعة داخل البلاد وخارجها. وبالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، مثّل الرجل مشروعاً لإعادة بناء لبنان وتعزيز اقتصاده ومؤسساته بعد سنوات الحرب الأهلية.
وقد انتهت المحكمة الخاصة بلبنان إلى إدانة سليم جميل عياش في القضية، ثم أدانت ثلاثة متهمين آخرين في أحكام لاحقة مرتبطة بالاغتيال. ومن المهم قانونياً التمييز بين إدانة أفراد محددين وبين صدور حكم يدين الحزب كله بوصفه كياناً، لكن هذه الأحكام لا تقلل من خطورة الجريمة ولا من حق اللبنانيين في معرفة الحقيقة كاملة.
لقد بقي اغتيال الحريري جرحاً مفتوحاً في الذاكرة اللبنانية، ودليلاً على الثمن الذي قد تدفعه الحياة السياسية عندما تتداخل القوة المسلحة مع الصراع على السلطة.
إن العدالة في هذه القضية لا تتحقق بالنسيان، ولا باستخدامها شعاراً ضد الخصوم فقط، بل باحترام الأحكام القضائية، ومواصلة كشف الحقائق، ورفض الإفلات من العقاب في أي جريمة سياسية.
وبالنسبة إليّ، فإن رفيق الحريري هو أحد أبرز صانعي لبنان الحديث، واغتياله جريمة تركت أثراً عميقاً في مستقبل البلاد. وأفضل وفاء لذكراه هو بناء دولة تحترم القانون وتحمي المواطنين وتمنع تكرار الاغتيالات والإفلات من العقاب.
سابعاً: الجنوب اللبناني يدفع ثمن السلاح والحروب
من أكثر المفارقات إيلاماً أن أبناء جنوب لبنان، الذين يُقال إن السلاح موجود لحمايتهم، كانوا بين أكثر المتضررين من الحروب المتكررة.
فقد تعرضت قرى وبلدات جنوبية للدمار، واضطرت عائلات كثيرة إلى مغادرة منازلها، وتضررت مصادر رزق المزارعين وأصحاب المتاجر والعمال. ومع كل تصعيد عسكري، يجد المدنيون أنفسهم أمام خطر الموت أو النزوح أو خسارة ما بنوه خلال سنوات طويلة.
إن المسؤولية عن هذه المأساة لا يجوز اختزالها في طرف واحد أو تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال الأراضي اللبنانية. فإسرائيل تتحمل مسؤولية أفعالها وانتهاكاتها، كما أن استمرار الاحتلال والهجمات على المدنيين يستوجب الإدانة والمحاسبة.
لكن الاعتراف بحق لبنان في الدفاع عن أرضه لا يعني منح أي تنظيم سلطة مطلقة لتحديد متى تبدأ الحرب وكيف تنتهي، ولا إعفاءه من مسؤولية القرارات التي يتخذها.
إن السؤال الحقيقي هو: هل أصبحت حياة سكان الجنوب رهينة معادلة عسكرية لا يملكون التحكم بها؟
وما قيمة أي خطاب عن التحرير إذا كان المدنيون يدفعون باستمرار ثمن المواجهات، بينما يبقى قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية؟
لا يمكن بناء سلام مستدام في لبنان ما لم تُستعد سلطة الدولة، ويُحمَ المدنيون، وتُنفذ الالتزامات المتعلقة بوقف الأعمال العدائية، وتُعالج مسألة الاحتلال والسلاح ضمن إطار قانوني وسياسي واضح.
ثامناً: ماذا يجب على الدولة اللبنانية أن تفعل الآن؟
إن قضية ضهر البيدر تتيح للدولة فرصة لإثبات جديتها، بشرط ألا تتحول التحقيقات إلى إجراء شكلي ينتهي عند الأشخاص الذين نُفذت عملية النقل بأيديهم.
المطلوب هو:
- استكمال التحقيق القضائي والأمني في مصدر الشحنة، ومسار نقلها، والجهة التي أصدرت الأوامر، والوجهة النهائية، والغرض من استخدامها.
- استدعاء نواب حزب الله المعنيين بالقضية والتحقيق معهم في ضوء التصريحات والوقائع ذات الصلة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من تثبت مسؤوليته.
- التحقيق في مسؤولية القيادة التنظيمية، بما فيها نعيم قاسم وسائر القيادات المعنية، إذا كشفت الأدلة عن صلتهم بالعملية، وتطبيق الإجراءات القضائية المقررة بحقهم.
- منع نقل السلاح والمتفجرات خارج سلطة الدولة، وتطبيق القرارات الحكومية والقوانين اللبنانية على جميع التنظيمات والأفراد من دون استثناء.
- كشف شبكات التمويل والتهريب التي قد ترتبط بالنشاط العسكري غير الشرعي، بالتعاون مع الجهات القضائية والمالية المختصة في لبنان والدول الأخرى.
- ضمان استقلال القضاء وحماية التحقيق من التدخلات السياسية والضغوط الحزبية، ونشر النتائج التي يسمح القانون بإعلانها للرأي العام.
إن اعتقال أي شخص يجب أن يستند إلى الصلاحيات والإجراءات القانونية المقررة، لكن هذه القاعدة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتعطيل التحقيق أو توفير حماية سياسية لمن يشتبه في تورطه.
فالعدالة لا تعني الاعتقال العشوائي، كما أنها لا تعني ترك المسؤولين المحتملين خارج المساءلة بسبب نفوذهم. العدالة تعني أن تتحرك المؤسسات، وأن تتبع الأدلة، وأن تطبق القانون على الجميع.
«العدالة تعني أن تتحرك المؤسسات، وأن تتبع الأدلة، وأن تطبق القانون على الجميع.»
“رامز نجيب السيد“
تاسعاً: هل يستطيع لبنان أن يصبح دولة فعلاً؟
إن أزمة لبنان ليست أزمة شحنة متفجرات فقط، ولا خلافاً حول حزب بعينه. إنها أزمة مفهوم الدولة نفسه.
الدولة هي التي تقرر الحرب والسلم، وهي التي تمتلك سلطة السلاح، وهي التي تحمي الحدود وتضمن الأمن وتخضع مؤسساتها للقانون. أما عندما توجد قوة مسلحة تمتلك قراراً مستقلاً وتستطيع فرض خياراتها على المجتمع، فإن الدولة تصبح ناقصة السيادة، مهما امتلكت من مؤسسات وأعلام وخطابات رسمية.
ولا يمكن بناء دولة حديثة على قاعدة أن هناك مواطنين يخضعون للقانون، وآخرين يتمتعون بحصانة غير مكتوبة بسبب انتمائهم السياسي أو امتلاكهم القوة.
إن مستقبل لبنان لا ينبغي أن يظل رهينة التوازنات المسلحة أو الصراعات الإقليمية. فالشعب اللبناني يستحق دولة تحميه، واقتصاداً يتيح له العمل والعيش بكرامة، وعلاقات عربية ودولية قائمة على الاحترام المتبادل، وقضاءً يستطيع التحقيق في أي قضية من دون خوف.
كما أن استعادة سيادة لبنان لا تعني الخضوع لإسرائيل أو تبرير احتلالها، بل تعني بناء دولة قادرة على الدفاع عن أرضها وشعبها عبر مؤسساتها الشرعية، وعلى المطالبة بحقوقها بالوسائل السياسية والقانونية والدبلوماسية، من دون أن يتحول البلد إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.
«يدعم المواطنون الدولة عندما يتلقّون الحماية والخدمات من دون وساطة حزبية.»
“جوزيف ضاهر، سامي زغيب، سامي عطا الله — مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية؛ ترجمة عربية لمقتطف من التحليل الأصلي [3]”
الخاتمة: لا دولة فوق السلاح، ولا سلاح فوق الدولة
إن اعتراف حزب الله بملكية شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر يضع السلطات اللبنانية أمام اختبار حقيقي. فإما أن تثبت الدولة أن القانون يسري على الجميع، وإما أن تتكرس مجدداً صورة الدولة التي تتعايش مع قوة مسلحة تتجاوز سلطتها.
إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالاستنكار، ولا تبادل البيانات، ولا تحويل القضية إلى سجال إعلامي. المطلوب تحقيق جاد، ومحاسبة واضحة، وكشف كامل للوقائع، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق جميع المسؤولين.
كما أن على لبنان أن يراجع التجربة الطويلة التي ربطت مصيره بتدخلات عسكرية إقليمية، من سوريا إلى اليمن، وأن يتعامل بجدية مع الملفات المتعلقة بشبكات التمويل غير المشروع والتهريب، وأن يعيد بناء علاقاته العربية على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
«لا سيادة مع سلاح خارج سلطة الدولة، ولا عدالة مع الإفلات من المحاسبة، ولا مستقبل للبنان ما لم تصبح الدولة أقوى من كل الأحزاب والتنظيمات.»
“رامز نجيب السيد“
إن لبنان لا يحتاج إلى تنظيم يقرر عنه متى يحارب، ولا إلى قوة مسلحة تفرض عليه أثمان قراراتها. إنه يحتاج إلى دولة تحمي الجنوب وسائر المناطق، وتعيد المهجّرين إلى بيوتهم، وتضمن أن السلاح وقرار الحرب والسلم يخضعان للمؤسسات الشرعية.
فالسؤال الذي يجب أن يواجه اللبنانيين اليوم واضح: إذا كانت الدولة لا تتحرك أمام شحنة بهذا الحجم، وبعد اعتراف علني بملكيتها، فمتى تتحرك؟
لبنان ليس ملكاً لحزب الله، ولا لأي تنظيم مسلح. لبنان ملك شعبه.


مراجع المقال
- بلال صعب، Lebanon’s moment of truth، تشاتام هاوس، 9 يوليو/تموز 2025؛ تحديث 14 أغسطس/آب 2025. ↩
- مايكل يونغ، Hezbollah’s Margin is Tightening، مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، 6 أغسطس/آب 2025. ↩
- جوزيف ضاهر، سامي زغيب، سامي عطا الله، Can Lebanon Disarm Hezbollah Without First Rebuilding the State?، مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، 2025. ↩
سؤال المقال
ما الخطوة الأهم لاستعادة سيادة الدولة اللبنانية على السلاح وقرار الحرب والسلم؟
- تحقيق قضائي مستقل ومساءلة جميع المسؤولين.
- تنفيذ خطة وطنية لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
- إعادة بناء مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية المواطنين.
- تحقيق تقدم متزامن في المسارات الثلاثة.








نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.