

يا شرع، كيف بدنا نعيش؟ سؤال لا يحتاج إلى خبير كي يفهمه، ولا إلى مؤامرة كي يخرج من أفواه الناس. يحتاج فقط إلى راتب ينتهي قبل نهاية الشهر، وفاتورة لا يمكن دفعها، وأب يحسب ما سيحذفه من حاجات أولاده. لهذا أرى في احتجاجات السوريين اعتراضاً أوسع من الاعتراض على سعر المازوت. الناس تريد أن تعرف لماذا يُطلب منها الصبر دائماً، بينما لا ترى من السلطة استعداداً مماثلاً للمراجعة والمحاسبة. ومن خرج على الاستبداد لم يخرج كي يستبدل به سلطة جديدة تغضب من السؤال نفسه.
في أيلول 2026، فجّرت زيادات أسعار الوقود احتجاجات في مناطق سورية عدة. والحكومة تبررها بارتفاع تكاليف التأمين والاستيراد وتعطل جزء من قدرة التكرير. هذه أسباب ينبغي فحصها بجدية، لكنها لا تعفي الحكومة من شرح بدائلها وحماية من لا يستطيع تحمّلها. فالمازوت يدخل في سقاية الأرض، وتشغيل الورشة، ونقل العامل والخضار والخبز. وحين يرتفع سعره، يواجه المواطن الزيادة مرات عدة في يومه. ماذا يفعل الفلاح إذا عجز عن تشغيل مضخة الماء؟ وكيف يستمر الموظف إذا صارت أجرة الطريق تلتهم دخله؟ لا يكفي إبلاغهما بأن الظروف معقدة؛ هما يعيشان هذا التعقيد كل صباح. arabnews.com
ويشتد الغضب حين يشعر الناس بأن التقشف مطلوب منهم وحدهم، وأن القرب من الجماعة الحاكمة أهم من الخبرة والكفاءة. في سورية كفاءات داخل البلاد وخارجها، ومن حقها أن تعرف معايير التعيين والأجور والعقود. لا أحتاج إلى تبني أرقام غير مثبتة عن امتيازات المسؤولين لأطالب بنشرها. افتحوا الحسابات، وأعلنوا كلفة الإدارة ومخصصاتها، ومعايير الرواتب، وحسابات شراء الوقود وتسعيره. وجود النفط في الشرق لا يعني تلقائياً كفاية المشتقات أو سهولة تكريرها، لكنه يجعل سؤال أهله عن نصيبهم من الخدمات والتنمية سؤالاً مستحقاً. وعلى الدولة أيضاً أن تحسم مستحقات المزارعين بشفافية ومواعيد معلنة؛ فمن ينتظر ثمن محصوله لا يستطيع زراعة الموسم التالي بالوعود.
احتجاجات السوريين بين الوعود ولقمة العيش
لقد تعب السوريون من الأخبار الكبيرة التي لا يعرفون طريقها إلى حياتهم. نسمع عن استثمارات وممرات تجارية واتفاقيات، ونريد لها أن تنجح. لكن مذكرة التفاهم لا تصبح مصنعاً يوم توقيعها، والتمويل الموعود لا يصبح أجراً في يد العامل. وحتى الأرقام الاقتصادية تحتاج إلى احترام عقول الناس: حجم الاقتصاد شيء، وإيرادات الموازنة شيء آخر، والاستثمارات المعلنة شيء ثالث. لا يصح خلطها للتشكيك، ولا يصح خلطها للتبشير بازدهار لم يصل. دعوا أهل الاختصاص يشرحون ما تحقق، وما تعثر، وما يمكن إنجازه، بموعد ومسؤولية واضحين.
أعرف أن الشرع لم يصنع كل خراب سورية، وأن بلداً أنهكته الحرب لا ينهض خلال أشهر، وأن التمويل الخارجي لا يأتي بمجرد الرغبة فيه. لكن هذا يفسر صعوبة المهمة ولا يبرر احتكارها. لماذا تُواجه الأزمة بعقلية الدائرة الضيقة؟ ولماذا يتسع خطاب الشراكة كلما ابتعدنا عن توزيع القرار؟ انتقاد الحكومة لا يستهدف السنّة، مثلما أن انتقاد فصيل لا يستهدف ديناً أو جماعة أهلية. لا أحد يملك حق تحويل طائفته إلى حصانة سياسية، ولا حق تخويف الناس بأن الاعتراض على الحاضر يعيدهم حكماً إلى الأسد. السوريون يستحقون مستقبلاً أوسع من هذين الخيارين.
احتجاجات السوريين وسؤال السلطة: من يحتوي مَن؟
وأرفض اختزال الاحتجاج في يد خفية تحركه، إلى أصل المشكلة. يُراهن على الشرع بوصفه قادراً على احتواء الجماعات المسلحة ذات الخلفية الجهادية، ونقلها من الفصيل إلى الدولة. لكن هل يجري هذا التحول فعلاً؟ هل صار القانون أعلى من رابطة السلاح والولاء، أم أن الحفاظ على تماسك الجماعة ما زال يسبق بناء المؤسسة؟ كلما تأخرت المحاسبة أو ضاقت المشاركة، عاد السؤال بإلحاح: هل يقود الشرع هذه الجماعات إلى الدولة، أم أنها تحدد له حدود التغيير المسموح؟ لا أدّعي معرفة ما يدور في الغرف المغلقة، لكن امتحان هذه القدرة واضح: إبعاد المتورط، ومحاسبة صاحب النفوذ، وإتاحة المنصب للكفء من خارج الحلقة الموثوقة.
لا يجوز أن تتحول الدولة إلى مكافأة لمن أوصلوا حاكمها إلى السلطة. والانضباط لا يثبت بتغيير أسماء التشكيلات أو ارتداء الزي الرسمي؛ يثبت حين يخضع القائد والعنصر للقضاء نفسه. ما وقع في الساحل والسويداء، وما وُثق من انتهاكات ارتكبتها قوات حكومية وجماعات متحالفة معها، يفرض أسئلة عن المسؤولية القيادية وضمانات عدم التكرار. لا تكفي إدانة عامة إذا بقي المتضرر خائفاً من الشكوى. ولا يمكن مطالبة مجتمع مجروح بالثقة قبل أن يرى تحقيقاً مستقلاً، وعدالة لا تتوقف عند هوية الضحية أو قرب المتهم من السلطة. Human Rights Watch
والأمر نفسه ينطبق على السياسة. تركّز الصلاحيات في الرئاسة وضعف الرقابة في الترتيبات الانتقالية مشكلتان موثقتان. ولذلك لا تبدو إقالة وزير، مهما كانت ضرورية، جواباً كافياً عن طريقة اتخاذ القرار. من يختار الفريق ويوجه السياسات يتحمل مسؤوليتهما. نحتاج إلى مجلس يستطيع مساءلة السلطة، وقضاء يحمي صاحب الشكوى، وحكومة تتسع لشركاء يملكون رأياً وصلاحية. تعدد الأسماء والخلفيات لا يكفي إذا ظل القرار محصوراً في جهة واحدة. Human Rights Watch
الاعتراض حق وليس مؤامرة
وأرفض اختزال الاحتجاج في يد خفية تحركه. قد يحاول مستفيدون ركوب أي غضب، وقد تنتشر مقاطع قديمة بوصفها جديدة؛ وهذا يستلزم التحقق، ولا يلغي أصل المعاناة. من يطالب بخبزه لا يحتاج إلى شهادة ولاء. ومن يستحضر الماضي يأساً يستحق جواباً عن حاضره، لا درساً يساوي بين شكواه وتبرئة الاستبداد. والأهم أن لا يُدفع الغضب إلى خصومة بين السوريين. حماية العلوي والدرزي والكردي والسنّي والمسيحي مسؤولية واحدة، وأي سلطة تعجز عن طمأنتهم معاً تترك منافذ مفتوحة للخوف والتدخل الخارجي.
أما العلاقات الخارجية، فميزانها مصلحة سورية وقدرتها على القرار. لا أرى في التقارب مع تركيا، أو واشنطن، أو الدول العربية مشكلة بحد ذاته؛ المشكلة أن تتحول الحاجة إلى الدعم إلى اعتماد يضعف مساءلة الحاكم في الداخل. لا يجوز أن تصبح السوق السورية تعويضاً عن خسائر الآخرين بينما يُترك المنتج المحلي عاجزاً عن المنافسة. والعقود والوجود العسكري والتفاهمات الأمنية تحتاج إلى إعلان ورقابة. السوري الذي يتحمل نتائجها أحق بمعرفة شروطها ممن يسمع بها من التسريبات.
احتجاجات السوريين وقلق السيادة: والجنوب إلى أين؟
هنا يتضاعف القلق. السوري متعب في بيته، وخائف أيضاً على الأرض التي يفترض أن يعود إليها آمناً. لا أستطيع وصف موقف السلطة بأنه صمت كامل؛ فالشرع أعلن إدانة الاعتداءات الإسرائيلية، وتحدث عن مسار تفاوضي وعن ضرورة حماية حقوق السوريين. لكن الاعتراض على ضعف أثر هذا الموقف مشروع: ماذا تغير بالنسبة إلى الأهالي الذين يعيشون تحت تهديد التوغل والاعتقال؟ وما الذي يمنع بقاء السيطرة العسكرية وتحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع طويل الأمد؟ البيانات وحدها لا تجيب عن هذه الأسئلة. mobil.aa.com.tr
لا أطالب بإرسال بلد منهك إلى حرب لا يستطيع تحمّلها. أطالب بسياسة يراها الناس: توثيق الانتهاكات، وملاحقة ملف المعتقلين، ودعم صمود السكان، وتحرك دبلوماسي وقانوني متواصل، وشرح ما يجري في التفاوض وما ترفضه دمشق وما تطلبه من ضمانات. لا يجوز أن يكون تجنب الحرب اسماً آخر لقبول التوسع. ولا يصح أن يشعر المواطن بأن السلطة أسرع إلى مطالبته بالانضباط منها إلى طمأنته على أرضه وحقوقه. فسلامة الجغرافيا السورية مرتبطة بحياة أهلها وذاكرتهم وحقهم في البقاء، وليست ملفاً أمنياً منفصلاً عنهم.
ماذا لو استمر تجاهل المطالب؟
أخشى أن تتحول احتجاجات السوريين على ضيق المعيشة إلى مساءلة سياسية أشمل إذا استمر التعامل معها بالتأجيل أو الاتهام. وقد يؤدي القمع إلى توسيع الغضب، مثلما قد يدفع تراجع الثقة بعض المجتمعات إلى الانكفاء والبحث عن حمايات تزيد تفكك البلاد. ومع استمرار الضغط الإسرائيلي، يمكن أن يصبح الضعف الداخلي فرصة لفرض ترتيبات تنتقص من السيادة. هذه احتمالات ينبغي العمل لمنعها، لا نبوءة بحتمية الانفجار. وما زال باب المراجعة مفتوحاً: إجراءات معيشية ملموسة، ومشاركة فعلية، وعدالة تخضع لها الجماعة الحاكمة قبل أن تطلب من الآخرين الثقة بها.
يا شرع، حين يسأل الناس «كيف بدنا نعيش؟» فهم يمنحونك فرصة للإجابة قبل أن يسألوا لماذا تستمر هذه الطريقة في الحكم. لا تُضعها بتغيير الوجوه وإبقاء القرار كما هو. أثبت أنك تستطيع محاسبة من استندت إليهم، وأن للسوري المعترض مكاناً آمناً في بلده. فالبلاد لا تحتمل أن يضيق العيش على أهلها، ثم تضيق عليهم أرضهم أيضاً. وما أخشاه على سورية أن يطول انتظار الإنصاف في الداخل، بينما يتقدم الاحتلال في الخارج.


مراجع التحقق
[1] Arab News، «وزير الطاقة السوري يدافع عن زيادة أسعار الوقود وسط احتجاجات على تكاليف المعيشة»، 17 أيلول 2026: https://www.arabnews.com/middle-east/syria-minister-defends-fuel-price-hike-amid-protests-over-rising-costs-3002090
[2] هيومن رايتس ووتش، «مساهمة في الاستعراض الدوري الشامل للجمهورية العربية السورية»، 16 تموز 2026؛ بشأن الصلاحيات الانتقالية والمساءلة عن الانتهاكات: https://www.hrw.org/news/2026/07/16/submission-to-the-universal-periodic-review-of-syrian-arab-republic
[3] الأناضول، تصريحات الشرع عن التفاوض مع إسرائيل والتوغلات والأراضي السورية، 23 أيلول 2026؛ مرجع لموقفه المعلن: https://mobil.aa.com.tr/en/middle-east/syria-israel-talks-near-90-agreement-before-israel-pulled-back-sharaa/4065649
سؤال المقال:
هل تستطيع سلطة أحمد الشرع الاستجابة لمطالب السوريين وإخضاع جماعاتها للقانون، قبل أن يتداخل الغضب المعيشي مع الخوف على وحدة البلاد وسيادتها؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.