
أصدر وزير النقل قراراً بتعيين المهندس غزوان جبر مديراً للهيئة العامة للسكك الحديدية في عاصمة بلدٍ ما. والمهندس غزوان لا يطاوعه قلبه على فراق سائقه الخاص عبود، لمهاراته في القيادة – ولظرافته أيضاً. وقد رحَّب عبود نفسه بفرصة العيش في العاصمة والاستمرار في خدمة المهندس غزوان.
كان الطريق إلى العاصمة مليئاً بالحفر الغارقة في الماء والطين، ولم يكن عبود ليغامر باقتحامها بسيارته المتواضعة التي لا بد أن يودِّعها في مرآب الهيئة العامة للسكك الحديدية ويستلم واحدةً أفخم منها حين يتسنَّم المهندس غزوان منصبه الجديد. لذلك، كلما رأى حفرة قال لمديره، “بعد إذنك، أستاذ، سأبتعد عن هذه المِرْطيسة.” سمع غزوان كلمة “مِرْطيسة” عدة مرات، لكنه لم يسأل عبود عن معناها، ظناً منه أنها من ابتكارات سائقه إذا أراد أن يتظارف. لكن الفضول غلبه أخيراً، فقال له عبود، “المِرطيسة – والياء فيها تُلفظ كالألف المائلة، سيدي – حفرةٌ أو بِرْكَة تمتلئ ماءً وطيناً إذا نزل مطرٌ غزيرٌ أو فاضت السواقي. وغيرُنا من الأعراب يسمونها طابوسة. ولعلمك، يا أستاذ، هناك كائنات تعشق التمرغ في هذه المِرْطيسات.”
- أي كائنات، يا عبود؟
- كائنات أَلِفَت التمرغ والزحف، سيدي!
- ولِمَ تفعل ذلك؟
- إما طلباً للابتراد وإما للتخلص من حَكَّة القُراد وسواها من العَنكبيات والطفيليات.
لم يشأ غزوان أن يظهر بمظهر الجاهل أمام سائقه ذي الخيال الريفي الخصب، فاكتفى بالصمت عن سؤاله لمزيد من الإيضاح. ورويداً رويداً، رسخت في خياله صورة كائنات تتمرغ وأخرى تزحف. انكمش على نفسه في البداية وهو يرى تلك الكائنات والزواحف تغزو خياله المُتَقِّد. ثم أبعدها بحركة عصبية عفوية من يده كأنه يريد كنسها من أمام ناظريه. انتبه عبود لتلك الحركة، لكنه التزم الصمت.
خلا الطريق من المِرطيسات، وازدادت الخضرة على جانبي الطريق، فشعر المهندس غزوان بالسكينة، وتَسَرَّبَ إلى جسده خَدَرٌ لذيذٌ كذلك الإحساس الذي ينتابه قُبَيل النوم.
- هل تظن، يا سيدي، أن سكك القطارات تغمرها المِرطيسات أيضاً كشوارع مدننا والطرق بين محافظاتنا؟
- يبدو لي، يا عبود، أن قضية المِرطيسات أعمق من أن أتحدث عنها وأنا لم أسمع بها إلا منذ دقائق.
***
في مقر الهيئة العامة للسكك الحديدية تحدث المدير الجديد حديثاً مختصراً مفيداً مدة 10 دقائق عن ضرورة تكاتف جميع الموظفين للارتقاء بالخدمة إلى مستوى البلدان المجاورة وبما يليق بالوطن الجديد. ثم فُتِح باب المداخلات، فنطَّ مدير العمليات في الهيئة العامة للسكك الحديدية واقفاً. جاؤوا له بالمايك، فإذا به يُخْرِج من جيبه أعجوبةً للناظرين. كان مدير العمليات قد صمم مايكاً بنفسه، وخبأه لهذه المناسبة، وأخفاه عن المدير السابق، نكايةً به. كان رأس المايك، الذي يشبه رأس قطار، يتمفصل مع مقبض فيه أربعة ثقوب – كالمَطاوي التي يحملها زُعران لاس فيغَس – وتتيح للمتحدث أن يُدخِل أصابعه الأربعة فيها، ويُحْكِم قبضته على المايك بحيث لا يستطيع إلا ذو عزم شديد أن ينتزعه منه.

كالَ مدير العمليات للمدير الجديد من الألقاب أكثر مما قال ابن بطوطة بحق السلطان أبي عنان المَريني. ثم لخص حديثَ المدير لزملائه الذين غشيهم النعاسُ أو كانوا يتلهَّوْنَ عن حديث مديرهم بإرسال رسائل واتس أب لزوجاتهم أو عشيقاتهم. استغرق تعقيبُه ربع ساعة.
وقبل أن يفرغ المُعَقِّب الأول من دلق مكنونات قريحته، نطَّ معقِّبٌ ثانٍ يريد أن يتلقَّف المايك من مدير العمليات تلقُّفَ المُحب الوامِق. بدا له الانتظار كأنه مسيرُ الدهر على الصراط، ولما تناول المايك تكلم مدة ثلث ساعة: 5 دقائق لابتكار ألقاب جديدة تليق بالمدير الجديد؛ 10 دقائق لتلخيص حديث المدير العام ثم شرح تعقيب مدير العمليات والتعقيب عليه؛ 5 دقائق للحديث على شاكلة مصطفى بكري وإلهام شاهين في مديح الطغاة. لقد أراد هذا المتحدث الثاني أن يعوض عما فاته من عبقرية هندسية بفائض من العبقرية اللغوية.
سَرَت في الجمهور عدوى الإمساك بالمايك الأعجوبة، فأومأ المديرُ إلى عبود، مُبْدياً رغبته في مغادرةِ القاعة – وتَرْكِ الكائنات الزاحفة في القاعة تتنافس على الخوض في مِرْطيسة – أو طابوسَة – الخَطابة.








