في البدء: حين يصادر الاستبداد الذاكرة
عندما جئت إلى هذه الحياة، كانت سوريا تعيش السنوات الأخيرة من عهد حافظ الأسد؛ ذلك العهد الذي لم يكتف بالاستيلاء على الدولة، بل حاول الاستيلاء على الذاكرة أيضاً. فقد جرى اختزال الوطن كله في شخص الحاكم، واختزال التاريخ السوري في سردية رسمية فقيرة ومصطنعة، لا ترى من البلاد إلا ما يمر عبر صورة الأسد وخطابه وأجهزته.
ومع انتقال الحكم بالوراثة إلى بشار الأسد، كان الوعي السوري قد بدأ يتلمس حجم الخديعة. لم تكن المشكلة في شخص الحاكم وحده، بل في نظام كامل عمل على قطع السوريين عن تاريخهم السياسي الحقيقي: تاريخ التعددية، والدساتير، والبرلمانات، والانتخابات، والصحافة، والأحزاب، والنقاشات الوطنية التي عرفتها البلاد بعد الاستقلال عام 1946، قبل أن تبتلعها الانقلابات العسكرية ثم الدولة الأمنية.
وحين اندلعت الثورة السورية عام 2011، لم تكن مجرد احتجاج سياسي عابر، بل كانت لحظة عودة كبرى إلى السؤال الأول: من نحن كسوريين؟ ومن سرق دولتنا؟
السؤال الأكبر: كيف تحولت البلاد التي امتلكت موقعاً استراتيجياً نادراً وتاريخاً سياسياً واعداً إلى سجن كبير محكوم بالخوف والفساد والولاء الإجباري؟
“مايا سمعان”
من هذا السؤال تبدأ هذه القراءة. فهي لا تبحث في الماضي بوصفه حنيناً، ولا في المستقبل بوصفه تفاؤلاً ساذجاً، بل تحاول أن تفهم العلاقة بين الذاكرة والجغرافيا والسياسة: كيف أجهضت الانقلابات العسكرية الدولة السورية المبكرة؟ وكيف حول الأسد سوريا إلى نموذج أمني مغلق؟ وكيف يمكن لسوريا، بعد سقوط النظام، أن تستعيد معناها الجغرافي والسياسي إذا أحسنت إدارة لحظة التحول؟
أولاً: سوريا الديمقراطية المبكرة والذاكرة التي جرى محوها
لم تبدأ سوريا الحديثة مع حزب البعث، ولا مع حافظ الأسد، ولا مع جمهورية الخوف التي صنعتها أجهزة الأمن. قبل ذلك كله، كانت هناك تجربة وطنية سورية مبكرة، نشأت بعد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي عام 1946، وامتلكت كل تناقضات البدايات وكل آمالها في الوقت نفسه.
كانت البلاد تخرج من حقبة استعمارية طويلة، وتحاول بناء دولة دستورية في بيئة إقليمية مضطربة. كان المجتمع السياسي السوري حياً: أحزاب، صحف، شخصيات وطنية، تيارات قومية وليبرالية ويسارية وإسلامية، ونقاشات حادة حول موقع سوريا في محيطها العربي والدولي. لم تكن تلك التجربة مثالية، لكنها كانت تجربة سياسية قابلة للتطور، قبل أن يقطع الجيش طريقها ويدخل البلاد في منطق القوة.
أخطر ما فعله نظام الأسد لاحقاً أنه لم يقمع الحاضر فحسب، بل صادر الماضي أيضاً. فقد قدم نفسه بوصفه بداية التاريخ ونهايته، كأن سوريا لم تعرف السياسة قبل البعث، ولم تعرف الدولة قبل الأسد، ولم تعرف الوطنية إلا حين صارت الهتاف للحاكم.
ولهذا، فإن استعادة تاريخ سوريا قبل الأسد ليست تمريناً أكاديمياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. فالشعب الذي لا يعرف أن له تاريخاً أوسع من سجنه، قد يظن أن السجن قدره الوحيد.
ثانياً: عام 1949 ودخول العسكر إلى السياسة
في 30 آذار/مارس 1949، قاد حسني الزعيم أول انقلاب عسكري في تاريخ سوريا الحديث، بل أحد أوائل الانقلابات العسكرية في العالم العربي. كان ذلك الانقلاب لحظة فاصلة؛ إذ فتح الباب أمام تدخل الجيش في السلطة، وأعطى النموذج الذي ستتكرر آثاره لاحقاً في أكثر من بلد عربي.
جاء الانقلاب في سياق داخلي وخارجي معقد. داخلياً، كانت هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948 قد أحدثت صدمة عميقة داخل المؤسسة العسكرية الناشئة، وولدت شعوراً بالمهانة والرغبة في تحميل النخب السياسية مسؤولية الإخفاق. وخارجياً، كانت سوريا جزءاً من صراع النفوذ الدولي في الشرق الأوسط، حيث النفط وخطوط الأنابيب والموانئ والموقع الجغرافي.
لم يكن انقلاب حسني الزعيم مجرد حادثة معزولة، بل بداية سلسلة. ففي آب/أغسطس من العام نفسه، أطاح سامي الحناوي بالزعيم، ثم جاء أديب الشيشكلي في كانون الأول/ديسمبر 1949 ليضيف حلقة جديدة إلى مسلسل العسكر والسياسة. وبعد سنوات قليلة، عادت سوريا مؤقتاً إلى الحياة الدستورية، لكن الجرح كان قد انفتح: الجيش اكتشف طريق السلطة، والسياسة دخلت زمن الهشاشة.
من الانقلاب إلى القاعدة
أهمية عام 1949 أنه أسس لقاعدة خطيرة: حين تفشل السياسة، يتقدم العسكر؛ وحين يتقدم العسكر، تضعف السياسة أكثر. هكذا دخلت سوريا في حلقة مغلقة، جعلت الدولة رهينة توازنات الضباط، وتحولت الخلافات السياسية من صناديق الاقتراع إلى غرف العمليات.
ولم تكن الانقلابات نتيجة عامل داخلي وحده. فموقع سوريا جعلها محط أنظار قوى كبرى وإقليمية: من أراد خط أنابيب، ومن أراد ممراً، ومن أراد حليفاً، ومن أراد منع خصمه من السيطرة عليها. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الجغرافيا السورية نعمة ونقمة في آن واحد: نعمة لأنها تمنح البلاد قيمة استراتيجية كبرى، ونقمة لأنها تجذب التدخلات حين تغيب الدولة القوية والمؤسسات الشرعية.
ثالثاً: الجغرافيا السورية التي عطلتها الأيديولوجيا
تقع سوريا على واحد من أكثر المواقع حساسية في العالم. فهي تطل على شرق المتوسط، وتجاور تركيا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين، وتقترب من مصادر الطاقة في الخليج وآسيا الوسطى، وتقف عند تقاطع العوالم العربية والتركية والفارسية والمتوسطية.
هذا الموقع كان يمكن أن يجعل سوريا دولة عبور وتجارة وطاقة وثقافة، لا دولة شعارات مغلقة. كان يمكن أن تكون جسراً بين الخليج والبحر المتوسط، وبين العراق ولبنان، وبين تركيا والعالم العربي، وبين المشرق وأوروبا. لكن ما حدث هو العكس تقريباً: الأيديولوجيا صادرت الجغرافيا.
في عهد الوحدة السورية المصرية عام 1958، اصطدمت فكرة الوحدة العربية بنموذج مركزي شديد، لم يراع خصوصية المجتمع السوري ولا تعدد قواه السياسية والاقتصادية. ثم جاء حزب البعث عام 1963، حاملاً خطاباً قومياً عريضاً، لكنه سرعان ما تحول إلى جهاز سلطة، ثم إلى أداة في يد نخبة عسكرية وأمنية ضيقة.
ومع صعود البعث في سوريا والعراق، لم يتحول التشابه الأيديولوجي إلى تكامل سياسي واقتصادي، بل إلى صراع مرير على شرعية تمثيل القومية العربية. وهكذا خسر العراق وسوريا فرصة بناء عمق مشرقي طبيعي، بسبب تنافس حزبين يحملان الاسم نفسه ويتصارعان على المعنى نفسه.
حين يصبح الموقع سجيناً للشعار
المشكلة الكبرى أن سوريا لم تكن فقيرة بالجغرافيا، بل فقيرة بإدارة الجغرافيا. فالدولة التي تقع في قلب المشرق لا تستطيع أن تعيش بمنطق القلعة المغلقة. والدولة التي تصل بين خطوط الطاقة والتجارة لا يجوز أن تتحول إلى معسكر أيديولوجي دائم.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً حين غلبت الشعارات على المصالح الوطنية، وحين جرى تعريف الوطنية لا باعتبارها بناء دولة ومؤسسات واقتصاد، بل باعتبارها اصطفافاً خطابياً دائماً ضد هذا المحور أو ذاك. وفي النهاية، لم تحرر الأيديولوجيا الأرض، ولم تبن الاقتصاد، ولم تحم المجتمع، بل حولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة.
ليست أزمة سوريا في نقص الموقع، بل في سوء إدارة الموقع حين ابتلعت الأيديولوجيا معنى الجغرافيا.
“مايا سمعان”
رابعاً: الأسد وتحويل الدولة إلى جهاز أمني
شكّلت هزيمة حزيران/يونيو 1967 لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة. فقد احتلت إسرائيل الجولان وسيناء والضفة الغربية، واهتزت شرعية الأنظمة التي رفعت شعارات التحرير والوحدة. وفي سوريا، كان حافظ الأسد، وزير الدفاع آنذاك، جزءاً من تلك المرحلة التي انتهت بصعوده إلى السلطة عبر انقلاب عام 1970.
منذ ذلك التاريخ، بدأ بناء نموذج مختلف للدولة: دولة لا تقوم على السياسة، بل على الأمن؛ ولا على المؤسسات، بل على الولاء؛ ولا على المواطن، بل على الخوف. لم يعد الجيش مؤسسة وطنية بالمعنى الدستوري، بل أصبح جزءاً من هندسة السلطة. ولم تعد المخابرات جهازاً لحماية الدولة، بل صارت الدولة نفسها تعمل بمنطق المخابرات.
تحت حكم حافظ الأسد، أغلقت سوريا على نفسها. تراجع الاقتصاد، ضاقت الحياة العامة، جرى ترويض الأحزاب والنقابات والجامعات، وتحولت الصحافة إلى صدى للسلطة. حتى الندرة اليومية في السلع والخدمات لم تكن مجرد فشل اقتصادي، بل كانت انعكاساً لعقل سياسي يرى في الانفتاح خطراً، وفي المجتمع عدواً محتملاً، وفي الاستقلال الفردي تهديداً للسلطة.
لبنان والخليج والتوريث
دخل الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، وبقي هناك عقوداً، تحت شعارات كبرى سرعان ما تآكلت أمام واقع الوصاية والسيطرة الأمنية. ولم يخرج إلا عام 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري وما تبعه من ضغط لبناني ودولي واسع.
وفي عام 1991، شارك حافظ الأسد في حرب تحرير الكويت ضمن التحالف الدولي، لا لأن النظام غيّر طبيعته، بل لأنه قرأ انهيار الاتحاد السوفييتي جيداً، وأدرك أن البقاء في السلطة يحتاج إلى تموضع جديد. هنا ظهر جوهر النظام بوضوح: لم تكن الأولوية للوحدة العربية، ولا لتحرير الأرض، ولا لبناء الدولة، بل لاستمرار الحكم بأي ثمن.
ثم جاء مشروع التوريث ليكشف النهاية الطبيعية للدولة الأمنية. فقد بدأ الإعداد لباسل الأسد، ثم بعد مقتله عام 1994 انتقل المسار إلى بشار الأسد. وهكذا تحولت الجمهورية إلى ملكية أمنية مقنعة، وتحولت الدولة إلى ملكية عائلية، تحت شعارات وطنية فارغة.
خامساً: بشار الأسد من وعد الإصلاح إلى ارتهان الدولة
حين وصل بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، حاول كثيرون أن يروا فيه فرصة إصلاح. تحدث عن التحديث، وعن التكنولوجيا، وعن الانفتاح، وسمح في البداية بهامش محدود عرف لاحقاً باسم ربيع دمشق. لكن ذلك الهامش أُغلق بسرعة، وعادت الدولة إلى طبيعتها القديمة: خوف، رقابة، اعتقال، فساد، واحتكار للسياسة والاقتصاد.
بعد سقوط صدام حسين عام 2003، ازداد خوف النظام من المصير نفسه. وبدلاً من أن يفتح الداخل السوري أمام إصلاح حقيقي، لجأ إلى مزيد من المناورة الأمنية والإقليمية. ثم جاء الخروج من لبنان عام 2005 ليكشف حدود القوة السورية حين تتغير التوازنات الدولية.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، اختار بشار الأسد الحل الأمني والعسكري، ثم فتح البلاد أمام تدخلات خارجية واسعة. استدعى الحلفاء الإيرانيين والروس، وحول سوريا إلى ساحة حرب دولية وإقليمية. لم يعد النظام يدافع عن دولة، بل عن سلطة. ولم يعد يخشى انهيار المجتمع، بل استخدم انهياره وسيلة للبقاء.
كانت النتيجة كارثية: ملايين اللاجئين والنازحين، مدن مدمرة، اقتصاد منهار، نسيج اجتماعي ممزق، وسيادة منقوصة. وهكذا وصلت سوريا إلى الحضيض لأنها حكمت بمنطق واحد: بقاء النظام قبل بقاء الوطن.
سادساً: لحظة 2024 وسؤال السلطة الجديدة
كان سقوط نظام بشار الأسد عام 2024 نقطة تحول كبرى في التاريخ السوري المعاصر. فهو لم ينه حكم شخص فحسب، بل أنهى مرحلة كاملة من احتكار الدولة باسم عائلة “الأسد” والحزب والأمن. لكن سقوط النظام لا يعني تلقائياً ولادة الدولة. فالثورات تفتح الباب، لكنها لا تبني المؤسسات وحدها.
ظهور سلطة سورية جديدة برئاسة أحمد الشرع وضع البلاد أمام امتحان دقيق. فمن جهة، هناك فرصة غير مسبوقة للخروج من أسر النظام القديم، وإعادة تعريف علاقة سوريا بالعالم العربي والإقليم والمجتمع الدولي. ومن جهة أخرى، هناك مخاوف مشروعة تتعلق بخلفيات القوى الصاعدة، وبمدى قدرتها على التحول من منطق الجماعة والفصيل إلى منطق الدولة والمؤسسة والقانون.
القضية هنا ليست في تبديل أسماء الحكام، بل في تغيير قواعد الحكم. فإذا انتقلت سوريا من دولة الحزب الواحد إلى دولة اللون الواحد، فلن تكون قد غادرت مأساتها حقاً. أما إذا نجحت في بناء دولة قانون ومواطنة وتمثيل وتعددية، فإن لحظة 2024 قد تتحول إلى بداية تاريخ جديد.
سوريا لا تحتاج إلى زعيم جديد يختصرها، بل إلى دولة تتسع لأبنائها.
“مايا سمعان”
البراغماتية ليست بديلاً عن الشرعية
تحتاج سوريا الجديدة إلى براغماتية سياسية حقيقية: علاقات متوازنة، اقتصاد مفتوح، احترام للمصالح، وخطاب غير تصادمي مع المحيط. لكن البراغماتية وحدها لا تكفي إذا لم تستند إلى شرعية داخلية. فالاعتراف الخارجي مهم، ورفع العقوبات مهم، وعودة الاستثمارات مهمة، لكن معيار النجاح الحقيقي يبقى في الداخل:
- هل يشعر السوري أنه مواطن لا رعية؟
- هل تصبح الدولة محايدة بين أبنائها؟
- هل تحمي القانون لا المنتصر؟
- هل تعترف بالتنوع لا بوصفه خطراً، بل بوصفه جوهر سوريا؟
سابعاً: سوريا 2026 وعودة الجغرافيا إلى الواجهة
تعيش سوريا، مع دخولها مرحلة ما بعد الأسد، لحظة إعادة اكتشاف لموقعها. فالعالم الذي كان ينظر إليها كبلد حرب ولاجئين ودمار، بدأ يراها مجدداً كمساحة عبور محتملة بين الخليج والمتوسط، وبين العراق وتركيا، وبين الطاقة والأسواق.
تزايد الحديث عن إعادة تأهيل خطوط النقل والطاقة، وعن دور سوريا كممر بديل أو مكمل في ظل اضطراب الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز. كما عاد الاهتمام بخطوط السكك الحديدية والموانئ وخطوط النفط والغاز، وبإمكانية ربط العراق والخليج وتركيا والبحر المتوسط عبر الأراضي السورية.
لكن هذه الفرصة ليست قدراً مضموناً. فالجغرافيا تمنح الإمكانية، لكنها لا تمنح النجاح. ولكي تتحول سوريا إلى مركز إقليمي للطاقة والتجارة، تحتاج إلى ثلاثة شروط: أمن مستقر، مؤسسات موثوقة، وقوانين شفافة تجذب الاستثمار وتحمي السيادة في الوقت نفسه.
سقوط النظام لا يعني تلقائياً ولادة الدولة؛ فالثورات تفتح الباب، لكنها لا تبني المؤسسات وحدها.
“مايا سمعان”
من ممر للآخرين إلى مشروع وطني
الخطر أن تتحول سوريا مرة أخرى إلى ممر لمصالح الآخرين لا إلى دولة تملك قرارها. فقد عانت البلاد طويلاً من كونها ساحة للصراع الإقليمي والدولي. لذلك، فإن تحويل الموقع السوري إلى قيمة وطنية يحتاج إلى رؤية استراتيجية لا تبيع الجغرافيا، بل تستثمرها.
يجب أن تكون الموانئ والطرق والسكك والأنابيب جزءاً من مشروع تنمية وطني: يخلق فرص عمل، يعيد ربط المدن، يعيد الحياة إلى الزراعة والصناعة، ويمنح المحافظات دوراً في الاقتصاد الجديد. أما إذا بقيت المشاريع الكبرى محصورة في عقود غامضة ونخب ضيقة، فإن السوريين لن يروا في الجغرافيا فرصة، بل وجهاً جديداً من وجوه الاستغلال.
ثامناً: تحديات المستقبل السوري
1. إعادة الإعمار
تحتاج سوريا إلى مئات المليارات لإعادة بناء ما دمرته الحرب: مساكن، مدارس، مستشفيات، كهرباء، مياه، طرق، سكك حديدية، وموانئ. لكن إعادة الإعمار ليست ورشة إسمنت وحديد فقط. إنها امتحان سياسي وأخلاقي: من يملك حق العودة؟ من يستفيد من العقود؟ هل تعود المدن لأهلها أم تتحول إلى مشاريع استثمارية فوق الذاكرة والركام؟
إذا لم ترتبط إعادة الإعمار بالعدالة والشفافية وحقوق الملكية، فقد تتحول إلى مرحلة ثانية من الظلم، لا إلى بداية التعافي.
2. العدالة الانتقالية
لا يمكن بناء مستقبل مستقر فوق ذاكرة مكسورة. يحتاج السوريون إلى مسار عدالة انتقالية يكشف الحقيقة، وينصف الضحايا، ويحاسب المسؤولين عن الجرائم الكبرى، من دون تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. فالبلاد لا تحتاج إلى ثأر، لكنها لا تستطيع أن تبنى على النسيان القسري.
الصفح لا يكون أخلاقياً إلا إذا سبقه اعتراف. والمصالحة لا تكون وطنية إلا إذا قامت على الحقيقة. أما القفز فوق الجراح باسم الاستقرار، فهو وصفة لانفجار مؤجل.
3. الوحدة الوطنية والتنوع
سوريا ليست طائفة، وليست حزباً، وليست جماعة واحدة. سوريا نسيج من العرب والكرد والتركمان والسريان والآشوريين والشركس والأرمن، ومن المسلمين والمسيحيين والدروز والإسماعيليين والعلويين وسواهم. هذا التنوع ليس مشكلة يجب إخفاؤها، بل حقيقة يجب تنظيمها دستورياً وسياسياً.
ولذلك، فإن الحفاظ على وحدة سوريا لا يكون بإنكار التنوع، بل بإدارته عبر المواطنة واللامركزية الإدارية العادلة، وضمان الحقوق المتساوية، ومنع أي فئة من احتكار الدولة أو الخوف منها.
4. السلم الأهلي
بعد سنوات الحرب، يحتاج السوريون إلى هندسة اجتماعية للثقة، لا إلى خطاب سياسي فقط. يمكن استلهام نماذج من التضامن الأهلي والعشائري والمدني، حيث تتبادل العائلات والقرى والمناطق أشكالاً من المؤازرة والرعاية والمشاركة في الأفراح والأحزان، بما يعيد بناء الجسور بين المجتمعات المحلية.
لكن السلم الأهلي لا يبنى بالمجاملات وحدها. يحتاج إلى أمن عادل، وقضاء مستقل، وتعويضات، وعودة آمنة للمهجرين، ومناهج تعليمية لا تصنع الكراهية، وإعلام لا يفتح جراح الهوية.
5. الخطر الإسرائيلي والتدخلات الخارجية
من الطبيعي أن تخشى قوى إقليمية عديدة نهوض سوريا قوية ومستقرة. فالدولة السورية الناجحة ستغير موازين المشرق، وستعيد تعريف العلاقة بين الأمن والاقتصاد والسيادة. وقد يكون الخطر الإسرائيلي أحد أبرز التحديات، لا سيما إذا رأت إسرائيل في سوريا الجديدة نموذجاً منافساً أو تهديداً لمعادلاتها الأمنية القديمة.
لكن مواجهة هذا الخطر لا تكون بالشعار، بل ببناء دولة قوية من الداخل: جيش وطني منضبط، اقتصاد متماسك، علاقات دولية متوازنة، ومجتمع لا تستطيع الاختراقات الخارجية تفتيته من داخله.
خاتمة: المستقبل لا تصنعه الجغرافيا وحدها
قد تكون سوريا أمام فرصة تاريخية نادرة. فالماضي الذي بدأ بانقلابات 1949، ومر بدولة البعث، وانتهى بجمهورية الأسد الأمنية، وصل إلى لحظة انكسار كبرى عام 2024. لكن التاريخ لا يمنح الشعوب خلاصاً مجانياً. كل فرصة تحمل داخلها خطر إضاعتها.
لقد عانت سوريا طويلاً من لعنة الأيديولوجيا حين صارت الشعارات بديلاً عن المصالح، ومن لعنة الأمن حين صار الخوف بديلاً عن السياسة، ومن لعنة الشخص حين صار الحاكم بديلاً عن الدولة. واليوم، لا يكفي أن تسقط تلك اللعنات في الخطاب، بل يجب أن تسقط في الدستور والمؤسسات والاقتصاد والثقافة السياسية.
مستقبل سوريا يمكن أن يكون واعداً إذا فهم السوريون أن الجغرافيا ليست مجرد خريطة، بل مسؤولية. وأن الموقع لا يصبح قوة إلا حين تحرسه دولة قانون. وأن الانفتاح الدولي لا يساوي النجاح ما لم يسبقه عقد اجتماعي داخلي. وأن الأمن الحقيقي لا يولد من القبضة، بل من الثقة.
سوريا لا تحتاج إلى زعيم جديد يختصرها، بل إلى دولة تتسع لأبنائها. ولا تحتاج إلى أيديولوجيا تبتلع الجغرافيا، بل إلى سياسة رشيدة تجعل من الجغرافيا طريقاً للتنمية والسيادة والاستقرار.
“مايا سمعان”
هنا فقط يمكن أن تتحول سوريا من بلد أنهكته الانقلابات والحروب إلى دولة تستعيد دورها الطبيعي: جسراً لا ساحة، وطناً لا مزرعة، ومستقبلاً لا تكراراً للماضي. وهنا أيضاً، تصبح مسؤولية الأجيال التي أبصرت النور في بلاد الاغتراب أن تقرأ ماضي الأمة السورية لا بوصفه حنيناً بعيداً، بل بوصفه إرثاً حضارياً عميقاً، ونداءً مفتوحاً لاستعادة المجد وصيانة الذاكرة.

روابط ومصادر خارجية موثوقة مقترحة للقراءة
- انقلاب 1949 واتفاقية تابلاين: وثائق مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأميركية. المصدر
- تعيين أحمد الشرع رئيسا انتقاليا وتشكيل حكومة انتقالية أوسع: رويترز.
- رفع/تخفيف العقوبات الأميركية والأوروبية: وزارة الخزانة الأميركية ومجلس الاتحاد الأوروبي. المصدر
- تقديرات إعادة إعمار سوريا: البنك الدولي يقدر الكلفة بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق بين 140 و345 مليار دولار. المصدر
- أزمة مضيق هرمز وفرص الممرات البديلة: رويترز، مع مؤشرات عن عبور الوقود العراقي إلى بانياس ومشاريع خطوط الطاقة. المصدر






