الجسد غاب أما الوجدان يبقى حياً
لم يكن رحيل الصحفي محمد كعكاتي خبراً عابراً في ذاكرة الجالية العربية في أورانج كاونتي وجنوب كاليفورنيا. كان أقرب إلى انطفاء عين اعتادت أن ترى ما لا يراه العابرون: وجوه المغتربين في أفراحهم وأحزانهم، قاعاتهم الصغيرة، اجتماعاتهم المتواضعة، مهرجاناتهم، أمسياتهم، وحنينهم الدائم إلى أوطان بقيت تسكنهم حتى وهم يحاولون بناء حياة جديدة في بلاد بعيدة.
في التاسع والعشرين من أيار/مايو 2026، طوى محمد كعكاتي صفحة عمر امتد منذ الرابع والعشرين من حزيران/يونيو 1950، تاركاً سيرة صحفية ومهنية لا تقاس بعدد السنوات وحدها، بل بما راكمته من حضور في ذاكرة الناس. سبعة وثلاثون عاماً من العمل في صحافة المهجر ليست مجرد مهنة، بل نذر طويل للوقت والعدسة والقلم؛ رحلة كان فيها الصحفي يحمل الكاميرا كما يحمل الشاهد أمانته، ويكتب كما يكتب من يعرف أن الكلمة قد تكون جسراً بين مغترب ووطن، أو بين جالية تبحث عن ذاتها وواقع جديد يفرض عليها أسئلته الصعبة.
محمد كعكاتي: صحفي حمل الكاميرا كأنها ذاكرة جماعية
لم تكن الكاميرا في يد محمد كعكاتي أداة مهنية فحسب، بل كانت ذاكرة تمشي بين الناس. كان يعرف أن صورة واحدة في مناسبة عربية قد تحفظ للعائلة لحظة لا تعود، وأن خبراً صغيراً عن نشاط محلي قد يمنح جمعية أو مبادرة أو شخصية مساحة اعتراف طال انتظارها.
لم تكن عدسة محمد كعكاتي تلتقط الوجوه فقط، بل كانت تحفظ للجالية العربية حقها في الظهور والذاكرة.
في بلاد واسعة كأميركا، حيث يمكن للفرد أن يذوب في ضجيج المدن وسرعة الأيام، كان محمد كعكاتي يصر على أن يقال للناس: أنتم هنا، ولكم أثر، ولكم ذاكرة تستحق التسجيل. لذلك كانت عدسته، قبل أن تكون عدسة صحفي، عين مجتمع كامل يرى نفسه من خلالها، ويستعيد ملامحه، ويقاوم بها النسيان.
كان أبناء الجالية يعرفونه في مناسباتهم ولقاءاتهم، في حفلاتهم ومؤتمراتهم، في أفراحهم وعزاءاتهم، وفي محطات العمل العام التي صنعت جزءا من ذاكرة العرب في جنوب كاليفورنيا. كان حضوره يسبق الخبر أحياناً، وعدسته تسبق المقال، لأنه كان يدرك أن للحدث قيمة مضاعفة حين يجد من يوثقه، وللناس كرامة مضاعفة حين يجدون من يهتم بتسجيل أسمائهم وصورهم وحكاياتهم.
37 عاماً في خدمة الجالية العربية في جنوب كاليفورنيا
على مدى 37 عاماً، لم تكن رحلة محمد كعكاتي المهنية مجرد متابعة لأخبار الجالية، بل مشاركة في صنع أرشيفها الاجتماعي والثقافي. فقد ارتبط اسمه بالصحافة العربية في كاليفورنيا، وبمنبر إعلامي حمل هموم الناس وأخبارهم، وفتح مساحة للجالية كي ترى نفسها وتتعرف إلى نشاطاتها، وتبقى متصلة بقضاياها وقيمها وذاكرتها.
عرفه كثيرون بصفته مؤسساً ورئيس تحرير لجريدة العرب، فيما ترد بعض الإشارات إليها في سياقات أخرى باسم أنباء العرب، وهو ما يعكس حضوراً إعلامياً امتد في بيئة مهجرية لم تكن الصحافة فيها عملاٍ سهلاً. فصحافة الجالية لا تقوم على الخبر وحده، بل على شبكة واسعة من العلاقات، والمبادرات، والزيارات، والاتصالات، والمتابعة اليومية لما يهم الناس في حياتهم الجديدة.
كان على الصحفي في المهجر أن يكون أكثر من محرر. كان عليه أن يكون مصوراً، ومراسلاً، وموثقاً، ووجها مألوفاً في المناسبات، وحلقة وصل بين المؤسسات والأفراد، وبين الجيل الأول وأبنائه، وبين الوطن القديم والوطن الجديد. وفي هذا المعنى، حمل محمد كعكاتي مهنة كاملة على كتفيه، وأعطاها من وقته وجهده أكثر مما تعطيه عادة من راحة أو اعتراف.
لقد كان يعمل في مساحة صعبة، حيث تتقاطع السياسة بالاجتماع، والحنين بالاندماج، واللغة العربية بمتطلبات الحياة الأميركية. ومع ذلك، ظل وفيا لفكرة بسيطة وعميقة: أن للجالية العربية صوتاً يستحق أن يسمع، وصورة تستحق أن تحفظ، وحضوراً يستحق أن يوثق.
حين تصبح الصحافة بيتاً رمزياً للمغتربين
أدرك محمد كعكاتي باكراً أن الجريدة العربية في المهجر ليست مجرد ورق مطبوع أو أخبار محلية، بل بيت رمزي للجالية. فيها يجد المغترب اسمه، وصورته، وقضيته، وفرحه، ومواعيده، وصوتاً يخفف عنه وطأة الغياب.
فالصحافة العربية في الاغتراب تؤدي وظيفة لا تشبه تماماً وظيفة الصحافة في الوطن. إنها لا تنقل الخبر فقط، بل تحفظ الرابط بين الناس. تذكرهم بأنهم، رغم المسافات، ليسوا أفراداً متناثرين في مدن بعيدة، بل جماعة لها لغة وذاكرة وهموم مشتركة. ومن هنا كانت قيمة ما فعله محمد كعكاتي: لقد حول الصحافة إلى مساحة انتماء، والجريدة إلى مرآة، والصورة إلى وثيقة وجدانية.
كان المغترب يحتاج إلى من يراه. لا بمعنى المجاملة، بل بمعنى الشهادة. فالغربة لا تعني الابتعاد الجغرافي وحده، بل تعني أيضاً القلق على اللغة، والخوف من ذوبان الأبناء في ثقافة جديدة، وصعوبة الحفاظ على العادات، ومشقة بناء حياة كريمة في مجتمع واسع وسريع الإيقاع. في هذا كله، كانت الصحافة التي مارسها محمد كعكاتي تخفف من عزلة الناس، وتقول لهم إن ما يعيشونه يستحق أن يروى.
لهذا لم تكن أخباره مجرد عناوين عابرة. كانت نوعاً من الأرشفة اليومية للوجود العربي في جنوب كاليفورنيا. وكانت صوره، مهما بدت بسيطة في ظاهرها، شاهدة على زمن كامل من الهجرة، والعمل، والتعب، والفرح، ومحاولات بناء الذات في أرض جديدة.
العدسة التي حفظت وجوه الجالية من النسيان
في ذاكرة الجاليات، لا تبقى المؤسسات وحدها، بل تبقى الوجوه. ويبقى من صور، ومن كتب، ومن وثق، ومن منح اللحظة العابرة عمراً أطول من عمرها الطبيعي. من هنا يمكن فهم أثر محمد كعكاتي في وجدان الذين عرفوه أو وقفوا أمام عدسته ذات يوم.
لقد رصد نشاط الجالية العربية لا بوصفه عملاً إخبارياً فقط، بل بوصفه واجباً إنسانياً تجاه ناس يعيشون بين ذاكرتين: ذاكرة الوطن وواقع المهجر. كان يوثق الجمعيات، اللقاءات، المبادرات، الزيارات، المناسبات الثقافية والاجتماعية، وكل ما يشير إلى أن العرب في كاليفورنيا لم يكونوا مجرد أرقام في سجلات الهجرة، بل أصحاب حضور ومساهمة وتجربة.
ومن يقرأ تاريخ الجالية العربية في جنوب كاليفورنيا يعرف أن هذا الحضور لم يتشكل دفعة واحدة. لقد احتاج إلى سنوات طويلة من العمل الأهلي، والمطاعم والمتاجر، والمؤسسات الثقافية، والمراكز الدينية والاجتماعية، والصحف المحلية، والجهود الفردية التي صنعت مجتمعة ما يشبه الذاكرة العامة. وكان محمد كعكاتي واحداً من أولئك الذين لم يقفوا على هامش هذه الذاكرة، بل دخلوا في صلبها، وسجلوا تفاصيلها، ورافقوا نموها.
ربما لا يظهر أثر مثل هؤلاء كاملاً في الأرشيف الإلكتروني. فكثير من سيرتهم محفوظ في ألبومات العائلات، وفي قصاصات جرائد قديمة، وفي صور معلقة على جدران مكاتب الجمعيات، وفي شهادات أصدقاء، وفي ذاكرة أناس رأوا أسماءهم منشورة ذات يوم في صحيفة عربية محلية. وهذه، في جوهرها، هي قيمة الصحفي المجتمعي: أن يكون حارساً لما قد يضيع لو لم يلتفت إليه أحد.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
رحل محمد كعكاتي، لكن بقيت فكرته: أن الصحافة في المهجر ليست ترفاً، بل ضرورة. ضرورة لكي لا يتحول الحنين إلى عزلة، ولكي لا تضيع حكايات الجيل الأول بين لغة الأهل ولغة الأبناء، ولكي يبقى للعرب في جنوب كاليفورنيا منبر يقول إنهم ليسوا عابرين في المكان، بل جزء من تاريخه الاجتماعي والثقافي.
في صحافة المهجر، لا يكتب الصحفي الخبر وحده؛ يكتب أيضا سيرة الحنين، وتعب الاندماج، وخوف الناس من النسيان.
في تأبينه، لا نودع صحفياً فحسب، بل نودع شاهداً على مرحلة كاملة من حياة الجالية العربية في كاليفورنيا. نودع رجلاً كانت عدسته تصور، ووجدانه يكتب، ووقته منذوراً لخدمة الناس ورفع وعيهم وتوثيق نشاطهم. وإذا كان الموت يأخذ الجسد، فإنه لا يأخذ الأثر. وأثر محمد كعكاتي سيبقى في كل صورة حفظت وجهاً من وجوه الجالية، وفي كل خبر منح مبادرة صغيرة حقها في الظهور، وفي كل قارئ شعر يوماً أن صحيفة عربية في المهجر ردت إليه شيئاً من رائحة الوطن.
لقد فارقتنا العين التي رصدت نشاط الجالية العربية، لكن الصورة التي تركتها تلك العين ستبقى شاهدةً على رجل آمن أن خدمة الناس بالكلمة والصورة يمكن أن تكون عملاً نبيلاً، ورسالة عابرة للسنوات، وواجباً أخلاقياً تجاه مجتمع كان يبحث، في غربته، عن من يراه ويصغي إليه.
رحل محمد كعكاتي، لكن صوره وأخباره بقيت شاهدة على جالية أراد لها أن ترى نفسها بوضوح وكرامة.
رحم الله محمد كعكاتي رحمة واسعة، وألهم أهله وذويه ومحبيه وأبناء الجالية العربية الصبر والسلوان. فقد غاب الجسد، وبقي الأثر؛ وغابت العين، وبقيت الصور؛ ورحل الصحفي، لكن ذاكرة الجالية التي وثقها ستظل تنطق باسمه طويلاً.







