
![]()
تكتسب حرية التعبير في المجتمعات الخارجة من الأزمات والصراعات أهميةً مضاعفة؛ فهي لا تقتصر على حماية حق الفرد في إبداء رأيه، بل تمتد إلى صون حرية الإعلام وحقوق التجمع والتنظيم السياسي والعمل المدني. وقد كرّست المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، إلى جانب الدساتير الوطنية وما يقوم مقامها من إعلانات دستورية، هذه الحقوق بوصفها ركائز لا غنى عنها لأي نظام يسعى إلى الشرعية والاستقرار.
في الحالة السورية، يمكن لحرية التعبير أن تؤدي دوراً محورياً في النهوض بالمجتمع والتخفيف من آثار الدمار النفسي والمادي الذي خلّفته عقود الاستبداد والحرب. وهي، بمعنى أعمق، جزء من عملية إعادة بناء المجتمع على نحو يمكّن الأفراد والمؤسسات، دون استثناء، من ممارسة حقوقهم، ويضمن للمجتمع حق مراقبة أداء السلطة من غير تهديد أو تضليل أو ترهيب.
كما تسهم ممارسة هذا الحق في معالجة الملفات المتصلة بالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي، وتتيح مناقشة القضايا المحلية والوطنية بمشاركة أوسع الفئات الاجتماعية. لذلك لا تُعدّ حرية التعبير ترفاً يمكن تأجيله، ولا مسألةً ثانويةً تُترك إلى ما بعد استقرار السلطة؛ بل هي قضية جوهرية شديدة الحساسية، ولا سيما في ضوء المنعطفات الكبرى التي مرّت بها سوريا: أسباب الثورة، وحرب النظام الأسدي، وسقوطه، ثم المرحلة الانتقالية الراهنة.
«إن الشرّ الخاص بإسكات التعبير عن رأي ما هو أنه يسلب الجنس البشري حقه في المعرفة.»
جون ستيوارت ميل — عن الحرية
السلطة الانتقالية والرأي الآخر
تواجه حرية التعبير في سوريا تحديات أساسية، تظهر في محاولات الحدّ منها والتضييق على ممارستها، سواء في التعبير الفردي عن الرأي أو عبر وسائل الإعلام المختلفة. والأصل أن تكون الحرية هي القاعدة، وأن يكون التقييد استثناءً محدداً بنص واضح وضرورة مشروعة؛ غير أن بعض سياسات السلطة الانتقالية تبدو انتقائيةً في مقاربة الملفات، ومزدوجةً في التعامل مع الأفكار والمبادرات بحسب قرب أصحابها من السلطة ومدى انسجامهم مع مواقفها وسياساتها الداخلية والخارجية.
غياب آليات حماية حرية التعبير
تتمثل أولى المشكلات في غياب آليات فعّالة لحماية حرية التعبير. فعلى الرغم من إصدار مدونة سلوك لقطاع الإعلام، ثم تعليمات تتصل بمحظورات النشر، لا تزال تجاوزات تلك الضوابط تصدر أحياناً عن جهات أو مسؤولين في المؤسسات التي يفترض بها حمايتها.
وهذا لا يمثّل تعدياً على الحقوق فحسب، بل يكشف أيضاً خللاً في فهم حدود الصلاحيات والمعايير الدولية الناظمة لممارسة الحريات.
ولا يجوز للسلطة الجديدة، بعد نحو عام ونصف العام من توليها إدارة البلاد، أن تسمح بتكريس الانتقاص من حق التعبير، في وقت ينبغي لها أن تبذل أقصى ما تستطيع لحماية الحريات من الانتهاك، ولا سيما في ظل تأخر استكمال منظومة تشريعية متماسكة للعدالة الانتقالية والعزل السياسي وتجريم ممارسات النظام الأسدي.
حين يتحول النقد إلى تهمة
تزداد المشكلة حين يتماهى خطاب رسمي أو شبه رسمي مع دعوات حجب حق التعبير عن أفراد، من كتّاب وإعلاميين، أو عن مؤسسات إعلامية وحقوقية، لمجرد أنها تنتقد سياسات السلطة أو مواقفها.
وقد يصبح استخدام تعبيرات من قبيل «السلطة» أو «السلطة المؤقتة» ذريعةً لاتهام صاحب الرأي والتحريض عليه، بدلاً من مناقشة حجته والرد عليها بالحجة.
«الحرية الممنوحة لأنصار الحكومة وحدهم ليست حريةً على الإطلاق؛ فالحرية هي دائماً حرية من يفكر على نحو مختلف.»
روزا لوكسمبورغ — الثورة الروسية
مصادرة الفضاء العام
إن الاستفراد بالفضاء العام يبدأ حين يُصادَر الرأي الآخر أو يُحجَب. فالدولة تمتلك منابر إعلامية تعبّر عن سياساتها وتنقل أفكارها، لكنها لا تستطيع أن تعتبر نفسها المتحدث الوحيد باسم السوريين، أو أن تمنع المنصات المستقلة من أداء عملها الطبيعي انطلاقاً من حقها في التعبير.
كما أن المنصات الحكومية ملكٌ للمجتمع كله، وليست ملكاً حصرياً للسلطة القائمة أو لمؤيديها.
«حين تخاف السلطة من السؤال، فإنها لا تحمي الدولة، بل تكشف هشاشة ثقتها بنفسها وبمجتمعها.»
عبد الرحمن مطر
التضليل والتمويه
سوريا بلد متعدد ومتنوع، ومن الطبيعي أن تتباين مواقف السوريين وآراؤهم. ومن واجب السلطة أن تحمي حق الجميع في التعبير الحر، وأن تسنّ قوانين تمنع الاعتداء على هذا الحق، بما في ذلك تجاوزات مؤسساتها ومسؤوليها ومؤيديها.
وينبغي أن يكون القانون والقضاء هما المرجعية في الفصل بين التعبير المشروع والتجاوز المجرَّم، لا الأهواء والأمزجة ومعايير الولاء.
المحظورات قبل الحقوق
غير أن تقديم المحظورات بوصفها أولويةً تسبق الحقوق يكشف اختلافاً عميقاً في الرؤية والأداء. فحين تُبنى الأحكام المسبقة على التجريم، وتُستخدم وسائل مضللة للتمويه على سياسات غامضة في ملفات تمس حياة الناس مباشرةً، يصبح الهدف العملي منع تداول الأسباب الحقيقية التي تولّد اتجاهات معارضة لسياسات السلطة، وحرمان المجتمع من تكوين موقف مستقل منها.
الخلط بين الدولة والسلطة
لا يقتصر الأمر على التضييق المباشر، بل يمتد إلى تصوير ممارسة الحقوق باعتبارها خروجاً على الدولة أو على إجماع مزعوم حولها.
والحقيقة أن الخلاف مع السلطة لا يعني الخروج على الدولة؛ فالدولة إطار عام يضم الجميع، بينما السلطة جهاز مؤقت قابل للنقد والمساءلة والتغيير.
والخلط بينهما يعطّل نشوء رأي عام حي، ويحوّل الولاء السياسي إلى معيار للمواطنة.
بناء الثقة
المرحلة الانتقالية في سوريا ليست مرحلةً طبيعية؛ إنها مرحلة شاقة تختلط فيها التحديات السياسية والاجتماعية والقانونية والأمنية.
وقد حققت السلطة الجديدة نجاحات ملموسة ومهمة في بعض الملفات خلال مدة قصيرة نسبياً، لكن القيمة الحقيقية لهذه النجاحات تتوقف على توظيفها في إدارة الملفات الوطنية، وإنجاز التسويات اللازمة لإعادة بناء بلد منهك يحتاج إلى إصلاح شامل في مؤسساته وعلاقاته الاجتماعية.
الشفافية أساس الثقة
يتطلع السوريون إلى الوضوح والشفافية في السياسات العامة، لأنهما الأساس الذي يمنح السلطة قدراً من ثقة المجتمع. ولا يمكن مواصلة البرامج والسياسات أو تذليل الصعوبات من دون هذه الثقة.
فالثقة لا تُفرض بالخطاب، ولا تُنتَج بالدعاية، بل تتكوّن حين يرى المواطن أن صوته مسموع، وأن نقده لا يعرّضه للتشهير أو الإقصاء أو العقاب.
«الثقة السياسية لا تُبنى بالصمت المفروض، بل بقدرة الدولة على سماع النقد وتحويله إلى فرصة للتصحيح.»
عبد الرحمن مطر
حرية التعبير بوصفها رقابة مجتمعية
حرية التعبير هي أحد الأعمدة الجوهرية لبناء الثقة. فمن خلالها تجري المناقشات الضرورية، ويتجذر الحوار على قاعدة المساواة والمواطنة والعدالة.
ولا يمكن تصويب السياسات أو أداء السلطات المحلية من دون رقابة مجتمعية، ومن دون ضمان أبسط قواعد ممارسة الحقوق والحريات.
أما سياسات التحريض والمنع والاستثناء فلن تجلب سوى مزيد من الانقسام، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تقريب وجهات النظر والوصول إلى توافقات قابلة للحياة.
الالتزام بالقانون الدولي
إذا كانت السلطة الانتقالية تريد الوصول بسوريا إلى برّ الأمان، فعليها الالتزام بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتبنّي تفسيرات منسجمة مع روحها ومقاصدها.
فهذه القواعد ليست عبئاً خارجياً، بل خلاصة تجارب إنسانية مريرة في الحد من تعسف السلطات وحماية الأفراد والمجتمعات.
الثقة في الداخل قبل الخارج
سوريا بلد يعيش تحولات متسارعة، وتجربتها الانتقالية تخضع لمراقبة الداخل والخارج. ومن ثمّ تشكّل حرية التعبير معياراً أساسياً لقياس الانتقال نحو استقرار آمن ومستدام.
وقد آن الأوان كي تُظهر السلطة قدرتها على حماية الحقوق والحريات دون انحياز أو تحامل أو تحريض على المختلف معها.
وإذا كان استيعاب التحولات وتعدد الأفكار والبرامج ضرورةً وطنية، فإن كسب ثقة الداخل يجب أن يسبق السعي إلى كسب ثقة الخارج.







