
الخلط الشائع
يحلو لبعض المثقفين والنخب المعاصرة، أحياناً بحسن نية، وغالباً بدافع اليأس من الواقع، أن يصفوا السياسة بالقذارة والنجاسة، وأن ينصحوا أصحاب المبادئ والقيم بالابتعاد عنها حفاظاً على طهارتهم الأخلاقية. وفي ظاهر هذا الكلام شيء من الغيرة على الأخلاق، لكنه في جوهره ينطوي على خطأ خطير: فهو يترك المجال العام للأشرار، ويحوّل السلطة إلى ساحة خالية من أهل الضمير، ثم يتعجب بعد ذلك من تغوّل المستبدين وفساد الحكم.
ليست المشكلة في السياسة بوصفها أداة لتنظيم شؤون الناس، بل فيمن يمارسها حين يجرّدها من معناها الأخلاقي والإنساني. فكما لا نقول إن الطب قذر لأن طبيباً خان أمانته، ولا إن القضاء فاسد بطبيعته لأن قاضياً باع ضميره، لا يصح أن نختزل السياسة في أفعال الطغاة والمجرمين. السياسة في أصلها خدمة عامة، وتدبير للمصالح المشتركة، وحماية للناس من الفوضى والظلم. أما حين تقع في يد المستبد، فإنها تتحول من رعاية إلى افتراس، ومن مسؤولية إلى تسلّط، ومن إدارة للشأن العام إلى صناعة للخوف.
ولو رجعنا إلى التاريخ، لوجدنا أن علاقة السياسة بالأخلاق أعمق بكثير مما توحي به المقولة الشائعة. فقد عرف التاريخ حكاماً سعوا إلى العدل والرشد، كما عرف أمماً قادها أنبياء ومصلحون. وفي الحديث الشريف: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء». وقد شرح الإمام النووي معنى «تسوسهم» بأن الأنبياء كانوا يتولون أمورهم كما يتولى الأمراء والولاة شؤون الرعية. وهذا المعنى وحده يكشف أن السياسة، في أصل دلالتها، ليست رجساً ولا قذارة، بل تدبير لشؤون الناس بما يصلح حياتهم.
“لا تقوم الدولة لمجرد أن يبقى الناس أحياء، بل لكي يعيشوا حياةً صالحة.”
“أرسطو” – كتاب السياسة
وعندما قامت التجربة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، لم تكن السياسة منفصلة عن القيم العليا؛ فقد ارتبط الحكم بمفاهيم العدل، والشورى، والأمانة، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة. وليس المقصود هنا تحويل التاريخ إلى صورة مثالية بلا أخطاء، بل التأكيد أن السياسة لم تُفهم، في أصولها الكبرى، بوصفها حرفة خداع أو مجالاً للنجاسة، وإنما بوصفها مسؤولية ثقيلة لا ينهض بها إلا من امتلك قدراً من الحكمة والعدل والخوف من عواقب الظلم.
والسياسة في معناها اللغوي تدور حول القيام على الشيء بما يصلحه؛ فهي رعاية، وتوجيه، وتدبير، وإشراف، وعناية. أما في معناها الاصطلاحي، فقد عرّفها الفلاسفة والمفكرون تعريفات متعددة، لكنها تلتقي في جوهر واحد: تنظيم شؤون الجماعة، وإدارة الدولة داخلياً وخارجياً، واتخاذ القرارات التي تحفظ مصالح المجتمع وتمنع تفككه. وهذه التعريفات، مهما اختلفت مدارسها، لا تفترض أن السياسي عدو للأخلاق، ولا تجعل الرذيلة شرطاً للحكم.
أما اللورد أكتون، لا يتهم السياسة بذاتها، بل يحذّر من السلطة حين تنفلت من الرقابة والمحاسبة، فتتحول إلى أداة فساد واستبداد.
“تميل السلطة إلى الإفساد، وتُفسد السلطة المطلقة إفساداً مطلقاً.”
“اللورد أكتون” – السلطة المطلقة هي مصدر الفساد
صحيح أن الواقعية السياسية تنبّه إلى أهمية موازين القوة والمصالح، لكنها لا تلغي الأخلاق من أصلها. فالدولة لا تُدار بالمواعظ وحدها، لكنها لا تستقيم أيضاً بلا ضمير. والسياسة التي تنفصل كلياً عن الأخلاق تتحول إلى حيلة عارية، وإلى صراع ذئاب، وإلى هندسة باردة للسيطرة. ومن هنا جاء الالتباس الكبير في قراءة بعض المدارس السياسية، ولا سيما حين تُختزل السياسة في مقولة شائعة مثل: الغاية تبرر الوسيلة.
وفي هذا السياق يحضر اسم نيقولو ميكافيللي وكتابه «الأمير». وقد تحوّل اسم الرجل، في الذاكرة السياسية العامة، إلى رمز للمكر السياسي، ولإباحة الوسائل من أجل تثبيت السلطة. ومهما يكن الخلاف بين الباحثين حول دقة هذه القراءة، فإن النسخة التي استلهمها المستبدون من ميكافيللي ليست سوى سياسة منزوعـة الضمير: سلطة تريد البقاء بأي ثمن، وتتعامل مع الناس بوصفهم أدوات طاعة لا مواطنين أحراراً. وهذه ليست السياسة في معناها النبيل، بل تشويه السياسة باسم السياسة.
“على الأمير، إذا أراد أن يحافظ على دولته، أن يتعلم كيف لا يكون خيّراً، وأن يستخدم ذلك أو لا يستخدمه بحسب الضرورة.”
“نيقولو ميكافيللي“، الأمير
من هنا ينبغي التمييز بين السياسة بوصفها فناً لإدارة الشأن العام، وبين الاستبداد بوصفه مرضاً في السلطة. فالسياسة يمكن أن تكون طريقاً لبناء الدولة، وتوسيع الحقوق، وحماية الضعفاء، وتنظيم الاختلاف، وتحقيق العدل النسبي بين المواطنين. ويمكن، في المقابل، أن تتحول إلى آلة قهر حين يحتكرها طاغية، أو حزب مغلق، أو جهاز أمني، أو طبقة فاسدة ترى الدولة مزرعة خاصة لا عقداً عاماً بين المواطنين.
وفي العصر الحديث نجد هذا الفرق واضحاً. فالدول التي قطعت شوطاً طويلاً في الحكم الدستوري، والفصل بين السلطات، واحترام حقوق الإنسان، ومحاسبة المسؤولين، لم تبلغ الكمال، لكنها جعلت السياسة قابلة للرقابة والتصحيح. هناك تبقى السياسة عملاً عاماً يمكن نقده وتغييره ومراجعته. أما في الدول التي يبتلع فيها الحاكم الدولة، ويصادر القضاء، ويخنق الصحافة، ويحوّل الجيش والأمن إلى أدوات شخصية، فإن السياسة تفقد معناها وتصبح قناعاً للنهب والخوف.
وقد عرف القرن العشرون نماذج مرعبة لهذا الانحراف. ففي كمبوديا، ارتبط حكم الخمير الحمر بقيادة بول بوت بمقتل ما يقدَّر بنحو مليون ونصف إلى ثلاثة ملايين إنسان بين عامي 1975 و1979. وفي الصين، ارتبطت سياسات «القفزة الكبرى إلى الأمام» في عهد ماو تسي تونغ بمجاعة كارثية تُقدَّر ضحاياها، في كثير من الدراسات، بعشرات الملايين. وقد بلغ اختزال السياسة في القوة ذروته عند ماو تسي تونغ حين قال: “إن السلطة السياسية تنبع من فوهة البندقية”؛ وهي عبارة تكشف كيف تتحول السياسة، في منطق الأنظمة الثورية الشمولية، من فنٍّ لإدارة المجتمع إلى أداة لاحتكار السلطة عبر العنف المنظم.
“ينبغي لكل شيوعي أن يدرك هذه الحقيقة: إن السلطة السياسية تنبع من فوهة البندقية.”
“ماو تسي تونغ” – من كتابات مختارة، «مشكلات الحرب والاستراتيجية»، 1938
ليست هذه الأرقام مجرد وقائع تاريخية، بل شواهد على ما يحدث حين تتحول العقيدة السياسية إلى آلة سحق للإنسان، وحين يصبح الحاكم فوق الحساب.
ولم تنته هذه المأساة بانتهاء القرن العشرين. فما زال العالم، رغم الانفجار المعرفي والتقني، يشهد زعماء يكررون منطق القهر ذاته: قتل، وتهجير، واعتقال، وإخفاء قسري، وخنق لكل صوت معارض. ومن ينظر إلى هذه النماذج قد يندفع إلى القول إن السياسة قذرة. غير أن الحكم الأدق هو أن الاستبداد قذر، وأن الطغيان هو الذي يلوّث السياسة، لا أن السياسة في ذاتها نجاسة.
ولعل التجربة السورية تقدم مثالاً صارخاً على هذا الخلط. فحين يُذكر بشار الأسد وما ارتبط بعهده من قتل مئات الآلاف، واعتقال وتعذيب، وتهجير ملايين السوريين، لا يكون السؤال الصحيح: هل السياسة قذرة؟ بل السؤال الأصح: ماذا يفعل الاستبداد حين يستولي على السياسة، ويحوّل الدولة إلى سجن كبير، والمواطن إلى رقم أمني، والوطن إلى ملكية عائلية؟ إن الجريمة هنا ليست في السياسة، بل في اغتيال السياسة وتحويلها إلى أداة إبادة وإخضاع.
دراسة ستيفن هايدمان عن «تحديات إعادة الإعمار في الدول الشرسة»، حيث رأى أن نية انظام الأسد كانت استخدام إعادة الإعمار لإعادة فرض السلطة وتشديد السيطرة على المجتمع والاقتصاد وتغيير ديموغرافيا سوريا.
“لم تكن سياسة الأسد إعادةَ بناءٍ للدولة، بل إعادةَ فرضٍ للسلطة، وتشديداً للقبضة على المجتمع والاقتصاد، ومحاولةً لتغيير البنية الديموغرافية لسوريا.”
“ستيفن هايدمان” — باحث مختص في الشأن السوري والسلطوية في الشرق الأوسط
والأمر نفسه يمكن أن يقال عن معمر القذافي الذي حكم ليبيا بالحديد والنار، وأفرغ الدولة من مؤسساتها، وحوّل المجال العام إلى مسرح للتمجيد والخوف. فهل نبرئ الطاغية ونحمّل السياسة وزر جنونه؟ أم نقول إن السلطة حين تقع في يد شخصية مهووسة بذاتها، معزولة عن المحاسبة، فإنها تفسد الدولة والمجتمع واللغة والأخلاق؟
“فلا نيابة عن الشعب، والتمثيل تدجيل.”
“معمر القذافي“، الكتاب الأخضر
إن تحميل السياسة كل هذا الوزر يشبه اتهام القلم لأنه كتب وشاية، أو اتهام البندقية لأنها استخدمت في قتل بريء. القلم أداة معرفة حين يمسك به صاحب ضمير، وأداة تضليل حين يمسك به جاهل أو مرتزق. والبندقية أداة دفاع حين يحملها من يحمي المظلوم، وكارثة حين يحملها مجرم. وكذلك السلطة: في يد السياسي الصالح تصبح مسؤولية وخدمة وبناءً، وفي يد الخائن أو المستبد تصبح مافيا منظمة.
لذلك فإن الواجب لا يكون بالهروب من السياسة، بل بإعادة الأخلاق إليها. فحين ينسحب أهل المبادئ من المجال العام، لا تصبح السياسة أطهر؛ بل تصبح أكثر وحشة. وحين يترك الصالحون الحكم للفاسدين بحجة أن السياسة قذرة، فإنهم يسلّمون المجتمع طوعاً لمن لا يعرفون من السلطة إلا منفعة أنفسهم.
“القلم لا يُدان لأنه كتب زوراً، والبندقية لا تُدان لأنها قتلت بريئاً؛ الذي يُدان هو الضمير الغائب حين يمسك بالأدوات والسلطة.”
السياسة لا تطهر بالشعارات، بل بالرقابة، والمحاسبة، وتداول السلطة، واحترام القانون، وحضور الضمير العام. ولا يكفي أن يكون الحاكم ذكياً أو قوياً أو بارعاً في المناورة؛ فالقوة بلا عدل استبداد، والذكاء بلا أمانة مكر، والسلطة بلا محاسبة فساد مؤجل أو معلن. لذلك كانت السياسة، في معناها الأعمق، امتحاناً للأخلاق لا نقيضاً لها. ولا يكون الإصلاح بالهروب من السياسة، بل بإعادة الأخلاق إليها قبل أن تصير السلطة غنيمةً في يد المستبدين.
وفي النهاية:
ليست السياسة قذارة ولا نجاسة. إنها مرآة من يمارسها. إن أمسك بها صاحب مروءة صارت طريقاً للإصلاح، وإن استولى عليها مجرم صارت باباً للخراب. وقد تلخص حكمة سياسية متداولة هذا المعنى بقولها: عندما يمسك بالقلم جاهل، وبالبندقية مجرم، وبالسلطة خائن، يتحول الوطن إلى غابة لا تصلح لحياة البشر.








