

عندما يبغي الناس على بعضهم بعضاً، وتتغلب فئة على أخرى، لا بدّ من المحاسبة، ولا بدّ من القصاص من القتلة، لأن إعادة بناء الدولة ومؤسساتها لا تتم إلا بالعدالة الانتقالية. فالزعران وأهل الشرور مكانهم الطبيعي السجن، والتعامل معهم يجب أن يكون من خلال قصاص عادل وفقاً للقانون، لا عبر التسويات، ولا عبر مظاهر الإكرام، ولا عبر مراعاة الخواطر، ولا عبر العدالة الانتقائية التي تغفر لهذا لأنه “من جماعتنا”، وتطالب بمحاسبة ذاك لأنه “من جماعتهم”. إن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي حتماً إلى ارتداد خطير على الدولة ومشروعها، وعندها يصبح البديل هو “عدالة الموز” وكواتم الصوت، حيث يقتصّ كل أحد من قاتل ذويه بنفسه.
«إعادة بناء الدولة ومؤسساتها لا تتم إلا بالعدالة الانتقالية.»
“مصعب الأحمد بن أحمد“
لا أحد فوق القانون، لا الأفراد ولا الدولة، وغير ذلك ليس إلا استمراراً لنهج الظلم والبغي وتضييعاً جديداً لدماء الضحايا. وإن عدم تنفيذ العدالة الانتقالية على الجميع، ومنذ اليوم الأول، سواء على المتورطين في القتال أو في السجون أو في غيرها من ملفات الانتهاك، هو فتح لباب الفتن وسبيل لخرق ثوب الوطن. ونحن، مع ذلك، نفهم دولتنا، ونعرف أنه ليس في التاريخ عدالة انتقالية تم تطبيقها في غضون مدة قصيرة، وقبل أن يبسط النظام الجديد سيطرته على كامل تراب دولته. كما نفهم أن الدولة الوليدة لم يكن لها أن تتسلم السلطة وتستمر حتى اللحظة لولا كثير من المواءمات والتفاهمات، وربما الخضوع لشروط دولية ظالمة.
ونفهم أيضاً أن العدالة الانتقالية شأن سياسي بقدر ما هي شأن قضائي، وأنها إن أُسيء تطبيقها قد تتحول إلى أداة بطش، وقد ترسخ السلطوية، وتهزّ الثقة بالدولة الوليدة، وتقلق الحريات. ونفهم أن الدولة أعطت الأمان حتى لمن حمل السلاح، وأنها لا تستطيع أن تغدر بهم، وأنها لم ترسخ حكمها بعد، وأن أمامها ملفات كثيرة وشائكة تحتاج إلى تنظيم وتدرج، وأن في السياسة ضرورات وموازنات ومصالح ومفاسد. لكن الضرورة، مهما كانت، لا ينبغي أن تتحول إلى ترف في التساهل، ولا إلى نشوة في تبرير الخطأ، ولا إلى حالة اعتياد على إهمال حقّ الضحايا.
نحن بحاجة إلى رمانة ميزان نزن بها الأمور. احترموا على الأقل دموع الأرامل، وأنات الثكالى، ودماء الشهداء. وابتعدوا عن الكاميرات والجوالات حين يكون المشهد موجعاً إلى هذا الحدّ، وأنكروا المنكر إن لم تستطيعوا تغييره فوراً، واصرخوا في الناس بأن العدالة قادمة، وأن التأخير لا يعني الإهمال، ولا يعني النسيان.
«الدولة لا تُبنى بالانتقام، لكنها أيضاً لا تُحمى بالتساهل مع الجريمة ومغازلة القتلة.»
“مصعب الأحمد بن أحمد“
الدولة لا تُبنى بالانتقام، نعم، لكنها أيضاً لا تُحمى بالتساهل مع الجريمة ومغازلة القتلة وشركائهم في سفك الدم. وبين هذا وذاك مساحة دقيقة لا يضبطها إلا ميزان العدل ورجاحة القرار. ومن اتصالي المباشر بمراكز صنع القرار أعلم أن الحكومة ليست في وارد التسامح مع المجرمين، لكنها تركز أولاً على من يشكل خطورة مباشرة، ثم قد يستمر ملف المحاسبة طويلاً، وهو فيما أرى لم يبدأ بعد بالصورة التي ينتظرها الناس.
وحتى إن كانت الحكومة قد استعانت بشخصيات قليلة من النظام السابق، فهذا لا يعني أن نقول إن الفلول خرجوا من السجون وعادوا لاستلام البلد. هذه كلمات مسمومة تروجها حسابات خبيثة وذباب إلكتروني، وعلى الحاضنة الثورية أن تتنبّه لها. وبعض الشباب الثائر يشاركون في هذه الحملة من باب الضغط على الحكومة كي لا تتهاون أكثر من ذلك، وهؤلاء أبرياء وشرفاء، ويحق لهم الكلام، لكنني أنصحهم بألا يتحول ضغطهم المشروع إلى هدم لجهود الحكومة وشعبيتها، لأن ذلك يخدم الفلول أيضاً، ويفقد الناس الثقة بدولتهم.
أي دولتنا الغالية، احذروا. يُصنع الآن للبلد شكل جديد من الهوية تحت أعين النظام الدولي، وهذه العملية تستدعي صراعات داخلية قد تربك الدولة وتدفعها أكثر باتجاه الحضن الخارجي. ويجري أحياناً تسويق ذلك على أنه حنكة سياسية، أو دبلوماسية عميقة، أو كفاءة عالية، حتى يصبح الاهتمام بالخارج مقدماً على الداخل. وهذا، في جوهره، تكرار لسيناريو مألوف عرفه السوريون من قبل، حين كان الخارج ذريعة دائمة لإهمال الداخل، حتى انفجر الداخل في وجه الجميع.
إن ثمة أفخاخاً داخلية تنشأ من هذه الصراعات، ومن طريقة الحلول الخارجية التي قد تعتمدها الدولة. وخطورة هذه الأفخاخ أنها لا تنفجر فوراً، بل تختبئ تحت الأرض، ثم تظهر في لحظة حساسة، فتُعيد الدولة إلى المرحلة الهزيلة كلما حاولت أن تصبح أقوى. والأخطر من ذلك أن يصبح التدخل الخارجي في الشأن السوري أمراً طبيعياً ومقبولاً، فتُفتح الأبواب لكل أجهزة المخابرات والسفارات كي تتحول إلى مراجع في الشأن الداخلي، كما حصل في دول شقيقة عانت طويلاً من هذا المسار.
كما يجري أحياناً الترويج لأولويات غريبة تحت شعارات براقة من قبيل “الاقتصاد أولاً” أو “سوريا أولاً”، فيما يتم إظهار استحقاقات العدالة الانتقالية والانتقال السياسي والمشاركة السياسية وكأنها شأن نخبوياً يخص المثقفين المنفصلين عن الواقع. والحقيقة أن هذه الملفات ليست ترفاً فكرياً، بل هي من صلب استقرار الدولة، لأن إرجاء العدالة طويلاً قد يفتح المجال لتآكل الثقة، وتفكك العقد الوطني، وإضعاف مشروعية السلطة الجديدة في وجدان جمهورها.
نعم، لا ينبغي للدولة أن تتعامل مع التحديات، ولا سيما الأمنية منها، بعشوائية، بل وفق رؤية واضحة تأخذ في الحسبان أثر هذه التحديات في مسارات حيوية، وفي مقدمتها ملف العدالة الانتقالية. وكل قرار تتخذه الدولة يستند إلى معطيات وخلفيات، بعضها يمكن الإفصاح عنه، وبعضها الآخر تفرض المصلحة العامة عدم كشفه. نحن نفهم ذلك. لكن المهم أيضاً أن يدرك الجميع أولويات المرحلة، وأن يكون الحفاظ على الأمن متلازماً مع عدم إغفال القضايا المجتمعية الجوهرية، وعلى رأسها تحقيق العدالة.
«الذاكرة ليست ترفاً أخلاقياً، بل معركة وجود، ومن يضيّعها يسلّم دم الضحايا للجلاّد مرةً أخرى.»
“مصعب الأحمد بن أحمد“
لقد خرج الفلول من المجاري، يتقمصون اليوم دور الضحايا، ويخرجون علينا بإعلام مزيف ومظلومية مصنوعة، في محاولة فجة لطمس تاريخ مكتوب بالدم، وشطب ملايين الضحايا من دفتر الذاكرة. يريدون دفن ستين عاماً من المجازر والتعذيب والتدمير والتهجير الممنهج. ولهذا أقول: لا تتركوهم يمرون. طاردوهم إعلامياً بلا شفقة ولا مجاملات. افتحوا الملفات، وأعيدوا عرض الصور والأسماء والمقابر والسجون والبيوت المهدمة، وحضّروا لهم المحاكم قبل أن ينجحوا في قلب الحقائق وتزوير التاريخ، وقبل أن يصدق العالم أكاذيبهم ومظلومياتهم الكاذبة.
فكل المجرمين، قبل التحرير وبعده، يجب أن يلاحقوا، وكل الضحايا، قبل التحرير وبعده، جديرون بالإنصاف. فالذاكرة ليست ترفاً أخلاقياً، بل معركة وجود، ومن يضيّعها يسلّم دم الضحايا للجلاّد مرة أخرى.









نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.