

توطئةإنَّ المسافة بين ما يقوله الناس وما يضمرونه تتحول الكلمات أحياناً من وسيلة للتواصل إلى أداة للمصلحة والتلاعب. ومن خلال أمثلة من العلاقات اليومية، للعرب رأيٌ في الثقة والخذلان، مما يدعو إلى التمهّل في منح الثقة وقراءة المواقف وراء العبارات.
تقولُ العربُ في أمثالِها: “وراءَ الأَكَمةِ ما وراءَها”؛ إشارةً إلى أنَّ هناك أمراً مخفياً في دَرَجِ القولِ، وأنَّ ليس كلُّ الكلامِ الذي يُقالُ يُحمَلُ على حرفيَّةِ لَفْظِه، بل كثيراً ما يُخفي وراءَهُ مآربَ أخرى!
لا تكمنُ غرابةُ الحوارِ في اختلافِ ما نقول، بل في أننا قد نتَّفقُ على ذاتِ المفرداتِ، بينما نعيشُ داخلَ تصوراتٍ متباعدةٍ عنها تماماً؛ فالكلمةُ تُخفي حقيقتَها، والنبرةُ تخدعُ سامعَها! ليس كلُّ ما يُقالُ يُقصَد، ولا كلُّ ما يُقصَدُ يُحسَنُ بيانُه، ولا كلُّ ما يُحسَنُ بيانُه يُفْهَمُ ترجمانُه.
الكلامُ في أصلِه عبارةٌ عن كلماتٍ وعباراتٍ للتعبيرِ عن الأفكارِ والمشاعرِ، هذا هو المفهومُ الأساسيُّ المفترضُ. ولكن! عند تأمُّلِ استعمالِ أكثرِ الناسِ للكلامِ، نلاحظُ أنه غدا وسيلةَ هجومٍ وضغطٍ لتحقيقِ غاياتٍ شخصيةٍ ومآربَ دنيئةٍ، وأداةً للسيطرةِ والتلاعبِ وفرضِ الإرادةِ. إنَّ فضيلةَ الكلامِ تكمنُ في تقريبِ العقولِ، وترقيقِ القلوبِ، وإصلاحِ الشؤونِ، وإلا فالصمتُ أصلحُ وأسْلمُ.
أحياناً تُكرَّرُ الرسالةُ بألفِ طريقةٍ؛ تَلْوي المعنى، وتتلطَّفُ بالعبارةِ، وتختارُ مفرداتٍ تدورُ حولَ الحقيقةِ دونَ أن تصطدمَ بها مباشرةً، وكلُّ ذلك على أملِ أن يُقرَأَ ما بينَ السطورِ وما خلفَها.
عندما تقولُ لك المرأةُ: “إنها تحبُّ الشخصَ اللطيفَ الظريفَ”، فتبتسمُ أنتَ ابتسامةَ الدراويشِ وتقولُ: “أنا ذاكَ أنا ذاك”.. فهي في الأعمِّ إنما تقصدُ: أنها تريدُكَ بلا شخصيةٍ ولا رجولةٍ، طيِّعاً لأمرِها، مغضياً عن تصرفاتِها، مستسلماً لرعوناتِها، خادماً لها ولصُويحباتِها! وعندما تقولُ لكَ: “لا أحبُّ الشابَّ المنغلقَ الذي يغارُ”، فهي على الأرجحِ تقصدُ أنها تحبُّكَ بلا شرفٍ، ولا نخوةٍ، ولا كرامةٍ. وعندما تقولُ لكَ: “أنا لا أُفكِّرُ بالزواجِ والارتباطِ الآنَ”، فهي في الأرجحِ إنما تقصدُ “أنتَ وعنكَ فقط”؛ إذ لو تقدَّمَ لها مشهورٌ أو غنيٌّ لَقَبِلَتْ به قبلَ أن يتقدَّمَ لها، ولأنجبتْ منه قبلَ الخطبةِ حتّى! في هذا يتجلى
«إنَّ فضيلةَ الكلامِ تكمنُ في تقريبِ العقولِ، وترقيقِ القلوبِ، وإصلاحِ الشؤونِ، وإلا فالصمتُ أصلحُ وأسْلمُ.»
ويقولُ لكَ أهلُ المصلحةِ والـسَّلْتَةِ: “نحبُّ الرجلَ الكريمَ والصديقَ المُنْفِقَ”، فهم إنما يقصدون “الخروفَ” الذي يسهلُ أن يُسلَبَ صوفُه ولبنُه وهو ساكنٌ ساكتٌ. وحين يمدحُكَ مَن لا يحبُّكَ، ويدفعُكَ نحو الإقدامِ وأنتَ تحسبُها شجاعةً وقوةً وأنه يتمنى لك الخيرَ، فإنكَ لا تعلمُ أنه إنما يدفعُكَ إلى حَتْفِكَ ويقرِّبُكَ من مِقْصَلَتِكَ، ويتمنى سقوطَكَ، ويرجو بَوَارَكَ. وهذا يكمن ما وراء الأكمة!
عندما يقولُ لكِ زوجُكِ: “إنكِ أفضلُ امرأةٍ في الدنيا”، فهو في الأعمِّ إنما يقصدُ أنَّ لديه فضلياتٍ تحتَ التمرينِ والسَّبْرِ، ولكنَّكِ الأفضلُ حالياً! وعندما يقولُ لكَ صديقٌ: “عندي مشروعٌ يجعلُ لكَ الدرهمَ درهمينِ، ويُذيقُكَ العسلَ، ويجعلُكَ في طبقةِ الأغنياءِ وأربابِ الثرواتِ، وهو فريدُ عصرِه ووحيدُ دهرِه”، فمادام صديقُكَ قادراً على فعلِ ذلكَ، فَلِمَ خصَّكَ به؟! هو إنما يقصدُ أنه يريدُ أن يغامرَ ولكن بمالِكَ أنتَ، وأن يكون شجاعاً بثروةِ غيرِه، مقداماً بما ليس له، فلا تتعجَّلْ! وعندما تقولُ لكَ المرأةُ: “أحبُّ الرجلَ الحَنُونَ المتسامحَ”، فهي تقصدُ: انتظرْ سيلاً من التجاوزاتِ والأخطاءِ التي لا تُغتفَرُ!
تجلسُ في مجلسٍ فتسمعُ القومَ يتكلمون عن مشاريعَ وخططٍ وأعمالٍ وبرامجَ، وفي الحقيقةِ فإنَّ تسعةً وتسعينَ بالمئةِ من الكلامِ الذي يدورُ حولَنا هو مجردُ ثرثرةٍ وأحاديثَ ليست ذاتَ قيمةٍ، وأغلبُها لتمشيةِ الوقتِ ليس إلا؛ فخَفِّف عنكَ ولا تتحمَّسْ، وتذكَّرْ قوْلَه تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}.
وبالمقابلِ فإنَّ: كثيراً من الحقيقةِ يختبئُ وراءَ كلمةِ “كنتُ أمزحُ”، وكثيراً من الغيرةِ وراءَ كلمةِ “لا، عادي”، وكثيراً من الألمِ وراءَ كلمةِ “حصلَ خيرٌ”، وكثيراً من الحاجةِ وراءَ كلمةِ “تسلمْ، ما تقصِّرُ”، وكثيراً من العذابِ وراءَ كلمةِ “أنا بخيرٍ”، وكثيراً من الغضبِ وراءَ كلمةِ “براحتِكَ”، والكثيرَ الكثيرَ من الكلامِ وراءَ “الصَّمْتِ”.
«ليس كلُّ ما يُقالُ يُقصَد، ولا كلُّ ما يُقصَدُ يُحسَنُ بيانُه، ولا كلُّ ما يُحسَنُ بيانُه يُفْهَمُ ترجمانُه.»
وختاماً:
لا تُصدِّقْ كلامَ البداياتِ لأنَّ وراءَهُ ما وراءَهُ، بل صدِّقْ كلامَ النهاياتِ الذي لا وراءَ له. أقولُ لكَ هذا الكلامَ لكي لا ترفعَ سقفَ التوقعاتِ، ولا تغرقَ في بحرِ “العشمِ”، ولا تُنزِلَ الناسَ إلا في منازلِها، حتى لا تصدمَكَ النتائجُ، وحتى لا يأتي يومٌ فتقولُ فيه متألِّماً:
أكانتْ شدةُ القربِ بيننا حجاباً إلى هذه الدرجةِ؟! أكانتْ زيادةُ الثقةِ في العلاقةِ هي ما جعلنا نتكئُ عليها دونَ الأخذِ في الاعتبارِ خذلانَها؟ أكانتْ تلكَ الرغبةُ الداخليةُ لدينا في عدمِ التضحيةِ بهذا الشخصِ وإخراجِه من حياتِنا هي ما دفعتنا إلى عدمِ تصديقِ أن يكون منه يوماً ما يجرحُنا أو يدمِّرُنا؟ أم أنَّ وجودَ ذلك الآخرِ في أدقِّ تفاصيلِ حياتِنا هو ما دفعنا إلى التعاملِ مع وجودِه كشيءٍ من المسلَّماتِ التي لا تستطيعُ نوائبُ الدهرِ كلُّها القضاءَ على وجودِه بجوارِنا؟. وهذا من تبعات ما وراء الأكمة!
ستدركُ حقيقةَ ما أقولُ عندما تُواجهُ الصدمةَ الأولى؛ تلك اللحظة الحرجة التي يخلعُ فيها الصديقُ قِناعَه ليعتليَ عرشَ الخصومِ. عندها فقط، تدركُ أنَّ ذكرياتِ الأيامِ السعيدةِ قد تتبخرُ في لحظةٍ واحدةٍ، وأنَّ قيمَ الوفاءِ المشتركةِ قد تُعرَضُ في مزادِ المصالحِ الشخصيةِ، وتُباعُ بأبخسِ الأثمانِ مع كلِّ فرصةِ تغيُّرٍ تبدو للآخرِ.
«كثيراً من العذابِ وراءَ كلمةِ “أنا بخيرٍ”، وكثيراً من الغضبِ وراءَ كلمةِ “براحتِكَ”، والكثيرَ الكثيرَ من الكلامِ وراءَ “الصَّمْتِ”.»
وفي الوقتِ الذي تحاولُ فيه تلمُّسَ الأعذارِ، أو استجداءَ فتاتِ المودةِ القديمةِ تذكيراً بما كانَ، ستصطدمُ بجدارٍ صلبٍ من النكرانِ والتعالي، ويُلجمُكَ الذهولُ عن النطقِ؛ فلا تسعفُكَ اللغاتُ مجتمعةً للتعبيرِ عن عمقِ خيبتِكَ وفداحةِ خُسرانِكَ، لاسيما حين تنهالُ عليكَ سوطُ كلماتِه الانتقاديةِ واللاذعةِ التي تحاولُ قلبَ الطاولةِ عليكَ وتحميلَكَ مسؤوليةَ الإخفاقِ، ليُنهيَ حوارَه بعبارةٍ تُجردُكَ من وعيِكَ كقولِه: “أنا لم أقصدْ جرحَكَ، ولكنَّ عيبَ الخللِ في فَهْمِكَ أنتَ!”. هنا يظهر ما وراء الأكمة بين الظاهر والباطن.
وحتى تنأى بنفسِكَ عن السقوطِ في فخِّ المغفَّليةِ والخذلانِ؛ تيقَّظْ، وتمهَّلْ، وتريَّثْ، واستدْعِ كلَّ مرادفاتِ الفطنةِ والحذرِ قبلَ أن تُقدِمَ على منحِ ثقتِكَ المطلقةِ. إنَّ هذا الطرحَ ليسَ دَعوةً سوداويةً للتشاؤمِ أو سوءِ الظنِّ المُطلقِ بالناسِ -كلا- بل هو دعوةٌ للواقعيةِ في التعاملِ مع أغلبِهم؛ فإذا كانَ “إنّ بعض الظنِّ إثم” في معاييرِ العلاقاتِ، فإنَّ أغلبَ الظنِّ في زمانِنا هذا غدا واجباً وقائياً، وفطنةً تحمي القلوبَ من الانكسارِ.
![]()








نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.