

بادئةتضع الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب سوريا السلطة الانتقالية أمام امتحان يتجاوز الإدانة إلى حماية المواطنين واستعادة الثقة. يناقش المقال حدود الرهان على التباين الأميركي الإسرائيلي، ومخاطر استثمار الانقسام المحلي، وضرورة الجمع بين الدبلوماسية والمساءلة والمصالحة الوطنية. فتماسك المجتمع يتطلب حقوقاً متساوية وسياسة معلنة يستطيع الناس تقييم نتائجها.
حين تُفتَّش المنازل ويُعتقَل سكان من قراهم، يصبح السؤال عن السيادة سؤالاً عن أمان البيت والطريق إلى العمل وعودة الأبناء. وفي 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أفادت وكالة سانا باعتقال شخص بعد مداهمة منزله خلال توغل إسرائيلي في قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي. إنها واقعة جديدة في مسار اعتداءات يضع سكان الجنوب أمام خوف متجدد، ويضع الحكومة أمام سؤال لا تكفي للإجابة عنه لغة الإدانة: كيف ستُحمى حياة الناس وأرضهم؟ [1]
يتفهّم السوريون أن بلادهم المنهكة لا تحتمل حرباً جديدة، وأن تفاوت القوة يفرض حسابات دقيقة. لكن تفهّم القيود لا يلغي الحاجة إلى معرفة ما تفعله السلطة لتغيير هذا الواقع. وكلما اتسعت المسافة بين الاعتداء الملموس والجواب الحكومي المفهوم، صار من الأرجح أن يتحول القلق إلى استياء، وأن تتآكل الثقة بقدرة الحكومة الانتقالية على الوفاء بأبسط التزاماتها. من هنا تتجاوز أزمة الجنوب حدود العلاقة بين دمشق وتل أبيب، أو حسابات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. إنها أيضاً امتحان للعلاقة بين الدولة ومواطنيها: هل يجد السوري، أياً كان انتماؤه وموقفه السياسي، حماية متساوية ومعلومة موثوقة وحقاً في السؤال؟
الاعتداءات على جنوب سوريا: كلفة تتجاوز الحدود
المشكلة أوسع من حوادث منفصلة. ففي 8 أيلول/سبتمبر 2026، نقلت رويترز عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا قلقها من ترسّخ النشاط العسكري الإسرائيلي، بما يشمل التوغلات والمداهمات والحواجز والمنشآت العسكرية. وحذرت اللجنة من أن بعض الأفعال، ومنها احتجاز مدنيين، قد ترقى إلى جرائم حرب. وتنفي إسرائيل وجود أطماع إقليمية وتسوّغ تحركاتها باعتبارات أمنية، فيما ترفض دمشق والأمم المتحدة انتهاك السيادة السورية. [2]
في قراءة هذه الوقائع، يبدو الخطر في قابلية الوجود العسكري لأن يتحول، مع مرور الوقت، إلى أمر معتاد تُدار حياة السكان تحت شروطه. فالحاجز الذي يعطّل الحركة أو المداهمة التي تُرهب أسرة يحملان أثراً يتجاوز لحظتهما؛ إذ يغيّران حسابات الناس بشأن الزراعة والتجارة والبقاء في قراهم. وتصبح حماية السيادة متصلة مباشرة بإمكان العيش والعمل.
لهذا ينبغي أن تُقاس الاستجابة السورية بما تحققه للسكان: متابعة مصير المعتقلين، وتوثيق الأضرار، وتوفير المساعدة القانونية والإغاثية، وحماية استمرار الخدمات، وتحريك الأدوات الدبلوماسية المتاحة. وقد يكون الامتناع عن الرد العسكري قراراً مسؤولاً في ظروف معينة، لكن مسؤوليته تكتمل حين ترافقه سياسة يمكن شرحها ومراجعة نتائجها.
«لا يكفي أن تطلب الدولة من الناس تفهّم عجزها؛ عليها أن تُريهم كيف تعمل على تجاوزه.»
سامية الحسيني
الثقة بالحكومة: ما الذي تقوله المؤشرات؟
توجد مؤشرات تستحق الانتباه، مع ضرورة ضبط حدودها. ففي جولة حزيران/يونيو 2026 من «استطلاع سوريا»، انخفض التقييم الإيجابي لأداء الحكومة بين المشاركين من 25% في نيسان/أبريل إلى 20%، وارتفع التقييم السلبي من 44% إلى 52%. وشملت كل جولة 900 مشارك في دمشق وريف دمشق وحمص؛ لذلك لا تمثل النتائج السوريين جميعاً، ولا تقيس بمفردها أثر الاعتداءات الإسرائيلية في التأييد الحكومي. [3]
وتسبق هذه النتائج اعتداءات تشرين الأول/أكتوبر، فلا يصح تقديمها دليلاً على أثر تلك الاعتداءات. لكنها تلفت إلى هشاشة رصيد الثقة الذي تواجه به السلطة الأزمات المتلاحقة. وفي الاستطلاع نفسه، أفاد 56% من المشاركين بأنهم يواجهون صعوبة في تغطية نفقات المعيشة مرة واحدة شهرياً على الأقل. تتجاور، إذاً، أسئلة الأمن والمعيشة في تجربة المشاركين، من دون أن يثبت ذلك سبباً واحداً لتراجع الرضا.
والاستنتاج السياسي الذي أراه هو أن تكرار الانتهاكات، حين يقترن بغموض الاستجابة وضيق العيش، قد يضيف ضغطاً جديداً إلى علاقة مأزومة أصلاً. المواطن الذي يخشى على أرضه ورزقه يحتاج إلى تفسير مقنع لما يجري وإلى خطوات تخفف الضرر. أما مطالبته بتجديد الثقة من دون معايير أو مواعيد للمراجعة فتجعل التأييد المطلوب منفصلاً عن تجربته اليومية.
جنوب سوريا بين واشنطن وتل أبيب: حدود الرهان
تطرح السياسات الأميركية والإسرائيلية سؤالاً عن مدى التقاء مصالح الطرفين في سوريا وحدود اختلافها. ويمكن مناقشة هذا الاحتمال انطلاقاً من التزامات معلنة: ففي 16 أيلول/سبتمبر 2025، تبنت سوريا والأردن والولايات المتحدة خريطة طريق لمعالجة أزمة السويداء واستقرار الجنوب، تؤكد وحدة سوريا وسيادتها، وتربط التسوية بحماية الحقوق وإعادة بناء الثقة. [4]
هذا الالتزام يتيح لدمشق مطالبة واشنطن بتوضيح كيفية التوفيق بين دعم وحدة سوريا واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية. لكنه لا يبرر افتراض أن السياسة الأميركية ستتحول تلقائياً إلى ضمانة كافية للسيادة، أو أن الخلاف مع إسرائيل، حيث يظهر، سيقود حتماً إلى كبحها. فالنص الدبلوماسي يعلن اتجاهاً، وتبقى قيمته العملية رهناً بما يُنفَّذ.
الأجدى، إذن، أن يُصاغ السؤال الموجّه إلى إدارة ترامب بوضوح: ما الإجراءات التي تجعل التزامها بوحدة سوريا قابلاً للتصديق؟ وما الذي سيتغير على الأرض إذا استمرت التوغلات؟ إن تحميل واشنطن مسؤولية الوفاء بتعهداتها أقوى سياسياً من انتظار أن تحسم وحدها تناقضات المنطقة لمصلحة السوريين.
وبالتوازي، تستطيع دمشق العمل على تقاطع مصالح مع الأردن وتركيا والسعودية ودول أخرى معنية باستقرار سوريا. غير أن تقاطع المصالح يحتاج إلى تنسيق ومطالب محددة، ولا يقوم مقام اتفاق ملزم أو حماية متحققة. كما أن النجاح الدبلوماسي في الخارج يظل محدود الأثر إذا عجزت الدولة عن ترميم علاقتها بمجتمعها.
السويداء: استعادة الثقة شرط لوحدة الجنوب
تختزل بعض القراءات أزمة السويداء في خيارات الشيخ حكمت الهجري أو في احتمال توظيف إسرائيل للانقسام المحلي. غير أن هذا الاختزال يُغفل مخاوف السكان وتجاربهم مع العنف ومسؤوليات الأطراف السورية. ويشير تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، الصادر في تموز/يوليو 2026، إلى بطء تقدم خريطة الطريق، واستمرار القلق بشأن المحاسبة عن انتهاكات تموز/يوليو 2025، وإلى رفض سلطات محلية في السويداء للخريطة. [5]
لذلك فإن نقد الرهان على حماية إسرائيل ينبغي أن يترافق مع اعتراف واضح بحق الأهالي في الأمن والعدالة. لا تُستعاد الثقة بتجاهل ما وقع، ولا بتحميل جماعة كاملة مسؤولية مواقف قيادات أو مجموعات مسلحة. وعلى الدولة أن تبرهن، بالمحاسبة المنصفة والخدمة المتساوية، أن الانضواء في مؤسساتها يمنح المواطن حماية يمكنه الاعتماد عليها.
كما أن روايات تسليح مجموعات محلية بمعدات متطورة أو إعداد ممر بري يصل السويداء بالمناطق التي تسيطر عليها إسرائيل تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل اعتمادها. ثبوت التوغلات الإسرائيلية لا يثبت تلقائياً كل سيناريو متداول. والتحذير من خطر التفكك يكون أكثر جدية حين يحدد ما نعرفه، وما لم نتحقق منه، وما ينبغي للجهات المختصة أن تجيب عنه.
وتشبيه أي تشكيل محلي بتجربة جيش أنطوان لحد قد يعبّر عن خشية من الارتهان للخارج، لكنه يظل تشبيهاً سياسياً يحتاج إلى إثبات الوقائع التي يقوم عليها. والأولوية اليوم لتوسيع مساحة السوريين الراغبين في حل يحفظ وحدة البلاد وحقوق سكانها، بعيداً عن التخوين الجماعي والتلويح بالعقاب.
«وحدة الجنوب تُبنى حين يشعر أهله أن العدالة تشملهم، وأن الدولة تتّسع لاختلافهم.»
سامية الحسيني
من خريطة الطريق إلى مسؤولية التنفيذ
تتيح خريطة الطريق أساساً عملياً للمراجعة: التحقيق والمحاسبة، وتيسير المساعدات والخدمات، وتأمين الحركة، ومعالجة أوضاع المفقودين والمحتجزين، وترتيبات أمنية وإدارية بمشاركة المجتمع المحلي. وهذه التزامات معلنة، وليست شهادة على إنجازها. والسؤال المشروع بعد مرور أكثر من عام هو: ماذا تحقق، وأين تعثر التنفيذ، ومن يتحمل مسؤولية التعثر؟ [4]
يمكن للحكومة أن تنشر متابعة دورية تميّز بين ما أُنجز وما يجري التفاوض عليه، وأن تتيح لأهالي الجنوب عرض اعتراضاتهم ومشكلاتهم عبر قنوات واضحة. ويمكنها أن تحدد الجهات المسؤولة عن المعتقلين والتعويضات والخدمات، وأن تعرض نتائج التحقيقات وفق مقتضيات العدالة. بذلك تصبح المصالحة مساراً يعرف الناس حقوقهم داخله، ويمكنهم مساءلة القائمين عليه.
وتلتقي هذه المقاربة مع سؤال ناقشته مآلات في مقال «مجالس الصلح في سورية: جسر إلى العدالة أم بديل عنها؟»: كيف تسند التسويةُ الحقوقَ وتفتح طريقاً إلى الثقة بالمؤسسات؟ ففي الجنوب أيضاً، يتوقف دوام أي تفاهم على ما يلمسه المواطن من إنصاف وأمان.
مسؤولية السلطة والإعلام في مواجهة الغموض
لا يصح القول إن السلطة والإعلام الرسمي يصمتان عن الاعتداءات صمتاً مطلقاً؛ فالخبر الرسمي الذي بدأ به هذا المقال نفسه شاهد على نشرها، وتوجد مطالبات سورية معلنة بالانسحاب الإسرائيلي. لكن الإخبار بالانتهاك وتكرار الإدانة يتركان سؤال السياسة العامة مفتوحاً: ما خطة حماية السكان، وما أدوات متابعة الانسحاب والمعتقلين، وكيف سيعرف الناس أن مساراً ما حقق تقدماً؟
هذه هي مساحة الصمت التي ينبغي مساءلتها: نقص الأجوبة المفهومة عن الخيارات والنتائج. لا يحتاج المواطن إلى الاطلاع على تفاصيل عملياتية تعرّض أحداً للخطر؛ يحتاج إلى أهداف معلنة، وجهات مسؤولة، ومعلومات دورية تتيح له التمييز بين الصبر الضروري وتأجيل المسؤولية.
وعلى الإعلام أن يوجّه هذه الأسئلة بانتظام، وأن ينقل شهادات السكان بعد التحقق منها، ويتابع ملفاتهم بعد انقضاء دورة الخبر. فالاستقلال المهني يسمح بكشف التقصير وتصحيح الشائعات معاً. وحين يُحرم الناس من المعلومات، تتسع مساحة التأويل والاتهام، وتصبح كل حادثة جديدة سبباً لتعميق السخط.
«حين تغيب الإجابة الرسمية، تتكاثر الشائعات؛ وحين تغيب المحاسبة، تتآكل الثقة.»
سامية الحسيني
جنوب سوريا: وحدة المجتمع تبدأ بالحق في الحماية
أرى أن مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية تبدأ أيضاً من قدرة السوريين على الاجتماع حول مطالب واضحة، مهما اختلفوا في تقييم الحكومة أو مستقبل المرحلة الانتقالية. يستطيع أبناء درعا والقنيطرة والسويداء، ومعهم السوريون في بقية البلاد والاغتراب، الدفاع عن وحدة الأرض ورفض الوصاية الخارجية، والمطالبة في الوقت نفسه بالعدالة والخدمات والمشاركة. لا تعارض بين هذه الحقوق، ولا يجوز استخدام أحدها لإسكات الآخر.
وهذا الاجتماع يحتاج إلى عمل سلمي متواصل تشارك فيه الهيئات المدنية والنقابات والوجهاء وأصحاب الخبرة والإعلام المستقل: توثيق الانتهاكات، ومساندة المتضررين، ومساءلة المسؤولين عن خطة المواجهة ونتائجها، ورفض تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة طائفية. كما يحتاج إلى سلطة تتعامل مع النقد بوصفه حقاً، وتفتح المجال لمشاركة من يختلفون معها.
إن تراكب الخوف الأمني، والشعور بانتهاك السيادة، وضيق المعيشة يجعل الغموض الرسمي أشد كلفة. وإذا بقيت الأجوبة مؤجلة، فقد يتسع السخط وتضعف قدرة الدولة على طلب الصبر والتعاون. لذلك تقع على الحكومة مسؤولية أن تتكلم بوضوح، وأن تعمل بما تستطيع، وأن تُخضع نتائج عملها للمراجعة؛ وتقع على الإعلام مسؤولية ألّا يترك هذا الالتزام بلا متابعة.
يبقى السؤال عما ستفعله واشنطن وتل أبيب مهماً، لكن السوريين لا يملكون ترف تعليق مستقبلهم على جوابه. ما يستطيعون البدء به هو بناء موقف وطني يتسع للجميع، يحمي حق المواطن في الأمان والمعرفة والعيش الكريم. فحين يشعر الناس أنهم شركاء في حماية بلدهم، وأن سلطتهم تصارحهم وتُحاسَب أمامهم، تصبح وحدة المجتمع قوة تستطيع الدولة أن تستند إليها في الدفاع عن سيادتها.


المراجع
- سانا، «قوات الاحتلال تعتقل شخصاً خلال توغلها بريف القنيطرة الجنوبي»، 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
↩ - أوليفيا لو بوادفان، رويترز، «لجنة أممية: بعض الأفعال الإسرائيلية في سوريا قد ترقى إلى جرائم حرب»، 8 أيلول/سبتمبر 2026؛ عنوان مترجم.
↩ - مجلة سوريا المتجددة، «استطلاع سوريا — حزيران/يونيو 2026»، النتائج والمنهجية؛ بدعم تحليلي من معهد كلينغندال. العينة في دمشق وريف دمشق وحمص، وغير ممثلة وطنياً.
↩ - خريطة الطريق السورية الأردنية الأميركية لحل أزمة السويداء واستقرار جنوب سوريا، النص الكامل المنشور لدى سانا، 16 أيلول/سبتمبر 2025.
↩
↩وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، «تطورات العلاقة بين الحكومة الانتقالية والفاعلين الدروز»، ملف سوريا، القسم 1.1.2، تموز/يوليو 2026؛ عنوان مترجم.
↩
سؤال المقالكيف تحمي سوريا جنوبها وتستعيد ثقة مواطنيها، فيما تتكرر الاعتداءات الإسرائيلية وتتداخل مخاوف المجتمع مع غموض الاستجابة الحكومية؟








نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.