
![]()
بادئة:
لم تعد الجولة الجديدة من المواجهة مع إيران احتمالاً يقترب في الأفق؛ فقد بدأت ملامحها بالفعل. فالهدنة التي أوقفت القتال مؤقتاً لم تكن نهايةً للحرب، بل فاصلاً قصيراً أعاد خلاله الطرفان ترتيب حساباتهما، قبل أن تتجدد الضربات والهجمات المتبادلة حول مضيق هرمز وعلى امتداد دول الخليج.
ولا يعني ذلك أن إيران أصبحت دولةً منهارةً أو فقدت جميع أدواتها العسكرية، لكنها لم تعد في موقع الهجوم والمبادرة كما كانت خلال العقود الماضية. فقد تعرض مشروعها الإقليمي لسلسلة خسائر استراتيجية بدأت من سورية ولبنان، ثم امتدت إلى داخل الأراضي الإيرانية نفسها.
من إدارة الحرب بالوكالة إلى استقبالها في الداخل
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 ضربةً قاسيةً للمشروع الإيراني في المنطقة، إذ فقدت طهران ممراً استراتيجياً كانت تستخدمه لنقل السلاح والدعم إلى حزب الله في لبنان، كما تراجع حضورها السياسي والعسكري داخل سورية بصورة واضحة.
وفي لبنان، تعرض حزب الله لخسائر بشرية وعسكرية وسياسية متراكمة، ما أضعف إحدى أهم حلقات ما كان يسمى «محور المقاومة». وبذلك تقلصت قدرة إيران على استخدام ساحات النفوذ الخارجية بوصفها خطوط دفاع متقدمة تبقي المواجهة بعيدةً عن أراضيها.
لكن التحول الأخطر تمثل في انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني. فقد قُتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضربات الأميركية والإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، كما سقط عدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين، بينهم شخصيات قيادية في الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية الإيرانية.
«حين تنتقل الحرب من ساحات الوكلاء إلى قلب الدولة، لا يعود النفوذ خط دفاع، بل يتحول إلى فاتورة مؤجلة تدفعها الدولة من أمنها واستقرارها.»
“محمد وليد اسكاف”
لقد بنت طهران استراتيجيتها طوال عقود على إشغال خصومها خارج حدودها، عبر الوكلاء والجماعات المسلحة والضغط السياسي والاقتصادي. أما اليوم، فقد تراجعت المسافة الفاصلة بين الصراع الإقليمي والأمن الداخلي الإيراني، وسقط بذلك أحد أهم أوهام الاستراتيجية الإيرانية: إمكان إدارة الحروب من الخارج من دون أن تصل نيرانها إلى الداخل.
اقتصاد الحرب ومأزق مضيق هرمز
اقتصادياً، يواجه الداخل الإيراني ضغوطاً شديدةً بفعل العقوبات، وتضرر البنية التحتية، وانخفاض الثقة الاستثمارية، وارتفاع تكاليف الحرب. وتشير تقارير إلى أن الاقتصاد الإيراني، الذي كان يعاني أصلاً من ضعف النمو والتضخم والعزلة المالية، أصبح أكثر عرضةً للركود والاضطرابات الاجتماعية بعد اتساع المواجهة.
أما مضيق هرمز، فقد تحول من ورقة ردع استراتيجية إلى سلاح ذي حدين. فإيران تستطيع تعطيل الملاحة أو تهديد السفن، لكنها لا تستطيع فعل ذلك من دون إلحاق الضرر باقتصادها وبعلاقاتها مع أوروبا ودول الخليج والدول الآسيوية المستوردة للطاقة.
وقد أعادت طهران إعلان إغلاق المضيق، بينما واصلت الولايات المتحدة توجيه السفن عبر مسارات قريبة من المياه العُمانية، في وقت تؤكد فيه أوروبا ضرورة ضمان حرية الملاحة ورفض أي ترتيبات تمنح دولةً واحدةً سلطة التحكم بالممر البحري.
وبذلك لم يعد مضيق هرمز مجرد ورقة تفاوضية إيرانية، بل أصبح سبباً في توحيد خصوم طهران، ودفع دول الخليج إلى توسيع خطوط الأنابيب والطرق البديلة، وتشجيع القوى الدولية على زيادة وجودها العسكري في المنطقة.
مطالب مرتفعة على طاولة دولة منهكة
على الرغم من الخسائر، لا تزال إيران ترفع سقف مطالبها. فهي تسعى إلى رفع العقوبات، والإفراج عن أموالها المجمدة، وضمان عدم تكرار الهجمات، والحصول على اعتراف بدور لها في تنظيم الملاحة داخل مضيق هرمز.
وتحدثت تقارير عن إنشاء صندوق خاص بقيمة 300 مليار دولار لتمويل الاستثمار وإعادة الإعمار في إيران، على أن يأتي تمويله من القطاع الخاص ودول وشركاء محتملين، وليس بوصفه تعويضات أميركية مباشرة. وقد نفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تكون واشنطن قد التزمت بدفع هذا المبلغ إلى إيران، ما يكشف حجم التناقض بين الروايتين الأميركية والإيرانية للاتفاق.
هذه المطالب تبدو في ظاهرها مطالب دولة منتصرة، لكنها تصدر عن دولة تحاول منع تدهور موقعها الاستراتيجي، والحفاظ على ما بقي من أوراقها قبل أن تتعرض بنيتها العسكرية والاقتصادية لمزيد من الاستنزاف.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد أن إيران فقدت جميع عناصر قوتها. فما زالت تمتلك ترسانةً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقدرةً على تهديد الملاحة والمنشآت العسكرية والطاقة في الخليج. كما أثبت الحرس الثوري قدرته على مواصلة العمل، على الرغم من مقتل عدد من قادته، مستفيداً من بنيته اللامركزية وتعدد مراكز القيادة داخله.
«إيران لم تفقد كل أوراقها، لكنها فقدت أهم امتياز استراتيجي امتلكته طويلاً: القدرة على إشعال الإقليم من دون أن تشتعل النار في داخلها.»
“محمد وليد اسكاف”
هل تسعى واشنطن إلى إسقاط النظام؟
لا توجد حتى الآن وثيقة أميركية معلنة تؤكد أن إسقاط النظام الإيراني هو الهدف الرسمي للحرب. والأرجح أن واشنطن تسعى في المرحلة الراهنة إلى تقليص قدرة الحرس الثوري على إدارة الدولة والحروب الإقليمية، وتدمير جزء من منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتجفيف الشبكات المالية التي تمول القيادة الإيرانية وعملياتها الخارجية.
وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على أفراد وشركات مرتبطة بالقيادة الإيرانية الجديدة وبالشبكات المالية الداعمة للحرس الثوري، بالتوازي مع استمرار الضربات العسكرية.
ومن منظور استراتيجي، قد يكون السيناريو الأميركي الأقرب هو دفع إيران نحو وضع يشبه النموذج الفنزويلي: دولة قائمة ومتماسكة شكلياً، لكنها محاصرة اقتصادياً، محدودة النفوذ، وغير قادرة على تهديد المصالح الغربية أو التحكم بأمن الخليج.
غير أن تحقيق هذا السيناريو ليس مضموناً. فزيادة الضغط الخارجي قد تؤدي إلى إضعاف النظام، لكنها قد تدفع أيضاً إلى مزيد من التشدد الداخلي، وتعزيز قبضة الحرس الثوري، وإغلاق المجال السياسي، وتحويل إيران إلى دولة أكثر عدوانيةً وأقل قابليةً للتنبؤ.
ما الذي سيحدد اتساع الجولة الجديدة؟
يتوقف مسار المواجهة خلال المرحلة المقبلة على مجموعة من العوامل المتداخلة:
1. قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على مواصلة الضربات وتأمين مخزون كافٍ من الذخائر والصواريخ الاعتراضية.
2. نوعية المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بمواقع القيادة والصواريخ ومراكز الاتصال والبنية العسكرية الإيرانية.
3. موقف دول الخليج ومدى استعدادها لتقديم تسهيلات عسكرية أو السماح باستخدام قواعدها وأجوائها.
4. قدرة أسواق الطاقة على تحمل اضطرابات جديدة بعد استنزاف جانب من الاحتياطيات الاستراتيجية العالمية.
5. تماسك مؤسسات النظام الإيراني وقدرة القيادة الجديدة على ضبط الخلافات بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري والحكومة.
6. المسار الدبلوماسي والبرنامج النووي وإمكان التوصل إلى صيغة تعيد فتح مضيق هرمز وتمنع توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة.
من سؤال التوقيت إلى سؤال المدى
لم تعد الحرب في مرحلة انتظار أو تحضير، بل دخلت جولةً جديدةً قد تكون أشد خطورةً من سابقاتها. والجولة الماضية كشفت مقدار الضعف الذي أصاب المشروع الإقليمي الإيراني، بينما تكشف الجولة الحالية مدى قدرة النظام نفسه على الصمود داخل حدوده.
وقد يصبح الحرس الثوري الهدف الأساسي للضغوط العسكرية والاقتصادية المقبلة، لأنه المؤسسة التي تدير البرنامج الصاروخي، وتحمي بنية النظام، وتشرف على جانب كبير من شبكات إيران الإقليمية والاقتصادية.
لكن استهداف الحرس الثوري لا يعني بالضرورة القدرة على القضاء عليه، كما أن إضعاف إيران لا يعني تلقائياً إنتاج نظام أكثر اعتدالاً أو منطقة أكثر استقراراً. فالدول الجريحة قد تتراجع، وقد تندفع أيضاً إلى خيارات أكثر خطورةً حين تعتقد أن بقاءها أصبح مهدداً.
لذلك لم يعد السؤال: متى تبدأ الجولة القادمة؟
لقد بدأت بالفعل.
أما السؤال الحقيقي فهو: إلى أي مدى ستتسع، وهل ستنتهي بتسوية تعيد ضبط السلوك الإيراني، أم بحرب استنزاف طويلة تجعل الشرق الأوسط كله يدفع ثمنها؟







