

أقرأ انتخابات الكونغرس النصفية بوصفها مراجعة شعبية لكلفة السياسات الأميركية، واختباراً لقدرة المؤسسات على تصحيح مسار الحكم. فانتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين يزيد الرقابة على الإدارة والإنفاق، لكنه لا يلغي صلاحيات الرئيس ولا يضمن إنهاء الحرب على إيران. وبين فرص التعاون ومخاطر التصعيد، تبرز حاجة سوريا إلى علاقات مؤسسية وحماية حقوق مواطنيها، وحاجة دول الخليج إلى تنسيق أمني وضمانات أوضح. وأرى أن القيادات العربية تستطيع التأثير في شروط التسوية إذا بادرت إلى تحديد مصالحها المشتركة، بدلاً من انتظار ترتيبات يصوغها الآخرون.
لا أقرأ نتائج انتخابات الكونغرس الأميركي، التي جرت في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بوصفها انتقالاً للأغلبية من حزب إلى آخر فحسب. ما يستوقفني أكثر هو المسافة التي اتسعت بين ما أرادت الإدارة الأميركية إقناع مواطنيها بأهميته، وما شعر هؤلاء بأنهم يدفعون ثمنه في حياتهم اليومية. فبين الوعود بإعادة بناء القوة الأميركية، وكلفة الحرب والغلاء والقلق على المستقبل، اختار قطاع واسع من الناخبين إعادة توزيع السلطة في واشنطن.
لقد أعلنت وكالة أسوشيتد برس حسم الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، مع استمرار حسم بعض السباقات. وامتد الاختراق إلى مقاعد جمهورية في ولايات مثل تكساس وكانساس وساوث كارولاينا؛ وهي نتائج تمنح التراجع الجمهوري دلالة تتجاوز الخسارة المعتادة لحزب الرئيس في منتصف ولايته. ومع ذلك، أفضّل التمييز بين حسم اتجاه الأغلبية وبين الحصيلة النهائية للمقاعد، التي لا يصح تثبيتها قبل اكتمال النتائج المتاحة وتحديد تاريخ تحديثها. [1]
وفي تكساس خصوصاً، يحمل تقدّم الديمقراطي جيمس تالاريكو على الجمهوري كين باكستون في النتائج الرسمية المنشورة لسباق مجلس الشيوخ معنى سياسياً يصعب تجاهله. لكنني لا أتعامل مع تحوّل انتخابي واحد باعتباره انقلاباً دائماً في هوية الولاية؛ فقد يعاقب الناخب حزباً في دورة، ثم يعود إليه حين تتغير القضايا والمرشحون. الأهم هنا أن المعاقل الحزبية نفسها أصبحت قابلة للاهتزاز عندما تتراكم كلفة السياسات على أصحاب الأصوات. [2]
ولفهم ما حدث، أعود إلى طبيعة الانتخابات النصفية. ففيها يُجدَّد مجلس النواب كله، ويُنتخب نحو ثلث مجلس الشيوخ، إلى جانب مناصب على مستوى الولايات والمحليات. وهي تمنح الأميركيين فرصة لمحاسبة الإدارة بعد عامين من وصولها، من دون انتظار نهاية الولاية الرئاسية. غير أن تحويلها إلى قانون ثابت يقضي بخسارة حزب الرئيس السيطرة على المجلسين يختزل تاريخاً أكثر تنوعاً.
ففي عام 1994، خسر الديمقراطيون أغلبية المجلسين في عهد بيل كلينتون. أما انتخابات 1998، فقد حسّنت موقعهم في مجلس النواب، لكنها لم تُعد إليهم السيطرة على الكونغرس كما يُشاع أحياناً. وفي عهد باراك أوباما، جاءت الهزيمة النصفية الكبرى عام 2010، لا عام 2009، وخسر حزبه مجلس النواب مع احتفاظه بأغلبية الشيوخ. هذه الفروق ضرورية، لأن التاريخ يساعدنا على تفسير الحاضر حين نقرأه بدقة، لا حين نستدعيه لتأكيد نتيجة مقررة سلفاً. [3]
«حين تتسع المسافة بين خطاب القوة وتجربة المواطن اليومية، يصبح صندوق الاقتراع المكان الذي يلتقيان فيه على نحو مؤلم للسلطة».
انتخابات الكونغرس النصفية بين كلفة المعيشة وحدود التفويض
أميل إلى قراءة جانب مهم من النتيجة باعتباره تصويتاً عقابياً ضد الإدارة، أكثر من كونه تفويضاً مفتوحاً للديمقراطيين. فالناخب يستطيع أن يرفض أداء من يحكمه، من دون أن يكون مقتنعاً تماماً بقدرة البديل على معالجة مشكلاته. ومن الخطأ أن يخلط المنتصر بين إزاحة خصمه واكتساب ثقة طويلة الأجل.
في انتخابات الكونغرس النصفية، يصعب فصل الداخل عن الخارج. فقد تناول مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، قبيل التصويت، كيف تتداخل الحرب على إيران والسياسة التجارية والهجرة والتحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مع قلق الأميركيين على الاقتصاد. ويشرح إليوت أبرامز، المسؤول السابق عن الملف الإيراني، أن التحفظ على استمرار الانخراط في حروب الشرق الأوسط يرتبط أيضاً بشعور المواطنين بأنها تستنزف موارد يحتاجون إليها داخلياً. وهذه خلاصة أستعين بها في تفسير النتيجة، من دون اختزال دوافع ملايين الناخبين في سبب واحد. [4]
من جهتي، أرى أن مواجهة التهديدات التي يفرضها النظام الإيراني تظل قضية أمنية جدية، لكن الاعتراف بخطورة التهديد لا يعفي أي إدارة من شرح أهداف الحرب وحدودها وشروط إنهائها. فالحرب لا تُقاس فقط بما تدمره من منشآت الخصم، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج وضع أمني أفضل، وبالكلفة التي تفرضها على المجتمع الذي يخوضها وعلى حلفائه.
وعندما تطول المواجهة، يصبح السؤال الشعبي أكثر مباشرة: ماذا حققنا حتى الآن، وما الذي سيمنع تكرار التصعيد؟ هنا تتحول الاستراتيجية إلى مسألة معيشية. المواطن الذي يقلق على فاتورة الوقود أو استقرار عمله لا يحتاج إلى إنكار الخطر الإيراني كي يعترض على طريقة إدارة الحرب.
ولا أريد، في المقابل، أن يتحول تقييم ترامب إلى خصومة شخصية تلغي كل ما طرحه. أجد في الدعوة إلى ضبط الحدود، ومكافحة الجريمة، وتقليل الاعتماد الصناعي على الخارج، وتحميل الحلفاء مسؤولية أكبر عن دفاعهم، قضايا تستحق النقاش الجاد. لكن تأييد الهدف لا يعني اعتبار كل وسيلة ناجحة، ولا يسمح بنسبة كل تحسن اقتصادي أو أمني إلى قرار رئاسي واحد. الحكم على النتائج يحتاج إلى بيانات وفترات مقارنة، وإلى الفصل بين ما أُعلن وما تحقق.
وبالمعيار نفسه، أنتقد الخطاب الذي يجعل الإهانة أداة سياسية، أو يربط مؤسسات الدولة بالولاء الشخصي، أو يثير الشكوك حول اختلاط النفوذ العام بالمصالح الخاصة. قوة الرئاسة الأميركية تأتي من قدرتها على تشغيل المؤسسات وحشد الثقة حولها؛ وكلما تراجعت هذه الثقة، ازدادت كلفة تمرير السياسات، حتى داخل حزب الرئيس.
ومع انتقال الأغلبية، سيكون أمام ترامب كونغرس أكثر استعداداً لمراجعة الإنفاق وفتح التحقيقات ومساءلة المسؤولين. لكن هذه الصلاحيات تحتاج إلى ضبط في الوصف: فالموافقة على التعيينات القضائية والتنفيذية التي يشملها الإجراء الدستوري من اختصاص مجلس الشيوخ، وليست صلاحية مشتركة للمجلسين. أما عزل الرئيس، فيبدأ باتهام يقره مجلس النواب، ثم محاكمة في الشيوخ تتطلب الإدانة فيها موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين. لذلك لا تكفي الأغلبية الحزبية وحدها لضمان إخراج رئيس من منصبه. [5]
ولا تعني النتيجة أن الرئيس فقد قدرته على الفعل. سيحتفظ بحق النقض وصلاحيات تنفيذية وعسكرية واسعة ضمن النظام الدستوري، فيما تبدأ ولاية الكونغرس المنتخب في الثالث من يناير/كانون الثاني 2027. ما يتغير هو بيئة القرار: ستصبح المساومة أصعب، والرقابة أشد، وقد تتزايد محاولات الحكم بالأوامر التنفيذية وما يصاحبها من نزاعات سياسية وقضائية. [5]
«أظهر الكونغرس الـ116 أن هناك مجالات لتقارب الحزبين في السياسة الخارجية، حتى في ظل انقسام السلطة».
ولهذا لا أرى أن اختبار الديمقراطيين أقل صعوبة. إذا استهلكوا انتصارهم في تصفية الحسابات، فقد يكتشفون أن الناخب الذي استخدمهم لمعاقبة الجمهوريين قادر على معاقبتهم بدورهم. يحتاج المواطن إلى نتائج في كلفة المعيشة والخدمات والفرص، وإلى رقابة تكشف الخلل وتمنع تكراره.
«تستعيد المعارضة معناها حين تجعل المحاسبة طريقاً إلى إصلاح الحكم، وتفقده حين تكتفي بإطالة عمر الخصومة».
ويبقى لديّ قلق من التيارات الراديكالية حين تمنح الانتماء الأيديولوجي أولوية على المساواة أمام القانون، أو تتسامح مع الإكراه الديني تحت عنوان الدفاع عن التنوع. لكن نقد هذه التيارات يقتضي تحديد مواقفها وممارساتها، وتجنب جمع اليسار والتقدميين والمسلمين والحركات الإسلامية في كتلة واحدة. فهذا الخلط يضعف الحجة، ويصرف النظر عن الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح على الجميع.
ومن هذه الزاوية أتناول فوز عبد الرحمن السيد بمقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ، الذي أعلنته أسوشيتد برس. لا أرى أن الأصل العربي أو الانتماء الديني يمنحان السياسي حصانة من النقد، كما أنهما لا يصلحان دليلاً على تبعيته لتنظيم أو مشروع خفي. ما يعنيني هو برنامجه وسجله ومواقفه من الحريات والمساواة والفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية. وأي اتهام بعلاقة تنظيمية يحتاج إلى دليل مستقل؛ فالتشدد في طلب الدليل يحمي النقد السياسي من التحول إلى خصومة مع الهوية. [1]
انتخابات الكونغرس النصفية وتداعياتها على إيران وسوريا والخليج
عند الانتقال إلى أثر الانتخابات خارج الولايات المتحدة، أستعين بفكرة روبرت بوتنام عن «اللعبة ذات المستويين»: فالقائد الذي يفاوض في الخارج يتحرك أيضاً داخل حدود القبول السياسي في بلاده. وقدرته على إقناع الطرف الآخر تتأثر بقدرته على تأمين دعم مؤسساته وجمهوره. هذه الفكرة لا تعطينا نبوءة جاهزة، لكنها تفسر لماذا تصبح خسارة الأغلبية عاملاً في حسابات الحرب والتفاوض، حتى عندما يبقى الرئيس نفسه في البيت الأبيض. [7]
«سيتيح حجم انتصار الديمقراطيين في الكونغرس أصواتاً بديلة وذات نفوذ في واشنطن للحلفاء والشركاء، فيما يمنح الخصوم سبباً للتريث».
في الملف الإيراني، قد تزيد النتيجة الضغط للبحث عن مخرج سياسي أو لتقييد تمويل عمليات جديدة. وقد أشار أبرامز، قبل الانتخابات، إلى أن سلطة الكونغرس المالية ستكون من أهم أدوات التأثير إذا تبدلت الأغلبية. لكنني لا أساوي بين زيادة هذه القيود وانتهاء الحرب تلقائياً؛ إذ تتوقف النتائج أيضاً على قرارات طهران، وحسابات إسرائيل، وشروط أي تفاوض، وقدرة الأطراف على تنفيذ التزاماتها. [4]
بل إن الفترة الفاصلة بين الانتخابات وتسلم الكونغرس الجديد مهامه قد تحمل مخاطر خاصة. فقد حذرت باربرا سلافين، في تحليل نشره مركز ستيمسون قبل الاقتراع، من احتمال استغلال هذه النافذة لتصعيد المواجهة مع إيران. أتعامل مع تحذيرها بوصفه تقديراً استراتيجياً، لا خبراً عن قرار حتمي؛ لكنه يذكرنا بأن تراجع قوة الرئيس داخلياً قد يدفعه إلى التسوية، وقد يغريه أيضاً بمحاولة انتزاع إنجاز عسكري سريع. [9]
وفي الجهة المقابلة، قد تقرأ طهران الخسارة الجمهورية باعتبارها دليلاً على نجاح استنزاف الإدارة الأميركية سياسياً. وقد رصد مشروع «التهديدات الحرجة» هذا الاتجاه في مواقف قيادات إيرانية عقب الانتخابات، مع الإشارة إلى أنها لا تتوقع بالضرورة انقلاباً جوهرياً في السياسة الأميركية. وهذه قراءة أصحابها، وليست إثباتاً بأن الحرب حققت لإيران مكسباً استراتيجياً صافياً. فالقدرة على إيقاع كلفة سياسية بالخصم لا تمحو الخسائر التي يتحملها المجتمع والدولة. [10]
تقديري أن المساومات حول التمويل وأهداف المواجهة وشروط التهدئة ستزداد أهمية، لكنني سأراجع هذا التقدير إذا سبقتْها هجمات واسعة أو توسع استهداف الملاحة والمنشآت الحيوية. والمؤشرات الأجدى للمتابعة ستكون طلبات الإنفاق العسكري، والتشريعات المقيدة للعمليات، وشروط الوساطات، ومدى إدراج أمن دول المنطقة في أي اتفاق.
وفي أوروبا وأوكرانيا أيضاً، لا تكفي تبدلات الكونغرس لضمان استقرار العلاقة مع واشنطن. فكل ترتيب يطمئن إليه حليف يحتاج إلى قدرة أميركية على تنفيذه واستمراره، فيما قد تصبح السياسة الخارجية ميداناً أوسع لحركة الرئيس إذا ضاقت أمامه فرص التشريع الداخلي.
«فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية الأميركية لا يعني بالضرورة أن علاقاتهم بالولايات المتحدة ستتحسن في وقت قريب».
وهذا ما يجعلني أتحفظ على الاحتفال بنتيجة انتخابية أميركية كما لو أنها اتفاق دولي جديد. فالنتيجة تفتح فرصاً وتضع قيوداً، لكن كيفية استخدامها تظل موضع تنازع بين الرئاسة والكونغرس، وبين الدول التي تحاول التأثير فيهما.
«تبدأ خطورة التسويات حين يُحسب نجاحها بعدد الملفات التي أُغلقت في واشنطن، فيما تبقى أسباب الانفجار مفتوحة في المنطقة».
أما سوريا، فلا أراها خارج تداعيات انتخابات الكونغرس النصفية، وإن لم تكن في مقدمة أولويات الناخب الأميركي. فمسار الانفتاح عليها، والمساعدات، وما تبقى من قيود وعقوبات موجهة، والتعاون الأمني، كلها ملفات تتأثر بالعلاقة بين الإدارة والكونغرس. وقد أوضحت خدمة أبحاث الكونغرس، في تقريرها المحدث في يونيو/حزيران 2026، أن المشرعين يراقبون شمولية الانتقال السوري، ومعاملة المكونات الدينية والإثنية، وترتيبات دمج القوى المحلية في المؤسسات الأمنية، وأن قرارات التمويل تتيح لهم أدوات للتأثير والرقابة. [12]
ومن هنا أستشرف احتمال زيادة التدقيق في علاقة واشنطن بالسلطة السورية، وربط بعض أوجه الدعم بممارسات قابلة للتحقق في حماية المدنيين والمساءلة وبناء المؤسسات. وهذا استنتاج من الأدوات والاهتمامات القائمة، وليس برنامجاً معلناً للأغلبية الجديدة. وفي المقابل، قد يدفع الانشغال بإيران إلى التعامل مع سوريا من زاوية أمنية ضيقة، فتتقدم مكافحة التنظيمات المتطرفة وضبط الحدود على متطلبات التعافي السياسي والاجتماعي.
ما أتمناه للسوريين، وما أراه أكثر نفعاً عملياً، هو بناء علاقة مؤسسية تتسع للحزبين وللجان المختصة ومراكز البحث، إلى جانب العلاقة مع البيت الأبيض. وعلى القيادات السورية أن تدرك أن حماية المواطنين والمحاسبة على الانتهاكات وإشراك المكونات في مؤسسات الدولة تبني مصداقية يصعب تعويضها بالدعاية. كما أن الدور العربي يستطيع أن يمنح الاستقرار السوري عمقاً اقتصادياً وسياسياً، شريطة ألا يتحول الدعم إلى تغطية للأخطاء أو إلى منافسة على مناطق النفوذ.
وهنا أصل إلى ما أراه السؤال الأهم عربياً: كيف تستثمر القيادات العربية هذه التحولات قبل أن تُصاغ نتائجها من دونها؟
لا أرى أن الجواب يكون بانتظار رئيس أميركي أكثر كرماً في تقديم الضمانات. وإذا ازداد ميل واشنطن إلى تقليل بعض التزاماتها أو مطالبة دول الخليج بتحمل حصة أكبر من أعباء أمنها، فإن الاستعداد لهذا الاحتمال يبدأ بتحديد المصالح العربية المشتركة: حماية الملاحة، وأمن المنشآت والطاقة، ومنع استهداف الأراضي العربية، ورفض تحويلها إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية.
«يواجه الشرق الأوسط صراعاً طويل الأمد، منخفض الحدة، من دون تسوية كاملة».
هذا الانكفاء الجزئي احتمال ينبغي الاستعداد له، ولا أقدمه بوصفه نتيجة محسومة للانتخابات. كما أن تقليل بعض الالتزامات الأميركية قد يتزامن مع استمرار التعاون الاستخباراتي والتسليحي والوجود العسكري في مواقع أخرى. لذلك يحتاج القادة العرب إلى قراءة تفصيلية لما قد يتغير، وإلى تفاهمات واضحة بشأن الالتزامات وآليات تنفيذها، بدلاً من الاكتفاء بطمأنات سياسية عامة.
وبوسع دول الخليج، بما تملكه من علاقات وأدوات اقتصادية وقنوات وساطة، أن تعمل لإدراج أمنها في شروط أي تسوية للحرب على إيران. ويتطلب ذلك تنسيقاً عربياً أكثر جدية، وتطوير الدفاع المشترك وحماية البنية التحتية، وتنويع الشراكات من دون افتراض أن أياً منها سيقدم ضمانات بلا مقابل. وتبقى أمام هذا المسار عقبات حقيقية، أبرزها اختلاف تقدير التهديدات وتفاوت أولويات الدول؛ وهي عقبات تعالجها المصالح المحددة والعمل المتدرج.
«كلما امتلك العرب تصوراً مشتركاً لأمنهم، ازدادت قدرتهم على تحويل حاجة القوى الكبرى إليهم إلى التزامات قابلة للتنفيذ».
في النهاية، أقرأ انتخابات الكونغرس النصفية باعتبارها تذكيراً بحدود القوة حين تنفصل عن القدرة على إقناع المجتمع بكلفتها وغايتها. فقد يعاقب الناخب إدارةً على حرب، لكنه لا يكتب وحده شروط السلام الذي يليها. وبين الرسالة الانتخابية والتسوية الدولية مساحة واسعة تصنعها المبادرة والضغط والتحالفات.
هذه هي المساحة التي ينبغي للقيادات العربية أن تتحرك فيها الآن: أن تؤثر في شروط إنهاء الحرب على إيران، وأن تطلب ترتيبات تحمي الخليج من جولة جديدة، وأن تجعل تعافي سوريا جزءاً من استقرار المنطقة. فإذا مالت أميركا إلى الانكفاء الجزئي عن بعض أدوار الرعاية الأمنية، فستزداد قيمة القدرة العربية على التنسيق والفعل.
وأخشى أن يكون أفدح ما نضيّعه هو الوقت بين ظهور التحول واستقرار نتائجه. فالقيادة التي تنتظر اكتمال المشهد لتحدد موقعها قد تجد أن الآخرين سبقوها إلى تحديده. أما استثمار هذه اللحظة فيبدأ بإرادة عربية تجعل أمن المجتمعات ومصالحها أساس التفاوض، وتمنحها القدرة على المشاركة في كتابة ما بعد الحرب.
![]()

المراجع
- أسوشيتد برس، إعلان حسم السيطرة على الكونغرس في انتخابات 2026 وتسلسل إعلان نتائج مجلس الشيوخ، 5 نوفمبر 2026. ↩
- سكرتارية ولاية تكساس، نتائج الانتخابات العامة في 3 نوفمبر 2026، تحديث 4 نوفمبر 2026. ↩
- السجل التاريخي لمجلس النواب، التوزيع الحزبي عبر دورات الكونغرس، ومجلس الشيوخ، التوزيع الحزبي التاريخي. ↩
- مجلس العلاقات الخارجية، كيف تؤثر الحرب والتجارة وقضايا السياسة الخارجية في انتخابات 2026 النصفية؟، 29 أكتوبر 2026. ↩
- الأرشيف الوطني الأميركي، نص الدستور وتعديلاته، ومجلس الشيوخ، صلاحيات الموافقة على التعيينات. ↩
- جينيفر هندريكسون وايت، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ثلاث طرق يستطيع بها الكونغرس الديمقراطي الجديد تقييد ترامب في السياسة الخارجية، 4 نوفمبر 2026. ↩
- روبرت بوتنام، الدبلوماسية والسياسة الداخلية: منطق الألعاب ذات المستويين، مجلة International Organization، 1988. ↩
- أندرو هايد وآخرون، مركز ستيمسون، قراءات الخبراء: الانتخابات النصفية ومكانة أميركا في العالم، 4 نوفمبر 2026. ↩
- باربرا سلافين، مركز ستيمسون، مخاطر الفترة الفاصلة قبل تسلم الكونغرس الجديد على الحرب مع إيران، 2 نوفمبر 2026. ↩
- مشروع التهديدات الحرجة، تحديث إيران: 4 نوفمبر 2026. ↩
- ليانا فيكس وآخرون، مجلس العلاقات الخارجية، الديمقراطيون يفوزون بالكونغرس: كيف قد يؤثر ذلك في السياسة الخارجية الأميركية؟، 4 نوفمبر 2026. ↩
- خدمة أبحاث الكونغرس، سوريا والسياسة الأميركية، التقرير IF11930، تحديث 11 يونيو 2026؛ نسخة منشورة في أرشيف EveryCRSReport. ↩
- المجلس الأطلسي، بمشاركة جوناثان بانيكوف وآخرين، ما الذي ستغيره الانتخابات النصفية في السياسة الخارجية الأميركية، وما الذي لن تغيره؟، 4 نوفمبر 2026. ↩
سؤال المقال:
هل تفتح انتخابات الكونغرس النصفية باباً لتوازن أميركي أكثر استقراراً،
أم تنقل الاستقطاب إلى السياسة الخارجية،
وكيف يستطيع العرب استثمار هذا التحول؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.