
حين يسألني أصدقائي الأمريكيون عن المشهد السوري الراهن، غالباً ما يطرحون سؤالاً يبدو في ظاهره بسيطاً: “هل أنت متفائل أم متشائم بشأن مستقبل سوريا؟”. لكن بالنسبة لنا نحن السوريين، الإجابة لا تقع في فخ الثنائيات الحادة، بل هي أعقد من ذلك بكثير. شخصياً، أصف موقفي بأنه “تفاؤل حذر”، وهو تفاؤل يرفض الاستسلام لليأس، ويستند إلى قراءة واعية لتحولات عميقة تموج تحت سطح المجتمع.
مخاض المجتمع: من الصمت السياسي إلى لغة النقد
على الرغم من التحديات الجسيمة التي ما فتئت تواجهها البلاد، ثمة تبدلات اجتماعية وسياسية بدأت تتبلور في الداخل السوري وتستحق منا وقفة متأنية. لعل أبرز هذه التحولات هو انبعاث “لغة حوار” جديدة بدأت تسري بين السوريين أنفسهم.
فلأول مرة منذ عقود، أصبحت ممارسة “النقد” ظاهرة مرئية ومتصاعدة في الفضاء العام؛ حيث بات السوريون يجهرون بانتقاد الأداء الحكومي، ويضعون مؤسسات الدولة في مرمى المساءلة، بل وينظمون أحياناً احتجاجات محليّة أو تجمعات مدنية للتعبير عن هواجسهم حيال الظروف المعيشية والخدمات العامة. هذا التحول بحد ذاته يمثل انعطافة كبرى في بنية المجتمع السوري، الذي عاش عقوداً تحت وطأة “ثقافة الصمت” والخوف السياسي.
كسر جدار الخوف النفسي
ليس بالضرورة أن يكون كل نقد يُطرح اليوم نابعاً من دوافع “بناءة“؛ ففي أحيان كثيرة، يتحول الإحباط إلى خطاب مشحون عاطفياً أو هدّام. وهنا تبرز مسؤولية السلطات، لا في كتم الأصوات، بل في إيجاد معادلة دقيقة تحفظ الاستقرار والنظام العام مع صون الحريات المشروعة.
ومع ذلك، تظل الحقيقة الجوهرية التي لا يمكن القفز فوقها هي: أن شريحة واسعة من السوريين قد تحررت “نفسياً” من ثقافة الخوف التي صاغت وعيهم السياسي لأجيال. هذا التغير عميق الأثر؛ فالناس اليوم يتحدثون بانفتاح أكبر، والسجال العام بات ظاهرة مألوفة، وبدأت تتشكل تدريجياً ثقافة الإصغاء والحوار، وإن كانت لا تزال في طور الممارسة الهشة وغير المكتملة.
الفراغ الاتصالي: الإشاعة بوصفها “معلومة بديلة”
في المقابل، يبرز واحد من أخطر التحديات التي تجابه سوريا اليوم، وهو أزمة “التضليل الإعلامي” وتآكل الثقة بمصادر المعلومة. ففي ظل غياب تواصل رسمي منهجي وشفاف، تسيدت وسائل التواصل الاجتماعي والإشاعات المشهد، وكثيراً ما تكون هذه المعلومات غير دقيقة، مبالغاً فيها، أو مختلقة بالكامل.
هواجس “الذهب” والرواتب: دروس من الواقع
لقد تجلى هذا الفراغ الاتصالي بوضوح في الأشهر الأخيرة؛ حيث سرت شائعات حول فرض قيود مزعومة على مقتنيات الذهب في دمشق، مما تسبب بحالة من الذعر بين الصاغة والمواطنين قبل أن يتم توضيح الحقائق. وبذات النمط، انتشرت أخبار مضللة حول منع الآلات الموسيقية والترفيه، رغم أن الواقع في المقاهي والمطاعم والحياة الاجتماعية في المدن السورية يثبت عكس ذلك تماماً.
أما المثال الأكثر إيلاماً، فقد كان السجال حول زيادة الرواتب ومنح الأعياد؛ إذ خاض السوريون لأسابيع في دوامة من الأرقام والتوقعات الخيالية عبر الفضاء الرقمي، مما رفع سقف التوقعات إلى مستويات غير واقعية، ليأتي المرسوم الرسمي لاحقاً مغايراً تماماً لتلك التكهنات، وهو ما يعكس فجوة تواصلية خطيرة بين “الدولة” و”المجتمع“.
نحو هندسة جديدة للشفافية والمساءلة
إن سوريا في أمسّ الحاجة اليوم إلى استراتيجية تواصل حكومي حديثة، تتسم بالشفافية والمصداقية. لا ينبغي للمواطن أن يظل رهينة لصفحات مجهولة أو لتكهنات “الشارع” ليفهم القرارات الاقتصادية التي تمس رغيف خبزه.
ما يحتاجه السوريون يتجاوز مجرد حرية التعبير، إنهم يحتاجون “الحق في الوصول إلى المعلومة”.
“ياسر أشقر”
مقترحات لاستعادة الثقة العامة:
- الإحاطات الدورية: ضرورة وجود مؤتمرات صحفية رسمية (يومية أو أسبوعية) تقدم تحديثات شفافة حول السياسات الاقتصادية، أسعار الصرف، التضخم، والتوجهات الوطنية الكبرى.
- برامج المساءلة الوطنية: أقترح إطلاق برنامج “مساءلة عامة” عبر الإعلام الوطني، يكون منصة للمواجهة المباشرة والعلنية بين المسؤول والمواطن، تحت رقابة مدنية واضحة.
- مأسسة “صوت الشعب”: سواء أطلقنا على هذا الجهد اسم “الرقابة اليومية“، “صوت الناس“، “العين الساهرة“، أو “عين على الحقيقة“، فإن المهم هو الجوهر: حوار حقيقي، سؤال مباشر، وإجابة صادقة.
وختاماً، الثقة لا تُبنى بالشعارات الرنانة، بل بالشفافية والمساءلة والقدرة على الإنصات. لهذا السبب، أتمسك بتفاؤلي الحذر؛ فالطريق لا يزال وعراً ومحفوفاً بالغموض، لكن بزوغ فجر الحوار الحقيقي داخل المجتمع السوري هو في حد ذاته المنجز الذي يستحق البناء عليه.
![]()







