
استهلال
وأنا أتابع عن قرب مشهد احتجاجات فرنسا، تتكشف أمامي ملامح أزمة اجتماعية وسياسية جدية، لا تكفي مظاهرها وحدها للحكم بانهيار الدولة. فاحتواء الأزمة يتطلب التمييز بين التظاهر السلمي والعنف، وإخضاع الأداء الأمني لرقابة فعلية، وتقديم استجابات اجتماعية قابلة للتمويل والتنفيذ. ومع اقتراب رئاسيات 2027، تكتسب طريقة إدارة الغضب وزناً متزايداً في تشكيل المنافسة السياسية، فيما تضيء المقارنة مع السياقات العربية أهمية المؤسسات الوسيطة وحماية حق الاعتراض.
تختصر عدسة الكاميرا احتجاجات فرنسا في مشهد شديد الجاذبية: نار عند زاوية شارع، وواجهات متضررة، وشرطة تتقدم وسط الهتاف. هذه صور من الأزمة، لكنها لا تختصر البلد. فما يغيب عن اللقطة هو السؤال الأصعب: كيف يمكن لمجتمع أن يحتج بهذا الاتساع، فيما تستمر مؤسسات دولته في العمل؟ وهل استمرارها دليل كفاية سياسية، أم قدرة على تأجيل الأسئلة التي يطرحها الشارع؟
في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026، تداخلت المطالب التعليمية مع الاعتراض على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات. وأفادت وزارة الداخلية، في بيان عن تحركات 5 تشرين الثاني، بأن معظم المسيرات المعلنة والمؤطرة نقابياً جرت إجمالاً بصورة جيدة، مع تسجيل اضطرابات في مدن عدة. وهذه رواية الجهة المسؤولة عن الأمن، تؤخذ بصفتها هذه، ولا تغني عن التحقق المستقل من الوقائع المتنازع عليها.[1]
أرى أن القراءة الجادة تبدأ من رفض حكمين متعجلين: افتراض أن كل اضطراب نذير سقوط، وافتراض أن رسوخ المؤسسات يجعل سياساتها صائبة حكماً. ففرنسا تواجه مشكلات حقيقية؛ والسؤال المفيد هو كيف تعالجها، وما إذا كانت وسائل المعالجة ترمم الثقة أو تستنزف ما بقي منها.
احتجاجات فرنسا بين مناعة المؤسسات وأزمة الثقة
ينبغي أولاً التمييز بين الدولة والحكومة والنظام الدستوري. قد تتراجع شعبية حكومة، أو تتعثر موازنتها، أو تتبدل موازين الأحزاب، من دون أن تتوقف الإدارة العامة أو يختفي القضاء. هذه القدرة على فصل مصير المؤسسات عن مصير القائمين عليها تفسر جانباً من إمكان اجتماع الغضب والاستمرار. لكنها لا تعني أن استمرار الجهاز الإداري يساوي رضا المجتمع عن الحكم.
ليست الشوارع الهادئة وحدها مقياس الاستقرار؛ فقد يصمت الناس خوفاً، وقد يحتجون لأنهم يتوقعون أن يكون لصوتهم أثر. وفي المقابل، لا تتحول كل مظاهرة إلى شهادة بصحة الديمقراطية: إذا تكررت الشكاوى نفسها، وضاقت قنوات التمثيل، وأصبح النزول إلى الشارع الطريق الوحيد لانتزاع الانتباه، فنحن أمام خلل يحتاج إلى إصلاح، لا مناسبة للاحتفاء بقدرة الدولة على الاحتمال.
لذلك لا أقرأ مناعة الجمهورية بوصفها حصانة تاريخية من التعثر. قوتها مورد يمكن تجديده بالمراجعة، ويمكن تبديده بالاكتفاء بإدارة الأعراض. وأخطر ما قد تفعله سلطة واثقة من مؤسساتها أن تخلط بين قدرتها على البقاء وقدرتها على الإقناع.
وأخطر ما قد تفعله سلطة واثقة من مؤسساتها أن تخلط بين قدرتها على البقاء وقدرتها على الإقناع.
“سامية الحسيني“
احتجاجات فرنسا: شارع واحد ومطالب متعددة
قد يجتمع الطالب والعامل والمتقاعد في مسيرة واحدة، لكنهم لا يدخلونها من الباب نفسه. من يطالب بمعلم في صفه يحتاج قراراً تعليمياً وتوظيفاً وتمويلاً؛ ومن تآكل أجره يحتاج سياسة للدخل والأسعار؛ ومن فقد الثقة بالتمثيل السياسي يحتاج إلى مشاركة يسمع فيها أثر صوته. أما الاعتداء على الأشخاص أو إحراق الممتلكات فمسؤولية محددة تستوجب التحقيق والمحاسبة، ولا يجوز إلحاقها آلياً بكل من شارك في الاحتجاج.
وتؤيد التغطية الميدانية هذا التعدد: رصدت أسوشيتد برس في تحركات 5 تشرين الثاني مشاركة طلاب وعمال ومتقاعدين، ومطالب تتعلق بالأجور وتمويل التعليم وظروف العمل.[2] لا يجعل ذلك الجميع كتلة سياسية متجانسة، ولا يثبت أن الأطراف المختلفة تتفق على برنامج واحد للخروج من الأزمة.
ومن هنا تبدأ مسؤولية الحكومة: تفكيك المطالب إلى ملفات قابلة للتفاوض، مع إعلان ما يمكن إنجازه فوراً وما يحتاج زمناً وموارد. أما مخاطبة الشارع كله بلغة الاشتباه فتمنح الأكثر عنفاً فرصة احتكار صورته؛ ومخاطبته بوعود عامة تترك الأكثر اعتدالاً بلا حجة يدافع بها عن جدوى الحوار.
أما مخاطبة الشارع كله بلغة الاشتباه فتمنح الأكثر عنفاً فرصة احتكار صورته؛ ومخاطبته بوعود عامة تترك الأكثر اعتدالاً بلا حجة يدافع بها عن جدوى الحوار.
“سامية الحسيني“
إدارة احتجاجات فرنسا: الأمن تحت المساءلة
حماية الناس والمتاجر والمرافق واجب على الدولة، وحماية التظاهر السلمي جزء من هذا الواجب. والموازنة بينهما لا تتحقق بإعلان حسن النيات؛ تحتاج إلى أوامر واضحة، وتدرج في التدخل، وإمكان التعرف إلى العناصر، وتحقيق فعلي في الشكاوى. كما أن إدانة اعتداء على شرطي لا تقتضي تبرئة كل استخدام للقوة، فإن إدانة تجاوز أمني لا تبرر الاعتداء على الشرطة.
والاعتراض الأقوى على التعويل على المؤسسات الفرنسية يأتي من داخلها أيضاً. ففي مراجعة منشورة في حزيران/يونيو 2026 لوقائع سانت سولين السابقة، خلصت مؤسسة «المدافع عن الحقوق» إلى استخدام غير متناسب لبعض وسائل القوة، ورصدت أوجه قصور في الرقابة والقيادة.[3] لا تثبت تلك القضية أن كل تدخل أمني في الاحتجاجات الراهنة مماثل لها؛ لكنها تمنعنا من التعامل مع الضمانات القانونية كأنها تطبيق مضمون في الميدان.
الفرق الحاسم أن يستطيع المتضرر الوصول إلى تحقيق جدي، وأن تتحول نتائجه إلى تصحيح ومحاسبة عند ثبوت المسؤولية. وحين يتعطل هذا المسار، تصبح عبارة «دولة القانون» وصفاً ناقصاً مهما كان رسوخها في الخطاب الرسمي.
رئاسيات 2027: من يملك تفسير الأزمة؟
لا تنتهي آثار الاضطراب حين تُنظَّف الشوارع. فالمنافسة السياسية تبدأ أيضاً عند تسمية ما جرى: هل هو إخفاق في الأمن، أم أزمة عدالة اجتماعية، أم تعثر في التمثيل؟ كل تفسير يفتح باباً مختلفاً للحل، ويمنح أصحابه فرصة لتوسيع جمهورهم. ومن المعقول توقع أن يدفع خطاب التشدد نحو أولوية الردع، وأن يدفع خطاب اجتماعي نحو الأجور والخدمات؛ لكن ذلك تحليل لمنطق المنافسة، وليس نسبة تصريح محدد إلى حزب أو زعيم.
ويزداد وزن هذه المعركة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. فبحسب التقويم الرسمي المعلن، يُجرى الدور الأول في 18 نيسان/أبريل 2027، والثاني في 2 أيار/مايو.[4] والأجدى للقوى السياسية أن تعرض كيف ستمول وعودها وكيف ستحمي الحقوق، بدلاً من الاكتفاء باستثمار الخوف أو الغضب.
ولا تسمح هذه المعطيات وحدها بالجزم بمن سيربح انتخابياً. فقد تدفع الاضطرابات بعض الناخبين إلى طلب مزيد من الصرامة، وتدفع آخرين إلى معاقبة الحكومة على تراجع الخدمات. ما يرجح أحد الاتجاهين هو تطور الأزمة وصدقية البدائل، لا شدة المشهد المتداول وحدها.
احتجاجات فرنسا والدين العام: من يتحمل الأعباء؟
هنا يصل الاحتجاج إلى دفتر الحسابات. فقد بلغ الدين العام الفرنسي، وفق تعريف ماستريخت وبيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية «إنسي»، 119% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية الربع الثاني من 2026، بقيمة نحو 3595.5 مليار يورو.[5] الرقم يوضح حجم الالتزامات المتراكمة؛ ولا يفسر وحده اندلاع الاحتجاجات، ولا يمثل نسبة من موازنة الدولة السنوية.
إنه يضيّق هامش التحرك، لكنه لا يلغي الاختيار السياسي. فتوظيف معلمين وتحسين خدمات عامة يحتاجان موارد مستمرة، وزيادة الضرائب تطرح سؤال من يدفع، وخفض الإنفاق يطرح سؤال من يخسر، والاقتراض يؤجل جانباً من العبء ويضيف التزامات لاحقة. كما أن إعادة توزيع بنود الإنفاق قد تفتح مجالاً محدوداً، لكنها لا تصنع موارد بلا كلفة أو مفاضلات.
ولهذا تصبح عدالة توزيع الأعباء جزءاً من الحل المالي نفسه. من الصعب إقناع أسرة متضررة بخفض خدمة أساسية إذا لم تعرف كيف تحددت الأولويات، ومن شملتهم الاستثناءات، وما النتائج المنتظرة. وعلى الحكومة أن تربط أي إجراء عاجل بمصدر تمويل معلن وجدول تنفيذ يمكن متابعته؛ فالشفافية لا تسدد الدين، لكنها تقلل كلفة انعدام الثقة.
أما رد الأزمة كلها إلى الحرب الروسية الأوكرانية أو إلى تراجع الصناعة فيحتاج إلى تحليل مستقل يزن أثر كل عامل عبر الزمن. تحميل سبب واحد تاريخاً مالياً معقداً يريح الجملة الصحفية، لكنه يضعف التفسير.
فالشفافية لا تسدد الدين، لكنها تقلل كلفة انعدام الثقة.
“سامية الحسيني“
لو وقع المشهد في بلد عربي
تستحق المقارنة العربية أن تُبنى على المؤسسات، لا على مفاضلة بين الشعوب. فالدول العربية مختلفة في مواردها وأجهزتها ومساحات المشاركة فيها، ولا يمكن توقع مآل واحد لمشهد احتجاجي متشابه. المتغير الأهم هو ما يحدث بين خروج الناس إلى الشارع واتخاذ السلطة قرارها: هل توجد نقابة تستطيع التفاوض، وإعلام يستطيع السؤال، وقضاء يستطيع حماية صاحب الشكوى؟
حيث تتوافر هذه الوسائط، يمكن تصور تسوية تجمع إجراءات معيشية محددة ومراجعة السياسات ومحاسبة التجاوزات. وحيث يكون الحوار شكلياً، قد تؤجل إعانة مؤقتة الغضب من دون معالجة سببه. أما حيث يُعامل الاعتراض كتهديد وجودي للحكم، فقد ينتقل الخلاف على خدمة أو سعر إلى صراع أوسع على شرعية السلطة. هذه مسارات محتملة بحسب الشروط، وليست أحكاماً حتمية على بلد بعينه.
وفي السياق السوري، يمكن قراءة سؤال المعيشة والتمثيل إلى جانب مقال مآلات «احتجاجات السوريين: الحالة تعبانة يا شرع.. كيف بدنا نعيش؟». قراءة ذات صلة الرابط بين التجربتين هو مسؤولية الحكم عن الاستجابة والمساءلة، مع بقاء الفوارق الكبيرة في آثار الحرب والموارد والبنية المؤسسية. تشابه الشكوى لا يعني تطابق شروط معالجتها.
وللتاريخ الفرنسي نفسه ما يحذر من القراءات السريعة. ففي أيار/مايو 1968، تداخلت الاحتجاجات الطلابية والإضرابات العمالية، وفُتحت مفاوضات غرونيل، ثم أعلن شارل ديغول حل الجمعية الوطنية في 30 أيار والدعوة إلى انتخابات تشريعية.[6] يوضح المثال تعدد أدوات معالجة الأزمة، ولا يثبت أن أزمة اليوم ستنتهي بالطريقة نفسها.
ما الذي سيحسم المآل؟
أرجح أن تبقى احتجاجات فرنسا في المدى القريب موزعة بين الشارع والتفاوض والموازنة والاستحقاق الانتخابي، بالنظر إلى استمرار القنوات المؤسسية وتعدد المطالب، أن يبقى الصراع في المدى القريب موزعاً بين الشارع والتفاوض والموازنة والاستحقاق الانتخابي. وهذا ترجيح مشروط، يضعف إذا انسدت التسويات أو اتسع العنف أو تراكمت التجاوزات بلا مساءلة. وفي المقابل، يمكن لإجراءات اجتماعية محددة التمويل، تفاوض عليها الأطراف المعنية، أن تخفف الاحتقان من دون ادعاء علاج الأزمة دفعة واحدة.
والمؤشرات التي تستحق المتابعة أوضح من النبوءات: هل تنتظم المفاوضات؟ هل تُنفذ الالتزامات التعليمية والاجتماعية؟ هل تتاح نتائج التحقيقات في التجاوزات؟ وهل تستطيع الحكومة شرح كلفة خياراتها وإخضاعها للنقاش؟
انخفاض أعداد المتظاهرين وحده لا يجيب عن هذه الأسئلة، كما أن عودة مسيرة كبيرة لا تعني وحدها اقتراب الانهيار.
“سامية الحسيني“
فرنسا ليست أكبر من النقد، وتاريخها لا يعفيها من إصلاح حاضرها. وما أراه جديراً بالتأمل هو قدرتها على إبقاء الخلاف قابلاً للمعالجة العامة، مع كل ما يعتري تلك القدرة من قصور. قوة الدولة أن يبقى للغاضب مكان في القانون، وأن يبقى للقانون سلطان على حارس النظام. وحين تنجح في الأمرين معاً، يصبح احتواء الأزمة خطوة في تجديد الثقة، لا مجرد استعادة مؤقتة لهدوء الشوارع.


المراجع
- وزارة الداخلية الفرنسية، حصيلة التعبئة الطلابية ويوم التحرك الوطني في 5 تشرين الثاني 2026؛ نُشر في 6 تشرين الثاني 2026. بيان رسمي يعرض رواية الوزارة. ↩
- أسوشيتد برس، سيلفي كوربيه، تغطية المظاهرات المطالبة بزيادة الأجور ودعم مطالب الطلاب، 5 تشرين الثاني 2026. ↩
- المدافع عن الحقوق، مراجعة اجتماع أخلاقيات الأمن في 16 حزيران 2026، وخصوصاً نتائج مراجعة قضية سانت سولين السابقة. ↩
- الخدمة العامة الفرنسية، الإعلان عن موعدي الانتخابات الرئاسية لعام 2027، 2 تموز 2026. ↩
- إنسي، الدين العام وفق تعريف ماستريخت في نهاية الربع الثاني من 2026، المعلومات السريعة رقم 239، 29 أيلول 2026. ↩
- مؤسسة شارل ديغول، التسلسل الزمني لأيار 1968: مفاوضات غرونيل وحل الجمعية الوطنية. ↩
سؤال المقال:
كيف تستطيع فرنسا حماية النظام العام والاستجابة لغضب مجتمعها، من دون أن يتحول الأمن إلى ذريعة لتقييد الحقوق أو يتحول الدين العام إلى عذر لتعطيل الإصلاح؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.