

توطئة
أعاد اتفاق مكة للدفاع المشترك طرح سؤال الحماية الإقليمية لسوريا. غير أن التقارب مع الدول المؤسسة، وحتى التعاون الدفاعي الثنائي، لا يساويان العضوية في الاتفاق. يناقش المقال حدود التعهد بالمساعدة، واختلاف أولويات الشركاء، والعقبات أمام تحول الرغبة السورية إلى ضمانة عملية. ويرى الكاتب أن التعويل على حماية عسكرية شاملة سابق لأوانه، وأن التعاون المحدد وبناء القدرة الوطنية معياران أجدى لتقييم أي تقارب.
اتفاق مكة وسوريا: لماذا يتقدم سؤال الحماية؟
من الطبيعي أن يتطلع السوريون إلى من يشد عضد بلادهم بعد سنوات الاستنزاف، وأن يسألوا عن موقع سوريا من اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب/أغسطس 2026. وحين أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في حوار المنامة، في 31 تشرين الأول/أكتوبر، أن نقاشات تجري لتقييم الانضمام، انتقل الموضوع من أمنية يتداولها بعض الكتّاب إلى احتمال مطروح على المستوى الرسمي. لكنه ظل احتمالاً قيد البحث، دون إعلان قرار نهائي. [1]
وتسارعت الخطوات داخل الاتفاق نفسه؛ فأقرّه البرلمان التركي في 5 تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن مصدراً تركياً غير مسمى، نقلت عنه وكالة أسوشيتد برس، قال إن الدول المؤسسة تركز على استكمال البناء المؤسسي قبل مشاركة دول أخرى. وهذه إفادة عن التوجه القائم، وليست قراراً معلناً برفض سوريا نهائياً. [2]
أفهم أسباب التفاؤل السوري، لكنني لا أرى أن الحاجة إلى الحماية تكفي للحصول عليها. فالدولة التي تطلب الانضمام تحسب ما ستكسبه من أمن، والدول التي تستقبلها تحسب أيضاً ما ستتحمله من أعباء. وهنا تبدأ المسافة بين رغبة دمشق وحسابات شركائها المحتملين.
ماذا يتعهد به اتفاق مكة فعلياً؟
بحسب النص الذي نشرته صحيفة «ذا ناشيونال»، تعدّ المادة الثانية الهجوم المسلح الخارجي على أحد الأطراف هجوماً على الجميع، مع مساعدة فورية تتحدد طبيعتها ومداها بعد تقييم الحاجة وفي حدود الإمكانات المتاحة، بما فيها العسكرية. وتشمل المواد الأخرى التعاون الدفاعي والاستخباراتي والدعم اللوجستي. أما انضمام أطراف جديدة فيرتبط بآلية ومعايير تقرّها اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية بتوافق الدول المؤسسة. [3]
والتمييز هنا ضروري: يوجد تعهد بالمساعدة، لكن النص يترك مساحة لتحديد شكلها. ومن ثم لا يصح اختزال الاتفاق في وعد بالتدخل العسكري بالطريقة نفسها في كل أزمة. وقد يكون الخلاف عند التطبيق حول حجم الاستجابة وتوقيتها، حتى حين يتفق الشركاء على وجوب تقديمها.
كذلك لا تنتهي الاتفاقية بعد عشر سنوات؛ فهي غير محددة المدة، مع إمكان الانسحاب بعد مرور عشر سنوات على دخولها حيز النفاذ، وبإشعار مسبق لا يقل عن ثلاثة أشهر. ويربط النص النفاذ بإيداع آخر وثائق التصديق، ولذلك يجب فصل خبر التصديق البرلماني عن إثبات اكتمال هذه الإجراءات. [3]
الحاجة السورية إلى الحماية تفسر طلب الانضمام، لكنها لا تحسم استعداد الشركاء لتحمل كلفته.
نعيم مصطفى الفيل
هل يصح وصف اتفاق مكة بأنه «ناتو إسلامي»؟
يختصر وصف «الناتو الإسلامي» فكرة الدفاع الجماعي (Collective Defence)، لكنه قد يرفع توقعات الجمهور فوق ما تثبته ترتيبات الاتفاق. فالتشابه في بند المساعدة لا يكفي للحكم بأن المؤسستين متكافئتان في القيادة والجاهزية والقدرة على التنفيذ.
واللافت أن المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي نفسها تترك لكل عضو اتخاذ الإجراء الذي يراه ضرورياً، بما يشمل استخدام القوة المسلحة. وحتى في هذا النموذج، ينبغي قراءة طبيعة الالتزام قبل استنتاج شكل الرد. [4]
أما اختزال الدول الثلاث في «مال سعودي، وتكنولوجيا تركية، وقدرة نووية باكستانية»، فهو وصف جذاب إعلامياً لكنه غير كافٍ لفهم التحالف. فالقدرة التي تملكها دولة لا تصبح تلقائياً متاحة لجميع شركائها. وبوجه خاص، لا يجوز استنتاج ضمانة نووية لسوريا من مجرد وجود باكستان في الاتفاق؛ فذلك يحتاج إلى التزام واضح، وليس إلى جمع القدرات على الورق.
سوريا واتفاق مكة: تعاون دفاعي لا يساوي العضوية
ثمة تطور لا يجوز تجاوزه عند تقييم فرص دمشق: خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الرياض في 4 تشرين الثاني/نوفمبر، أُعلن توقيع اتفاقية تعاون بين وزارتي الدفاع السورية والسعودية، إلى جانب اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات أخرى. ونقلت الأناضول ذلك عن بيان للخارجية السورية، دون عرض تفاصيل بنود التعاون الدفاعي. وعليه، لا يستقيم القول إن الزيارة اقتصرت على الملفات الخدمية. [5]
لكن التصحيح لا يبرر القفز إلى الاستنتاج المقابل. فالاتفاق الثنائي بين دمشق والرياض لا يساوي قبول سوريا في اتفاق ثلاثي. وقد يفتح باباً للتدريب والتأهيل وبناء الثقة، إذا اتجه تنفيذه إلى ذلك، من دون أن ينشئ الالتزامات التي تترتب على العضوية الكاملة.
وأرى أن هذا المسار يستحق تقييماً مستقلاً: ما القدرات التي سيضيفها إلى سوريا؟ وما الالتزامات المقابلة؟ وكيف ستُقاس نتائجه؟ فالانتظار حتى يتحقق انضمام شامل قد يحجب أهمية تعاون محدود يمكن أن تكون له فائدة ملموسة.
اختلاف الأولويات هو العقبة الأثقل
تبقى إسرائيل في صلب القلق الأمني السوري. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه على الشركاء المحتملين هو مدى استعدادهم لتحويل موقفهم من الاعتداء على سوريا إلى التزام دفاعي قابل للتنفيذ. فرفض الاعتداء سياسياً شيء، وقبول تبعات مواجهته عسكرياً شيء آخر.
ولا أرى فائدة في الجزم بأن لكل دولة عدواً واحداً لا يتغير. الأجدى اختبار مدى تقاطع مصالحها في الأزمة المحددة: هل تعتبر التهديد الذي تواجهه دمشق تهديداً مباشراً لها؟ وهل تتفق على وسائل ردعه؟ وما الكلفة التي تقبل تحملها إذا فشلت الوساطة؟
الحاجة السورية إلى الحماية تفسر طلب الانضمام، لكنها لا تحسم استعداد الشركاء لتحمل كلفته. وقد يكون أصعب ما في التفاوض تحديد ما يشمله الالتزام: اعتداء جديد على الأراضي السورية، أم نزاع قائم، أم تهديد لمنشأة بعينها؟ هذه أسئلة تفاوضية يثيرها وضع سوريا، وليست شروطاً خاصة بها ثبت إقرارها في اتفاق مكة.
ومن هنا يبقى أثر الولايات المتحدة مهماً في حسابات أي مواجهة محتملة مع إسرائيل. لكن تقدير هذا الأثر لا يحتاج إلى افتراض نيات سرية أو تحالفات غير موثقة؛ يكفي السؤال عن قدرة الدول المؤسسة على اتخاذ موقف مشترك إذا تعارضت مصالحها أو اختلف تقديرها لكلفة التصعيد.
رفض الاعتداء سياسياً شيء، وقبول تبعات مواجهته عسكرياً شيء آخر.
نعيم مصطفى الفيل
من إعلان التضامن إلى ردع قابل للتصديق
في البيان المشترك الصادر بعد اجتماع إسطنبول في 31 آب/أغسطس، تحدثت الدول الثلاث عن تعزيز الطابع المؤسسي لتعاونها، وإنشاء أمانة في السعودية، وتقوية صدقية الردع والدفاع الجماعيين. وهذا يبين أن بناء أدوات اتفاق مكة جزء من العمل المطلوب، وليس نتيجة مكتملة بمجرد توقيعه. [6]
الردع (Deterrence) يعني، في هذا السياق، إقناع المعتدي بأن الهجوم سيقابَل بكلفة مؤثرة. ولا يتحقق ذلك بالاسم الكبير للتحالف وحده؛ بل يحتاج إلى تنسيق وقدرات وإرادة يثق الخصم بأنها ستُستخدم عند الضرورة. وإذا بقيت حدود الاستجابة غامضة إلى درجة تضعف هذه الثقة، فقد تتسع الفجوة بين آمال الجمهور والأثر الفعلي للاتفاق.
ولهذا لا أقيس النجاح السوري بصورة قمة أو إعلان تقارب. أقيسه بوضوح ما تحصل عليه البلاد من تدريب وتجهيز ومعلومات وقدرة على حماية الحدود، وبمقدار ما تحتفظ به من قرار مستقل. وأي التزام تتحمله دمشق خارج حدودها يجب أن يُوزن بحاجاتها الداخلية وقدرتها الفعلية، حتى لا تبحث عن تخفيف أعبائها فتضيف إليها عبئاً جديداً.
ويتصل هذا النقاش بمسألة السيادة والوساطة في مقال مآلات «الجنوب السوري بين ترامب ونتنياهو»؛ إذ تبقى قيمة العلاقات الخارجية مرتبطة بما تستطيع تحقيقه على الأرض.
خاتمة: حماية تُبنى ولا تُفترض
لا أزال متشككاً في سهولة انضمام سوريا إلى اتفاق مكة، وأكثر تشككاً في تحويل ذلك، إن حدث، إلى ضمانة عسكرية شاملة. لكن المعطيات لا تسمح أيضاً بإغلاق الباب والحكم بأن الحديث كله أضغاث أحلام. الأدق أن الطريق مشروط بتوافق سياسي وترتيبات تنفيذية لم تتضح نتائجها السورية بعد.
الحلف المفيد لسوريا هو الذي يزيد قدرتها على حماية سيادتها، ويجعلها أقدر على اتخاذ قرارها.
“نعيم مصطفى الفيل”
وأحسب أن على دمشق أن تتابع التفاوض، وأن تطلب إجابات واضحة عن الحماية التي ستنالها والالتزامات التي ستتحملها. وفي الوقت نفسه، عليها أن تجعل بناء جيش وطني مهني واستعادة ثقة المواطنين أساساً لأي شراكة. فمن الصعب أن يعوض الحليف ضعف الداخل، أو أن يمنح دولة قدرة لا تعمل هي على بنائها.


المراجع
- وكالة الأناضول، «الشيباني: دمشق تدرس إمكانية الانضمام إلى حلف مكة»، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2026. ↩
- سوزان فريزر، أسوشيتد برس، «البرلمان التركي يقر اتفاقاً دفاعياً بين ثلاث دول مع السعودية وباكستان»، تغطية تصويت 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026؛ والإفادة التركية بشأن التوسع منسوبة إلى مسؤول غير مسمى. ↩
- ليزي بورتر، ذا ناشيونال، النص المنشور لاتفاق مكة للدفاع المشترك، 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026؛ خصوصاً المواد 2 و8 و16. مرجع صحفي ينشر نص الاتفاق، وليس رابط إيداع رسمي لوثائقه. ↩
- حلف شمال الأطلسي، النص الرسمي لمعاهدة شمال الأطلسي، 4 نيسان/أبريل 1949، المادة الخامسة. ↩
- وكالة الأناضول، «سوريا والسعودية توقعان اتفاقيات ومذكرات تفاهم بينها تعاون دفاعي»، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، نقلاً عن بيان الخارجية السورية. ↩
- وكالة الأناضول، البيان المشترك بشأن تعزيز الطابع المؤسسي للتعاون بين تركيا وباكستان والسعودية في إطار اتفاق مكة، 31 آب/أغسطس 2026. ↩
سؤال المقال:
هل يستطيع اتفاق مكة أن يمنح سوريا حماية عملية، أم أن اختلاف الأولويات وحدود الالتزام سيجعلان التعاون أقل من توقعات السوريين؟








نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.