
![]()
لا يختار الإرهاب أهدافه عشوائياً، ولا يحدّد توقيت عملياته عبثاً؛ فهو يدرك أن الرصاصة قد تقتل إنساناً، لكن انفجاراً يتزامن مع حدث سياسي كبير قد يستهدف صورة دولة بأكملها، ويثير الشكوك في قدرتها على حماية مواطنيها وضيوفها ومستقبلها.
من هنا، لا يمكن قراءة التفجيرين اللذين وقعا في قلب دمشق، صباح الثلاثاء 7 تموز/يوليو 2026، بوصفهما حادثاً أمنياً معزولاً عن سياقه السياسي. فقد انفجرت عبوتان ناسفتان في منطقة حيوية قرب فندق فورسيزنز ووزارة السياحة والمتحف الوطني، بعد وقت قصير من مغادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الفندق متوجهاً إلى القصر الرئاسي للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع.
وأعلنت السلطات السورية لاحقاً أن التفجيرين أسفرا عن مقتل شخص وإصابة 36 آخرين، فيما أفضت التحقيقات والعمليات الأمنية إلى توقيف أفراد خلية قالت وزارة الداخلية السورية إنهم مرتبطون بتنظيم «داعش»، على الرغم من أن التنظيم لم يكن قد أعلن مسؤوليته عن الهجوم حتى وقت إعداد هذا المقال.
استهداف اللحظة السياسية
كان توقيت التفجيرين جزءاً أساسياً من رسالتهما؛ إذ جاءت زيارة ماكرون بوصفها أول زيارة يجريها رئيس دولة من دول الاتحاد الأوروبي إلى سورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وحملت في مضمونها مؤشرات إلى انتقال العلاقات السورية ـ الأوروبية من مرحلة القطيعة والحذر إلى مرحلة الانفتاح السياسي والتعاون الاقتصادي.
لم يتمكن منفذو الهجوم من الوصول إلى الرئيس الفرنسي أو إلى كبار مسؤولي الدولة، ولم ينجحوا في اختراق الطوق الأمني المحيط بالاجتماعات الرسمية، فلجؤوا إلى وسيلة الإرهاب المعهودة: استهداف المدنيين، وإثارة الذعر، وإشاعة الانطباع بأن العاصمة لا تزال عاجزةً عن توفير الأمن والاستقرار.
لم يكن الهدف الحقيقي مقتصراً على إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، بل كان أبعد من ذلك. لقد أراد منفذو التفجيرين إرسال رسالة إلى العواصم العربية والغربية، وإلى المستثمرين والمؤسسات الدولية، وإلى كل من يفكر في فتح صفحة جديدة مع دمشق، مفادها أن سورية لا تزال دولةً مضطربةً، وأنها ليست بيئةً قابلةً للاستثمار أو الشراكة السياسية أو الحضور الدبلوماسي.
إنها محاولة لإعادة إنتاج الصورة التي يريدها الإرهاب لسورية: دولةً معزولةً وخائفةً، تتراجع عنها الوفود، وتتجنبها الشركات، ويهرب منها رأس المال، ويظل مستقبلها أسيراً لصور الدمار والدم.
«الإرهاب لا يكتفي بإزهاق الأرواح؛ إنه يحاول اغتيال اللحظة التي تستعيد فيها الدولة صورتها وثقتها ومكانها بين الأمم.»
“محمد وليد إسكاف“
استمرار الزيارة: هزيمة للرسالة الإرهابية
لم تكتمل الرسالة التي أرادها منفذو الهجوم. فقد واصل الرئيس الفرنسي برنامجه الرسمي، وعقد اجتماعاته المقررة مع الرئيس أحمد الشرع، واستمرت الزيارة وما رافقها من مباحثات سياسية واقتصادية واتفاقات للتعاون بين البلدين.
وكان ماكرون قد غادر الفندق قبل وقوع الانفجارين، وأكد مكتبه أنه لم يتعرض للخطر، فيما أعلن الرئيس الفرنسي استمرار زيارته وأشاد بما لمسه لدى السوريين من شجاعة وإصرار.
يحمل استمرار الزيارة دلالةً سياسيةً لا تقل أهميةً عن الزيارة ذاتها. فهو يؤكد أن الدول لا ينبغي أن تسمح للجماعات المتطرفة بتحديد أجنداتها الدبلوماسية، أو برسم خريطة علاقاتها الدولية بواسطة المتفجرات.
فإذا كان الإرهاب يسعى إلى فرض العزلة على سورية، فإن استمرار التواصل السياسي معها يمثل، في حد ذاته، هزيمةً لذلك المسعى. وإذا كان يريد إبعاد الاستثمارات والوفود الدولية، فإن توقيع اتفاق اقتصادي جديد، أو افتتاح مشروع تنموي، أو وصول طائرة تقل وفداً أجنبياً، يتحول إلى رد عملي على مشروعه.
ومن حق السوريين، في هذا السياق، أن ينظروا بتقدير إلى قرار الرئيس الفرنسي مواصلة زيارته، وعدم السماح للهجوم بتحويلها إلى ورقة ضغط أو مناسبة لإدانة سورية وعزلها. فهذا القرار لم يكن إجراءً بروتوكولياً فحسب، بل حمل رسالة ثقة بأن مستقبل البلاد لا ينبغي أن يبقى رهينةً لمجموعات تؤمن بالموت أكثر مما تؤمن بالحياة.
«حين ترفض الدبلوماسية أن تغيّر مسارها تحت ضغط المتفجرات، يفشل الإرهاب في تحويل الخوف إلى حق نقض على مستقبل الشعوب.»
“محمد وليد إسكاف“
ما كشفه التفجيران عن تحديات المرحلة الانتقالية
لا يجوز، في المقابل، أن يتحول فشل الهجوم في تعطيل الزيارة إلى ذريعة للتقليل من خطورته. فمواجهة الإرهاب لا تكون بالخطابات وحدها، كما لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، مهما بلغت أهميتها وضرورتها.
يعلمنا التاريخ أن الإرهاب لا ينمو في الفراغ، بل يبحث دائماً عن الشروخ السياسية والاجتماعية والمؤسساتية كي يتسلل منها. وكلما اتسعت فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، أو ضعفت المؤسسات، أو غابت العدالة، أصبحت قدرة الجماعات المتطرفة على التجنيد والتحرك والتخفي أكبر.
إن هشاشة الأوضاع الأمنية في المراحل الانتقالية ليست استثناءً سورياً. فقد احتاجت كثير من الدول الخارجة من الحروب والنزاعات إلى سنوات طويلة قبل استعادة السيطرة الفعلية على أراضيها، وإعادة بناء أجهزتها الأمنية والقضائية والإدارية.
وسورية تواجه تحدياً أشد تعقيداً، نتيجة ما خلفته سنوات الحرب من انهيار في المؤسسات، وانتشار للسلاح، وتفكك في الأجهزة، وتدهور اقتصادي، وتراكم للمظالم، ووجود خلايا متطرفة تسعى إلى استغلال أي ثغرة أمنية أو سياسية.
لذلك، فإن المطلوب ليس جلد الذات، ولا إنكار حجم الأخطار، ولا توظيف الحادثة في صراع سياسي داخلي، بل التعامل معها بعقل الدولة، بعيداً عن الارتجال وردود الفعل الانفعالية.
فالاستجابة الفاعلة تبدأ بتحقيق مهني وشفاف، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير، وتطوير العمل الاستخباراتي، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، من دون تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى قاعدة دائمة تمس الحريات أو تضعف ثقة المواطنين بالدولة.
الأمن يبدأ ببناء الثقة
لا تنتصر الدولة على الإرهاب عندما تملأ الشوارع بالحواجز وحدها، بل عندما يشعر المواطن بأن أمن الدولة هو أمنه، وأن مؤسساتها تمثله وتحمي حقوقه وتصون كرامته.
تبدأ المعركة الحقيقية ببناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحويل المواطن من متلقٍّ للقرارات إلى شريك في حماية الاستقرار. وهذه الثقة لا تُبنى بالأوامر، بل بمشروع سياسي وطني واسع، يشعر فيه كل سوري بأنه جزء من المستقبل، وأن الدولة لا تتعامل معه بوصفه تابعاً أو خصماً محتملاً.
ومن هنا، تبدو ثلاثة مسارات أساسية لا تقل أهميةً عن أية خطة أمنية:
أولاً: توسيع الانفتاح السياسي وتعزيز الحوار الوطني
تحتاج سورية إلى حوار وطني حقيقي لا يقتصر على الاجتماعات الرمزية أو التمثيل الشكلي، بل يتيح للقوى السياسية والاجتماعية والفكرية المشاركة في صياغة مستقبل البلاد.
كما ينبغي أن يؤدي البرلمان المرتقب دوره الفعلي في التشريع والرقابة ومناقشة السياسات العامة، لأن المؤسسات القوية والممثلة للمجتمع تشكل خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة.
لا تكمن قوة السلطة في إبعاد النقد أو تقليص المشاركة، بل في قدرتها على استيعاب التعدد، وإدارة الخلاف ضمن القانون، وتحويل التنافس السياسي من صراع على الدولة إلى تنافس داخل مؤسساتها.
ثانياً: احترام استقلال الحياة السياسية والنقابية والمدنية
يجب احترام استقلال الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية ومنظمات المجتمع المدني، ووقف أي تدخل في أعمالها تحت أي ذريعة.
فالمجتمع الحي، بأحزابه ونقاباته وجامعاته ومؤسساته المدنية، ليس منافساً للدولة، بل هو مصدر قوتها وعمقها الشعبي. وهو القادر على مواجهة خطاب التطرف، وكشف محاولات التجنيد، وملء الفراغ الذي تتحرك فيه الجماعات العنيفة.
أما إضعاف المجتمع أو احتكار المجال العام، فلا يؤديان إلى تعزيز هيبة الدولة، بل إلى تجريدها من شبكة الحماية الاجتماعية والسياسية التي تحتاج إليها في مواجهة الفوضى.
ثالثاً: التعامل الجاد مع ملف العدالة الانتقالية
لا يمكن بناء استقرار دائم فوق جراح مفتوحة، ولا إقامة مصالحة وطنية من دون الاعتراف بحقوق الضحايا، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق إجراءات قانونية عادلة.
ينبغي التعامل مع العدالة الانتقالية بعيداً عن الانتقائية والتسييس ومنطق المنتصر والمهزوم. فالعدالة ليست انتقاماً، ولا وسيلةً لتصفية الخصوم، بل أساس لعقد اجتماعي جديد يطوي صفحة الماضي من دون أن يمحوها، ويمنع توارث الثأر والكراهية بين الأجيال.
الدولة التي تتعامل بجدية مع هذا الملف تغلق أحد أكبر الأبواب التي يدخل منها التطرف؛ لأن الجماعات المتشددة كثيراً ما تستثمر في مشاعر الظلم والتهميش واليأس لتبرير العنف وتجنيد الأتباع.
«الدولة التي توسّع دائرة المشاركة تضيق على الإرهاب منافذه؛ والدولة التي تؤجل العدالة تترك للثأر والفوضى أبواباً لا تغلقها الحواجز الأمنية.»
“محمد وليد إسكاف“
التنمية بوصفها خط دفاع عن الدولة
لا يخشى الإرهاب البنادق وحدها، بل يخشى نجاح الدولة وعودة الحياة الطبيعية إليها. إنه يخشى المصانع حين تستأنف إنتاجها، والجامعات حين تمتلئ بالطلاب، والفنادق حين تستقبل الوفود، والمطارات حين تستعيد حركتها، والشركات حين تبدأ الاستثمار، والمدن حين يخرج أهلها إلى أعمالهم وأسواقهم من دون خوف.
لقد رافقت زيارة ماكرون مباحثات واتفاقات اقتصادية، من بينها شراكات متصلة بالنقل والطاقة والبنية التحتية، إضافةً إلى خطوات لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وباريس. وهذا البعد الاقتصادي يفسر جانباً من دلالة استهداف الزيارة؛ إذ لا يريد الإرهاب لسورية أن تنتقل من إدارة آثار الحرب إلى مرحلة البناء والتعافي.
ولهذا، فإن كل مشروع تنموي، وكل فرصة عمل، وكل مدرسة تُرمم، وكل مستشفى يستعيد قدرته على تقديم الخدمات، تمثل ضربةً لخطاب التطرف.
لكن التنمية المطلوبة لا ينبغي أن تتحول إلى أرقام أو اتفاقات لا يلمس المواطن أثرها. فنجاحها يرتبط بالعدالة في توزيع الموارد، ومكافحة الفساد، وشفافية العقود، وإعطاء الأولوية للمناطق والفئات الأكثر تضرراً من الحرب.
إن المواطن الذي يجد فرصةً للعمل، ويحصل على تعليم جيد وخدمات أساسية، ويشعر بأن القانون يحميه، يصبح أكثر قدرةً على رفض خطاب الكراهية وأقل قابليةً للانجرار وراء دعاة العنف.
دمشق بين مشروعين
دفعت دمشق، مثل سائر المدن السورية، ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، وهي تستحق أن تُمنح فرصةً حقيقيةً للسلام، لا أن تبقى أسيرةً لمشاهد الدم التي يحاول المتطرفون إعادة إنتاجها كلما لاح في الأفق بصيص أمل.
قد ينجح الإرهاب في تفجير سيارة، أو زرع عبوة ناسفة، أو إزهاق أرواح بريئة، لكنه يفشل عندما تتحول الجريمة إلى دافع لتعزيز مؤسسات الدولة، وتسريع الإصلاح، وتوسيع المشاركة، وترسيخ العدالة، ودعم التنمية.
ولا ينبغي أن تُفهم الدعوة إلى التماسك الوطني باعتبارها دعوةً إلى الصمت أو تعطيل النقد. فالوحدة الحقيقية لا تقوم على إخفاء الأخطاء، بل على الاتفاق على أن حماية الدولة مسؤولية مشتركة، وأن إصلاح مؤسساتها ومحاسبة المقصرين جزء من حمايتها، لا إساءة إليها.
الرسالة التي ينبغي أن تخرج من دمشق بعد هذه التفجيرات واضحة: لن تُحكم سورية بالخوف، ولن تُعزل بالإرهاب، ولن يرسم المتطرفون مستقبلها بمتفجراتهم.
فالأوطان لا تُبنى على أصوات الانفجارات، بل على قوة المؤسسات، واستقلال القضاء، ووحدة المجتمع، وشجاعة القيادة، وثقة المواطن بأن الدولة دولته، وإيمان الشعب بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.







