المعضلة التي تواجه إيران للرد على تمادي هجمات إسرائيل
هل ستكتفي إيران بسيناريو حَرْقُ المتظاهرين الإيرانيين العلَمَيْن الأميركي والإسرائيلي في العاصمة طهران احتجاجاً على الهجوم، أم أنها مضطرَّة للانتقام على تصفية كبار المسؤولين في الحرس الثوري بعمليات عسكريَّة قادمة؟
“نحن ننتظر بيان رأي السيد القائد [المرشد الأعلى … كيف سيكون الرد على الاعتداء على القنصلية الإيرانية وقتل بعض قادة الحرس الثوري الإيراني… لقد جئنا إلى الجمهورية الإسلامية للمشاركة في مسيرة “يوم القدس” لنؤكد أولاً تجديد تضامننا مع برنامج السيد القائد والسيد الإمام… وثانياً لتجديد عهدنا -أي الولاء للمرشد الأعلى- وننتظر ما هو موقف السيد القائد”.

التحديات
إنَّ التحدي بالنسبة لطهران -الآن- يكمن في تقييم نوعية ردها بشكل دقيق، كي لا يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع تل أبيب. وهذا ما تكشفه التبريرات التي صاغتها تحت مسمى “الصبر الإستراتيجي”، الذي كرره مراراً وزير خارجيتها “حسين أمير عبد اللهيان” مخاطباً المجتمع الدولي إلى ضرورة تقديم “رد جدي” على هذه “الأعمال الإجرامية”. وكذلك دعوته روسيا، لكونها تتدخل عسكريا إلى جانب إيران في سوريا، أن تتدخل روسيا بالضغط على إسرائيل كي يتم “وضع حد لأعمال العنف المسلح الاستفزازية ضد الأراضي السورية والدول المجاورة“، وطلبت إيران عقد جلسة عامة لمجلس الأمن بشأن قصف سفارتها في سوريَّة.
تحليل الدوافع الإيرانية المحتملة
1. حسابات التكلفة والعائد:
التكاليف العسكرية:
- قد تقيّم إيران أنها تستطيع دفع تكلفة الرد العسكري على الهجوم الإسرائيلي، مما قد يؤدي إلى تصعيد واسع النطاق في المنطقة.
- قد تخشى إيران -أيضاً- من الخسائر البشريَّة المحتمَلة لمثل هذا الرد.
- قد ترى إيران أن الرد العسكري قد لا يحقق مكاسب سياسيَّة ملموسة، بل قد يعزز الدعاية الإسرائيلية، ويزيد من توحيد الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين ضدها.
2. الأولويات الإستراتيجية:
- المحادثات النووية: قد تعطي إيران الأولوية لإحياء الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، وإعادة رفع العقوبات.
- تخشى أن يؤدي الرد العسكري على إسرائيل إلى تقويض هذه الجهود.
- الدعم الداخلي: قد تكون إيران حذرة من اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى تفاقم الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، التي تمثل بالفعل تحديات كبيرة للنظام
3. الرسائل الدبلوماسية:الإدانة اللفظية:
قد تختار إيران إدانة الهجوم الإسرائيلي بشدَّة من خلال القنوات الدبلوماسية، وتطالب باتخاذ إجراءات دولية ضد إسرائيل، بينما تتجنب المواجهة العسكرية المباشرة. لذلك ستقوم بما يلي:
- التعزيزات العسكرية: قد تلجأ إيران إلى تعزيز وجودها العسكري في سوريا ردعاً ضد المزيد من الهجمات الإسرائيلية.
- إرسال رسالة قوية -عبر أذرعها المتواجدة في المنطقة- مفادها أنها لن تتسامح مع مثل هذه الاعتداءات. مثال ذلك تصريحات حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق -الذي ذكر آنفاً-.
4. استراتيجية الانتظار:
- جمع المعلومات: قد تقضي إيران وقتاً في جمع المعلومات الاستخبارية وتقييم الهجوم الإسرائيلي وتحديد أفضل مسار للرد.
- انتظار الفرصة: قد تنتظر إيران فرصة مناسبة للرد على إسرائيل بطريقة تحقق أقصى قدر من التأثير مع تقليل المخاطر.
- تعزيز قواتها في سوريَّة: باعتبارها جبهة متقدمة على تماس بإسرائيل، وحليفة مع حزب الله اللبناني.
في الختام:
إن دوافع إيران وراء عدم ردها على الهجوم الإسرائيلي على القنصلية في سوريا معقدة، وتتأثر بمجموعة من العوامل التي تصاعدت حدتها بسبب التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مؤخراَ، حيث هددت كلتا الدولتين بالرد على أي هجمات في مناسبات مختلفة. ويمكن تلخيصها بما يلي:
التهديدات الأمريكية:
في 11 أبريل 2024، حذرت الولايات المتحدة موظفيها في إسرائيل من السفر خارج مناطق تل أبيب والقدس وبئر السبع، وذلك بسبب تهديدات إيرانية محتملة بالانتقام لغارة إسرائيلية على مجمع سفارتها في دمشق في 1 أبريل.
في 11 أبريل 2024، صرح الرئيس الأمريكي جو بايدن أن إيران “تهدد بشن هجوم كبير على إسرائيل” وأن الولايات المتحدة “ملتزمة بأمن حليفتها“.
في 7 مارس 2024، أعلن أنتوني بلينكن -وزير الخارجية الأمريكي- أن الولايات المتحدة ستطلب من مجلس الأمن الدولي إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران إذا لم تلتزم بالاتفاق النووي لعام 2015.
التهديدات الإيرانية:
في 9 أبريل 2024، هددت إيران بالانتقام من إسرائيل بعد غارة جوية على مجمع سفارتها في دمشق.
في 4 يناير 2024، تعهدت إيران بالرد على اغتيال الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني بشن هجمات على أمريكيين.
ولمعرفة المزيد عن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران بسبب المخاوف بشأن البرنامج النووي الإيراني والأنشطة الإقليمية، حيث هددت كلتا الدولتين بالرد على أي هجمات، مما أثار قلق المجتمع الدولي. ودعا الدبلوماسية والحوار التدخل لتخفيف حدة التوتر وتجنب الصراع. يمكن زيارة هذه الموارد الإضافية:
وخلاصة القول
من المحتمل أن تأخذ إيران في الاعتبار التكاليف والعائدات المحتملة للرد العسكري، وكذلك أولوياتها الإستراتيجية، والرسائل الدبلوماسية التي تريد إرسالها. كما قد تختار إيران اتباع استراتيجية الانتظار لجمع المزيد من المعلومات، وانتظار الفرصة المناسبة للرد. من المهم ملاحظة أن هذا مجرد تحليل ولا يمكن الجزم بنوايا إيران الحقيقية دون معلومات داخلية. بالإضافة إلى العوامل المذكورة أعلاه، من المهم مراعاة السياق التاريخي للعلاقات الإيرانية-الإسرائيلية والديناميكيات الإقليمية الأوسع لفهم دوافع إيران بشكل أفضل.
وأفضل شاهد على ذلك قول الخبير الإستراتيجي الأمريكي “فاتانكا”:
إيران حتى الآن آثرت غض الطرف عن الأعمال الإسرائيلية التي تستهدف رجالها في سوريا، ولكن استهداف القنصلية يعني استهداف العاصمة، وعدم الرد سيكون انحناء، وسيكون من المستحيل على طهران أن تجد الخطاب المناسب للتهرب منه.







