
تمر أربعون يوماً على رحيل الإعلامي العربي محمد كعكاتي، المغترب في كاليفورنيا والمنحدر من أصول سورية، فلا يبدو الغياب خبراً انتهى أثره بانتهاء مراسم الوداع، بل جرحاً هادئاً في ذاكرة كل من عرفه، أو قرأ له، أو وقف يوماً أمام عدسته، أو وجد في منبره الصحفي مساحةً لصوته وهمّه وحضوره.
في حياة الناس رجال يمرّون عابرين، ورجال يتركون في الذاكرة أثراً لا تمحوه الأيام. ومحمد كعكاتي كان من الصنف الثاني. لم يكن حضوره صاخباً، ولم يكن ممن يطلبون الأضواء لأنفسهم، بل كان ممن يحملون الضوء إلى غيرهم. كان يذهب إلى حيث تكون الجالية: في لقاءاتها، ومناسباتها، وأفراحها، وأحزانها، ومبادراتها الصغيرة، وقضاياها المؤجلة. هناك كان يجد مادته الحقيقية؛ لا في الحدث الكبير وحده، بل في الإنسان الذي يخشى أن يضيع صوته في زحام الغربة.
صحفي رأى في الجالية قضية لا جمهوراً
كان محمد كعكاتي يدرك، بحدسه المهني والإنساني، أن المغترب لا يحتاج إلى خبرٍ عابر فقط، بل يحتاج إلى من يراه، ومن يصغي إليه، ومن يمنحه حق الظهور في المجال العام. فالغربة ليست انتقالاً جغرافياً من بلد إلى بلد فحسب، بل هي امتحان طويل للذاكرة واللغة والانتماء والكرامة.
من هنا جاءت قيمة عمله. فقد تعامل مع الجالية العربية في جنوب كاليفورنيا لا بوصفها جمهوراً يقرأ صحيفة، بل بوصفها مجتمعاً يحتاج إلى مرآة. كان يعرف أن نشر خبر عن جمعية، أو توثيق أمسية ثقافية، أو تغطية نشاط خيري، أو نقل معاناة أسرة، أو إبراز مطلب مهاجر، قد يبدو في ظاهره عملاً محلياً محدوداً، لكنه في جوهره مساهمة في بناء ذاكرة عامة للجالية.
لقد مارس الصحافة باعتبارها خدمةً أخلاقية قبل أن تكون مهنة. كان يرى أن للمغتربين مطالب لا يجوز أن تبقى حبيسة المجالس الخاصة، وأن لهم هموماً تستحق أن تنتقل من الهمس إلى النقاش، ومن الشكوى الفردية إلى قضية رأي عام. وبذلك لم يكن ناقلاً للأخبار فقط، بل كان وسيطاً بين الناس ومشكلاتهم، وبين الجالية ومؤسساتها، وبين الأفراد والفضاء العام الذي يليق بهم.
من الخبر الصغير إلى القضية العامة
قد لا ينتبه كثيرون إلى الدور العميق الذي تؤديه صحافة الجاليات. فهي لا تملك دائماً إمكانات المؤسسات الإعلامية الكبرى، ولا تقف خلفها شبكات تمويل ضخمة، لكنها تملك شيئاً لا يقل أهمية: القرب من الناس. وهذا القرب كان من أبرز ما ميّز تجربة محمد كعكاتي.
كان يعرف أسماء الناس، ووجوههم، وحكاياتهم، ومناسباتهم، ومواطن فرحهم ووجعهم. وكان يدرك أن القضية العامة لا تبدأ دائماً من بيان سياسي كبير، بل قد تبدأ من مطلب خدمي، أو شعور بالتمييز، أو خوف على اللغة العربية، أو حاجة إلى تمثيل أفضل، أو رغبة في أن تبقى الأجيال الجديدة متصلة بجذورها.
في هذا المعنى، كانت صحافته نوعاً من تحويل التجربة الفردية إلى وعي جماعي. فحين يكتب عن نشاطٍ للمغتربين، فهو لا يوثق مناسبةً فقط، بل يقول إن لهذه الجالية حضوراً يستحق الاعتراف. وحين ينشر صورةً لوجوهٍ عربية في كاليفورنيا، فهو لا يملأ صفحةً في جريدة، بل يحفظ شاهداً على زمن كامل من الهجرة والعمل والاندماج والحنين.
“لم يرَ محمد كعكاتي الجالية جمهوراً عابراً، بل مجتمعاً يحتاج إلى مرآة؛ فحوّل الصحافة من مهنةٍ إلى خدمة، ومن الشكوى الفردية إلى قضية رأي عام.”
“د. جورج توما“
مناقب رجل حمل القلم بلا ادعاء
من مناقب محمد كعكاتي أنه كان قريباً من الناس دون تكلف. لم يكن الصحفي الذي ينظر إلى الجالية من بعيد، بل كان واحداً من نسيجها اليومي. حمل همومها كما يحمل الصحفي الشريف أمانته: بصبر، وتواضع، ومثابرة، وإيمان بأن الكلمة يمكن أن تخفف عزلة الإنسان، وأن الصورة يمكن أن تحفظ له مكاناً في الذاكرة.
كان الوفاء سمةً واضحةً في مسيرته. الوفاء للناس الذين وثقوه، وللمهنة التي أعطاها سنوات عمره، وللغة العربية التي ظلّت في المهجر بيتاً رمزياً لمن فقدوا بيوتاً كثيرة، وللوطن الأول الذي يبقى في القلب مهما اتسعت المسافة. لم يكن انتماؤه إلى الصحافة انتماءً عابراً، بل كان نوعاً من النذر الطويل: نذر الوقت، والجهد، والحضور، والمتابعة، والبحث الدائم عما يستحق أن يقال.
“الوفاء عند محمد كعكاتي لم يكن شعاراً، بل سيرة عمر؛ قلمٌ قريب من الناس، وعدسةٌ أمينة، وقلبٌ ظلّ يرى في الجالية وجوهاً وأسماءً وأحلاماً لا أرقاماً عابرة.”
“د. جورج توما“
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار حتى تكاد تفقد معناها، حافظ محمد كعكاتي على قيمة الصحفي القريب من الناس. الصحفي الذي يعرف أن الخبر ليس رقماً، وأن الصورة ليست ملفاً، وأن الجالية ليست عنواناً عاماً، بل وجوه وأسماء وذكريات ومطالب وأحلام.
ذاكرة المغتربين بين الكاميرا والقلم
لا يموت من يترك وراءه ذاكرةً منظمةً في قلوب الناس. ومحمد كعكاتي ترك شيئاً من هذا القبيل. ترك صوراً، وأخباراً، ووجوهاً، ولقاءات، ومحطاتٍ من حياة الجالية العربية في كاليفورنيا. وترك قبل ذلك كله معنىً مهنياً نبيلاً: أن الصحافة في المهجر ليست ترفاً، بل ضرورة.
إنها ضرورة كي لا يذوب المغترب في صمت المدن الكبيرة. وضرورة كي لا تضيع حكايات الجيل الأول بين لغة الآباء ولغة الأبناء. وضرورة كي لا تبقى مطالب الناس فرديةً ومبعثرةً، بل تتحول إلى نقاشٍ عام، وإلى وعيٍ مشترك، وإلى ذاكرةٍ تحفظ للجالية حقها في الوجود والكرامة.
لقد فهم الراحل أن الكاميرا ليست آلةً باردة، بل عينٌ أخلاقية حين يحملها إنسانٌ يعرف قيمة اللحظة. وفهم أن القلم ليس أداة كتابة فقط، بل وسيلة إنصاف حين ينحاز إلى من لا يملكون منصاتٍ كبرى. ولهذا بقي أثره أعمق من خبر وفاة، وأوسع من أرشيف صور، وأبقى من مناسبة عابرة.
الأربعون: وقفة وفاء لا خاتمة حزن
في ذكرى الأربعين، لا نقف عند الحزن وحده. فالحزن على رجلٍ مثل محمد كعكاتي لا يكتمل إلا بالوفاء لمعنى حياته. والوفاء هنا لا يكون بالبكاء فقط، بل بتذكّر الرسالة التي حملها: أن خدمة الناس بالكلمة والصورة عمل نبيل، وأن صوت المغتربين أمانة، وأن الجالية التي لا توثق نفسها مهددة بأن تفقد جزءاً من ذاكرتها.
لقد رحل الجسد، لكن بقي الدرس. بقي أن الصحفي الحقيقي لا يقيس أثره بعدد العناوين التي كتبها، بل بعدد البشر الذين شعروا أن أحداً التفت إليهم. وبقي أن الإعلامي الصادق لا يصنع شهرته من آلام الناس، بل يجعل من عمله جسراً بينهم وبين حقهم في الظهور والاعتراف.
في أربعين محمد كعكاتي، نستعيد رجلاً أحب الناس بطريقته: حضر بينهم، كتب عنهم، صورهم، حفظ مناسباتهم، نقل مطالبهم، وسعى إلى أن يكون صوتهم مسموعاً في فضاء الاغتراب. وهذه سيرة لا تنتهي بالموت؛ لأنها صارت جزءاً من ذاكرة الجالية التي خدمها.
“في أربعين محمد كعكاتي، لا يكتمل الحزن إلا بالوفاء؛ فقد علّمنا أن الكلمة أمانة، وأن الصورة ذاكرة، وأن خدمة المغتربين بالكلمة والصورة عملٌ نبيل لا يطويه الغياب.”
“د. جورج توما“
رحم الله محمد كعكاتي رحمةً واسعة، وألهم أهله وذويه ومحبيه وأبناء الجالية العربية في كاليفورنيا الصبر والسلوان. لقد غاب الصحفي، لكن بقيت عدسته شاهدة. وغاب صاحب القلم، لكن بقيت كلمته حاضرة. وغاب المغترب، لكن بقي في الذاكرة رجلاً جعل من الغربة مساحةً للوفاء، ومن الصحافة بيتاً للناس، ومن خدمة الجالية رسالة عمر.







