
الأمر يتعلق بملف شائك تتابعه مراكز الأبحاث والصحافة الإقليمية والدولية بعناية فائقة، والأعين معلقة بما تسفر عنه اجتماعات صناع القرار. إنه التطبيع مع حزب الله اللبناني، وطريق دمشق-بيروت السالكة بصعوبة بسبب تراكم المشكلات وتكلسها عبر عشرات السنين، واستعصاء حلها لا سيما بعد التغيرات الجذرية التي شهدتها سوريا نهاية 2024 وسقوط نظام الأسد، وتولي حكومة انتقالية زمام السلطة.
وبعيداً عن القضايا السورية اللبنانية المشتركة، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.. والتي طال وكثر الحديث فيها، والتي لا تبدأ بترسيم الحدود، ولا تنتهي بتبادل الموقوفين والمطلوبين.. ثمة موضوع يتحاشاه كثيرون، وهو علاقة “سوريا الجديدة” بحزب الله اللبناني. هل هناك تواصل دبلوماسي في الكواليس بوساطة تركية، كما تدعي بعض التقارير الصحفية؟. وبعيداً عن كيف ومتى وأين، يُطِلُّ السؤالُ الأبرزُ: لماذا؟!.
التطبيع مع حزب الله: الواقع الحالي
حتى مطلع الربع الأخير من عام 2026، لا يوجد تواصل رسمي أو علني بين الحكومة السورية الانتقالية وحزب الله اللبناني. بل يسود جفاء سياسي وقطيعة دبلوماسية وتراشق إعلامي نظراً لإرث الانتهاكات والاعتداءات للحزب في سوريا ودعمه لنظام الأسد على مدى سني الثورة الأربعة عشر. وما وقع من مسلحيه في سوريا من جرائم، وحالة النفور والاستقطاب بين قواعد الطرفين. ومع ذلك، تشير تقارير صحفية وتسريبات استخباراتية غربية إلى وجود قنوات تواصل أمنية وعسكرية خلفيّة غير معلنة تتم أحياناً برعاية إقليمية تركية أو عراقية. وتهدف حصراً إلى تنسيق أمن الحدود، ومنع الاحتكاك الميداني، وضبط عمليات تهريب السلاح أو تسلل المسلحين عبر الحدود التي لا يمكن إحكام ضبطها.
هذا فيما تثور بعض النقاشات هنا وهناك حول جدوى استمرار حالة العداء، أو توقع الصدام، ولمصلحة من. وما قد يجنيه الطرفان إن تقاربا وطبّعا العلاقة بينهما في إطار إعادة صياغة خرائط التحالفات السياسية الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة وإسرائيل، والحل السياسي المستدام في لبنان بين الحزب والدولة اللبنانية.
وبتعبير أوضح فإن المستفيدون من القطيعة هم الإسرائيليون والأمريكان. حيث ترى إسرائيل في قطيعة الدول العربية التامة مع حزب الله وسيلة لعزله سياسياً ومالياً وجغرافياً، وقطع خطوط الإمداد اللوجستي التقليدية عنه تماماً. كما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل لفرض عزلة تامة على الحزب وتفكيك شبكاته الإقليمية والدولية تمهيداً لحل ذراعه العسكري. وترى واشنطن وتل أبيب في قطيعة دمشق بالذات مع الحزب نجاحاً لسياسة تحجيم النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة.
«تُقاس جدوى التطبيع مع حزب الله بقدرته على تحويل الحدود من ساحة تهديد إلى مسؤوليات واضحة وضمانات قابلة للمساءلة.»
“عبد الرحمن ربوع”
لماذا الحوار
التقارير الصحفية تؤكد حدوث التواصل بين الحكومة السورية الانتقالية وحزب الله. ربما عبر لجان أمنية وعسكرية مشتركة، برتَب منخفضة أو متوسطة، تركز على الجوانب التقنية مثل أمن الحدود والمعابر. وتبادل المعلومات حول المفقودين أو المطلوبين. وتوقف الحزب عن دعم مجموعات مناهضة للحكومة الانتقالية في مقابل تخفيف القيود عن حاضنته الاجتماعية في سوريا. وتُعد العاصمة العراقية المكان الأكثر حياداً ومقبولية للطرفين، نظراً لعلاقات العراق المتوازنة مع القوى الجديدة في سوريا، وعلاقاتها التاريخية مع القوى اللبنانية. كذلك في حال رغبت تركيا في لعب هذا الدور ستكون ضامناً إقليمياً مقبولاً من الطرفين.
لكن مهلاً!
يعلم الجميع أن الخطط والنظريات التي توضع على الورق، وفي تحليلات الصحف، ومراكز الأبحاث غالباً ما لا تتطابق مع الواقع العملي على الأرض، أو مع المعطيات التي تحيط بالسياسيين. كما تفرض عليهم ما لا يعرفه الصحفيون والباحثون، وفق المقولة الشهيرة “حساب السرايا ما بيطلع متل حساب القرايا”. فأي تقارب سياسي أو علني مع حزب الله يهدد المكاسب التي حققتها دمشق مؤخراً مثل الرفع من قوائم الإرهاب وإلغاء العقوبات والدعم السياسي والمالي العربيَيْن. حيث تنظر واشنطن لأي حوار مع حزب الله ببالغ الريبة، وقد تلوّح بإعادة فرض عقوبات.
كما تتبنى دول الخليج الداعمة للحكومة الانتقالية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، موقفاً صارماً تجاه حزب الله. بالتالي، أي انفتاح سوري سياسي على الحزب قد يبطئ تدفق الاستثمارات الخليجية الموعودة لإعادة الإعمار، حيث تشترط هذه الدول ابتعاد سوريا تماماً عن “محور المقاومة” كشرط أساسي لتقديم أي دعم مالي.
«يفرض التطبيع مع حزب الله على دمشق حساباً يتجاوز التهدئة العاجلة إلى أثر كل خطوة في فرص التعافي وعلاقاتها الدولية.»
“عبد الرحمن ربوع”
التطبيع مع حزب الله: محددات ومحركات
تتحرك ديناميكيات العلاقة بين دمشق وبيروت حالياً تحت تأثير أربعة محددات رئيسية أولها الملف الأمني وضبط الحدود. حيث يمثل ضبط الحدود المشتركة، خاصة مناطق القلمون والقصير، الأولوية القصوى لدمشق لمنع تهريب السلاح، وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة، وإنهاء التموضع العسكري المستقل لأي فصائل مسلحة غير سورية. وكذلك المحدد الاقتصادي والتبادل التجاري. حيث تشكل لبنان الرئة الاقتصادية لدمشق عبر حركة البضائع وحوالات المغتربين. كما تسعى الحكومة الانتقالية لترسيم العلاقات الجمركية وضمان تدفق بري آمن عبر المعابر الرسمية لإنعاش الاقتصادين.
ثم هناك الملف الحقوقي والإنساني، ومع عودة أكثر من 1.85 مليون لاجئ سوري من الخارج خلال 20256 و2026، تضغط لبنان التي تعاني أزمة اقتصادية خانقة لتسريع عودة بقية اللاجئين. وهو ما يتطلب تنسيقاً قانونياً ولوجستياً يضمن العودة الآمنة والكريمة بالتعاون مع الأمم المتحدة. وأخيراً البعد الجيوسياسي أو “الشرعية الدولية” حيث تسعى دمشق للحفاظ على مكتسباتها الدبلوماسية الأخيرة، مثل رفع اسمها من قائمة الإرهاب الأمريكية وتخفيف العقوبات. وأي تقارب علني أو غير مدروس مع قوى مصنفة دولياً كإرهابية مثل حزب الله قد يهدد هذه المكاسب ويعيق تدفق أموال إعادة الإعمار العربية والخليجية.
التطبيع مع حزب الله: مسارات متوقعة
بناءً على التقاطعات الجيوسياسية الراهنة، تتأرجح مسارات العلاقة المفترضة بين سوريا وحزب الله بين ثلاث خيارات رئيسية. الأول هو التنسيق الأمني؛ ويقوم هذا الخيار على فصل المسار السياسي والدبلوماسي عن الملفات الأمنية الميدانية والخدمية. وتفعيل لجان عسكرية وأمنية مشتركة برعاية طرف ثالث، مثل العراق أو تركيا، لحل قضايا الحدود والمعابر واللاجئين دون تبادل اعتراف سياسي علني أو تحالف استراتيجي. وبذلك تضمن دمشق استقرار حدودها الغربية واستمرار التبادل التجاري دون إغضاب الولايات المتحدة ودول الخليج. بالمقابل، تضمن لبنان وسيلة رسمية لإدارة ملف اللاجئين وتجنب الاحتكاك العسكري.
والخيار الثاني فهو القطيعة الشاملة، ويندفع هذا الخيار إلى السطح في حال حدوث تصعيد عسكري كبير في جنوب لبنان أو استمرار إسرائيل في قضم الأراضي السورية في القنيطرة وريف دمشق واستهداف خطوط الإمداد. وآليته إغلاق دمشق للحدود البرية تماماً في وجه أي تحركات لوجستية مرصودة للحزب، لتبني استراتيجية “النأي بالنفس” الكاملة لحماية مسار إعادة الإعمار. لكن التداعيات المتوقعة؛ حدوث اختناق اقتصادي حاد للبنان، وزيادة التوتر الأمني على الحدود، واحتمالية قيام خلايا نائمة بمحاولات زعزعة الاستقرار في الداخل السوري.
أما الخيار الثالث فيقوم على تحقق مبدأ التسوية الشاملة. ويتشكل هذا المسار كجزء من صفقة إقليمية أوسع برعاية قوى دولية وعربية لإعادة هيكلة التوازنات في المشرق العربي. وتقوم آليته على التزام حزب الله بجدول زمني للانسحاب العسكري الكامل والمنظم من الأراضي السورية. وتسليم النقاط الحدودية للجيش السوري الجديد. وإخلاء مقراته غربي الحدود للجيش اللبناني مقابل حوار سياسي رسمي مع بيروت يضمن عدم معاداة دمشق للحزب داخل لبنان.
«تظل استعادة السيادة معياراً لمسار التطبيع مع حزب الله؛ فالتفاهم الذي لا يغيّر واقع الأرض يبقى وعداً مؤجلاً.»
“عبد الرحمن ربوع”
رفاهية الاختيار
بطبيعة الحال لا تملك الحكومة الانتقالية في ظل الظروف الراهنة رفاهية الاختيار. لكن يظل الأفضل “تبني استراتيجية الاحتواء البراغماتي المتدرج” لضمان أعلى مكاسب سيادية واقتصادية بأقل خسائر دبلوماسية، وذلك عبر تأسيس “مكتب تنسيق فني مشترك” لحصر قنوات الاتصال الحالية بين دمشق وحزب الله في المسارات الفنية والأمنية لتفادي أي حرج سياسي مع المجتمع الدولي.
هذا مع التمسك بـ”سيادة الأرض” كخط أحمر، والإصرار على الانسحاب غير المشروط لأي عناصر مسلحة غير سورية من القرى الحدودية مع لبنان، وإحلال قوات الجيش والأمن الداخلي السوري مكانها بالتدريج. وتقديم دمشق نفسها لشركائها الدوليين والعرب كعامل استقرار وضبط للحدود، واستخدام قدرتها على تحييد المخاطر كرافعة سياسية لطلب تسريع المساعدات الاقتصادية ورفع ما تبقى من قيود تجارية.


سؤال المقال
كيف يمكن لدمشق إدارة ضرورات التواصل الحدودي مع حزب الله مع ضمان سيادتها وحماية فرص التعافي؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.